As Safir Logo
المصدر:

»يوم مثالي« بين أفضل 10 عروض في مهرجان لندن سينما للمتفرّج لا للمسابقة.. ضد هوليوود ومع الشعوب

من الفيلم العراقي الكردي »كيلومتر صفر« لهونير سليم
مشهد من »الحدائقيّ المخلص« للبرازيلي فرناندو ميريليس
المؤلف: الخزاعي زياد التاريخ: 2005-10-20 رقم العدد:10227

على أي مهرجان سينمائي في العالم أن »يخترع« فضيلته الأولى: برع الفرنسي »كان« بصيد التيارات الجديدة وبسُوقه وثقله الإعلامي، وتفاخر »برلين« بأنه »أول أبواب« التظاهرات السينمائية في الجدولة الدولية. »فينيسيا« معقل المثاقفة السينمائية، و»تورنتو« يدلّع نفسه بأنه أكبر سلّة عروض، فيما »لوكارنو« و»روتردام« يتضامنان بشراكة اكتشاف البواكير السينمائية. تطول القائمة وتنتهي بمهرجانات طويلة العمر، لكن بأحجام منافسة أصغر، ومنها »مهرجان لندن السينمائي« الذي يحتفل بدورته التاسعة والأربعين بين التاسع عشر من تشرين الأول الجاري والثالث من تشرين الثاني المقبل، ويعتبره القائمون عليه »حدث الجماهير«، أو بالأحرى »حدث النظارة«. وفي هذا التسبيق معنى إقامته وتنظيمه منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، فهو محكوم بغياب التنافس بين خاناته وأفلامها، إذ لا جوائز ولا شهادات، بل ست جوائز تقديرية صغيرة، إحداها ل»جمعية النقّاد السينمائيين الدوليين«، وكذلك انعدام البهرجة ونميمتها ومثلها الاستيحاء في عقد صفقات كبيرة كما في »كان« (للمفارقة، فقد بيعت سبعة أفلام فقط للسوق الداخلية، فيما يحافظ مندوبو مبيعات ومبرمجو مهرجانات على حضور العروض الشعبية، ويرتفع عددهم إلى 760 من دون أن تلمسهم دكاكين البيع والشراء، اسوة بالمهرجانات الأخرى). لا سوق في لندن ولا حفلات باذخة، وهي مفارقة إعلامية اقتصادية جعلت هذه الاحتفائية ضد العقلية التجارية التي تطبّعت عليها الشخصية البريطانية. لا يستقيم الكلام عن مهرجان لندن من دون الأخذ بجدّية إصرار إدارته على اعتباره حدثاً ثقافياً بحتاً. فهم يسبغون على أنفسهم (وفي غالبيتهم موظّفون في »معهد الفيلم البريطاني«) صفة »الخوارج« ضد هيمنة هوليوود على السوق المحلية (ما يربو على 78 بالمئة من حصّة العروض سنوياً). لذا، فهم ميّالون إلى انتخاب الشريط الأميركي المستقلّ كأولوية، ومثله تفضيلهم استقطاب المنجز السينمائي الأوروبي باعتباره قيمة مشتركة بين أعضاء المجموعة، وجهداً لعضد صناعة وطنية تواجه رهاناً عصيّاً أمام »كارتلات« »بيفرلي هيلز« (هذه الدورة ستعرض 33 فيلماً كعرض أول أوروبي، و120 فيلماً آخر كعرض أول بريطاني). وفوق هذا كلّه، إنه مهرجان موجّه في معظم جدولته إلى الجاليات العرقية المتعدّدة والكثيرة. المُشاهد الأقلوي ذلك أن برنامجه (الذي بدأ في الخمسينيات بأربعين فيلماً، وبات اليوم يضمّ بين 300 و400 فيلم من مختلف الأصناف والأطوال والتقنيات) معقود على توازن العروض كسباً للمُشاهد »الأقلوي«، الذي له منتوج ثقافي أصلي. من هنا، سنفهم شعار »حدث النظارة«، وتشديد المديرة الفنية للمهرجان ساندرا هيبرون على »أن مرجعيتنا الرئيسة ما زالت قائمة على عرض الأفلام للجمهور البريطاني«، وكذلك مفهوم سلّة العروض التي يقوم بسدّ خاناتها العشر جيشٌ من النقاد والمبرمجين المتفرّغين والمتطوّعين ذوي الخبرة في »اقتناص« أفلام الغرباء (وبالذات سينما العالم الثالث) وتكديسها على شاشات »ليستر سكوير« على مدى ستة عشر يوماً. إن المُتردّد على صالات »مجمّع الفيلم القومي«، الذي يقع على الضفّة الجنوبية لنهر ال»تايمز«، سيصعق من مشاهدة ومتابعة لعبة تغيير السحنة والزيّ واللهجة بين عرض وآخر، على مدى اليوم الواحد. فهذا جمهور معني إلى أقصى حدّ بعدم تفويت فرصة في مشاهدة شريط وصلهم صيت نجاحه في بلدانهم الأصلية. فمثل هذا الحظ لا توفره، كما يُفترض أن تفعل، قنوات التلفزة البريطانية، وتحديداً »القناة الرابعة« في التلفزيون التجاري، والمعنية بثقافة الجاليات، التي تأنف منذ سنوات قليلة عن عرض أفلام عالمية، بما فيها الفيلم الأوروبي. هل يُمكن القول إن »مهرجان لندن السينمائي« محلي الطابع؟ إنه كذلك. لكن رداءه العالمي فضفاض إلى حدّ أن هناك دعوات بدأت ترتفع من أجل مدّ فترة تنظيمه، وتوسيع »دائرة تسفيره« بين المدن، نظراً إلى تحرّك الجاليات وخروجها من غيتواتها التقليدية، والإقامة في مناطق جديدة. نقطة أخرى لصالح عالميته: هناك 44 مؤسّسة إعلامية وتجارية وصناعية وديبلوماسية (منها 12 سفارة أوروبية) ومكاتب إعلامية وإذاعات وقنوات فضائية تجمّعت من أجل عضد أيامه، وعلى رأسها الراعي الرسمي صحيفة ال»تايمز« العريقة. وهذه قضية تستحق الدراسة والتمحيص، وربطها بتنظيم مهرجاناتنا العربية. العرب وحصّتهم حصّة العرب ليست أقلّ مما كانت عليه في المهرجانات الكبيرة، ليس بسبب شحّة العروض، بل يبدو أن المبرمجَين العربيَّين لم يُكلّفا نفسيهما لاكتشاف أصوات جديدة، بل اكتفيا بما جادت به مهرجانات أخرى، وقدّراها ضمن مزاجيهما وقناعاتهما، إذ ليس هناك ما يبرّر غياب شريط »ماروك« للمغربية ليلى مراكشي، وهو عمل سجالي حول المراهقة وفهمها لتداخل الأديان وتسامحها، من خلال حكاية فتاة مسلمة من عائلة نخبوية تقع في حبّ شاب يهودي في أحياء الدار البيضاء الراقية، أو »بوسطة« اللبناني فيليب عرقتنجي الذي أعدّه فيلماً سياسياً راقياً بامتياز، إذ عمد هذا المخرج النبيه إلى إلباس تهكّمه جلبابا الكوميديا والموسيقى، بالإضافة إلى الغناء والاستعراض الراقص ليغمز في حالات الطائفة والأحزاب والثقافة والفضائيات وقيم التجديد ومثلها الحب والعائلة في مجتمع ما زال يقف متوجّساً من رصاصة حرب جديدة. ما سيعرض هو التالي: صاحب »حيفا« الفلسطيني رشيد مشهراوي سيأتي بجديده »انتظار«، الذي يداور فيه حكاية الترحال الضمني التي شعت في فيلمه السابق »تذكرة إلى القدس«. وبدلاً من بطله عارض الأفلام الذي يجول المدن والمناطق الفلسطينية، مشيعاً فرحة جماعية سينمائية تختزل الشتات الداخلي المفروض إسرائيلياً، عمد رشيد مشهراوي هذه المرة إلى »تثليث« بطله إلى نماذج ثلاثة: مخرج ساع إلى الهجرة ومكلّف باكتشاف ممثلين وضمّهم إلى الفرقة القومية الفلسطينية، ومذيعة عادت مستفيدة من اتفاقات أوسلو، ومصوّر لم يغادر فلسطين أبدا، تقودهم جولاتهم إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان والأردن وسوريا والضفّة. صاحبا الشريط المميّز »رماد« اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج سيعرضان »يوم مثالي«، الذي حصد جائزة »جمعية النقاد السينمائيين الدوليين« في الدورة الأخيرة لمهرجان »لوكارنو«، والذي اختارته مجلة »سايت أند ساوند« البريطانية المتخصّصة في الخانة السابعة لأفضل عشرة أفلام ستعرض في المهرجان اللندني. وفيه متابعة لمحنة البطلة كلاوديا (جوليا قصّار) وابنها مالك (زياد سعد) منذ توقيعها أوراقاً رسمية تعتبر زوجها ميتاً منذ اختفائه في خلال الحرب الأهلية. ثالث العروض العربية جديد اللبناني الأصل السويدي الجنسية يوسف فارس »زوزو«، الذي عُرف نقدياُ بفيلمه »يلاّ يلاّ«. كوميدياه الثانية هذه تسرد رحلة الفتى اليافع من بيروت الحرب إلى سويد العزلة والمنفى، حيث سيتحتم عليه أن يتطبّع مع مجتمع لا يبدي عواطفه بسهولة. محنة العراق منذ إقصاء البعث وتكريس حكومات الموالاة الأميركية، أفترض أنها ستكون الحدث المركزي لشريط المخرج العراقي الكردي المقيم في باريس هونير سليم »كيلومتر صفر«. غير أنه قرر النقر على دف الكوميديا ليقع في فجاجة سينمائية ونظرة قاصرة، وعنصرية تجتزأ جريمة البعث وصدام، وتقتصرها على الكردي من دون سواه، مستغفلاً بإصرار نادر دماء الكثيرين التي سُفحت في وسط العراق وجنوبه: آمحو يرتحل مع سائق سيارة أجرة عربي شوفيني من بصرة الجنوب إلى أقصى قرية في ريف كردستان ليتبادلا الشتائم والنقّ العرقي والطائفي، فوقع صاحب »فودكا بالليمون« (الفيلم السابق لسليم) في كاريكاتورية مفتعلة انتقصت من موهبته. أما المغرب، فمحطّته فرنسية عبر شريط المخرج سيرج لبيرون »شاهدت اغتيال بن بركة«: المئة دقيقة (مدّة الفيلم) إعادة تركيب درامية لحدث واقعي لم يتمكّن أحدٌ من الوقوف على عناصره الحقيقية وفكّ لغز اختفاء القائد المُعارض، ومن ثمّ تصفيته في العام 1965. حوّل لبيرون الوجهة من واقعة الاغتيال، ليركّزها على شخصية المجرم جورج فيغون (النجم تشارلز بيرلينغ) الذي يسرد اعترافاته الشخصية قبل مقتله اللاحق والغامض في غرفته الوضيعة. ومن خلال هذه الاعترافات، يعرج على محنة بن بركة الذي أدّاه اللبناني الأرمني سيمون أبكاريان. من فينيسيا جاء فيلما الافتتاح والختام مباشرة من »فينيسيا«، وبعد عروضهما في »تورنتو«. للأول اختير العمل الثاني للبرازيلي فرناندو ميريليس (الذي اشتهر بباكورته »مدينة الربّ«)، المُقتبس عن رواية جون لوكاري »الحدائقيّ المُخلِص«، التي تضع في أسها الدرامي جريمة قتل ناشطة في حقوق الإنسان والتمثيل بجثّتها في إحدى القرى الكينية النائية. يسعى زوجها القلِق ذو الشخصية المغيّبة جوستن (أداء محكم للممثل البريطاني رالف فاينس) إلى معرفة الحقيقة التي تقوده إلى فكّ خيوط مؤامرة وجشع أزهقا أرواحاً كثيرة، كما يستهدفانه هو شخصياً في مرحلة لاحقة. ميريليس هو الاختيار الأفضل لأفلمة نص السيناريست جيفري كين، من دون أن يتخلّى عن أسلوبه التقطيعي اللاهث والمركّب الذي كرّسه في شريطه الأول. ختام الأيام سيكون من حظّ النجم الأميركي جورج كلوني وتهكّميته السياسية الأخّاذة والمفاجئة »عمتم مساءً وحظّاً سعيداً«، التي أرخت للصدام الإعلامي المرير الذي وقع بين قارئ نشرة الأخبار الشهير في قناة »سي بي أس« إدوارد مورو والسيناتور جو مكارثي، وتحامل الأول على لجنته سيئة الصيت، واستهدافها الموتور للنخبة الثقافية في الخمسينيات الأميركية. عرف مورو شهرة واسعة من خلال مجازفته بحياته في نقل مشاهدات حيّة للقصف النازي على لندن وهو يقف على السطوح المكشوفة للأبنية غير آبه بالموت. واستكمل مجده بحلقات تلفزيونية أسبوعية من برنامج »شاهدها الآن« (1954)، أشهرها على الإطلاق حصاره لجو مكارثي في إحدى المقابلات، مما دفع بالسيناتور إلى اتهامه بالشيوعية. لم يحوّل جورج كلوني (ويا للغرابة) مورو إلى بطل شعبي، أو إلى بطل على طريقة هوليوود، بل أراده وجهاً لبارانويا الحرب الباردة، وبالذات فيما يتعلّق بقطاع الإعلام الذي لعب دوراً لطالما أغفلته هوليوود. وتكمن شجاعته (كلوني) في اختياره موضوعاً يُقارب ويغمز بشكل موارب من حقبة الرئيس جورج بوش الابن، حيث أصبح الكذب الإعلامي منهجاً لتبرير حروب واحتلالات وتخوين أمم وشعوب. لا تكفي هذه العُجالة لعرض النماذج الكثيرة التي تُقدّمها الدورة ال49. لكن المرء لا يستطيع الفكاك من ذكر مفاجأة سينمائية خالصة، أثارت لغطاً شديداً في »كان«، وحصدت الكاميرا الذهبية عن جدارة، وهي مُقبلة من رومانيا بتوقيع المخرج تشرستي بويو وفيلمه الثاني »موت السيد لازاروسكو«، الذي تتألّق فيه صناعة الدراما السياسية، وتصل إلى مداها الانتقاديّ اللاذع على شاكلة أعمال البريطاني مايك لي وسوداويته الاجتماعية. السيد لازاروسكو الأرمل البالغ من العمر ثلاثة وستين عاماً يشعر بصداع وغثيان، فيطلب عوناً من جيرانه المتأفّفين من إدمانه وعفونة شقّته التي تشاركه فيها ثلاث قطط، في انتظار سيارة الإسعاف. محنة لازاروسكو تبدأ من لحظة إغلاق باب تلك السيارة ونقله إلى أول مستشفى نظراً إلى تردّي حالته. غير أن المراكز سترفض استقباله، الواحدة تلو الأخرى، ويبقى البطل العجوز ممدّداً ودائراً في شوارع بوخارست على مدى 153 دقيقة (مدّة الفيلم)، لينتهي جثة لا يُعرف من المُتورط في موت صاحبها: الحظّ، أم الفوضى، أم أنانية البشر وقساوة قلوبهم؟ إلى ذلك، كيف يفشل بلد، أطاح بديكتاتوريته وتماثل مع أوروبا، في إنقاذ روح مواطن عاجز؟ (لندن)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة