هل تذكرون فيلم »الليلة الأخيرة« لفاتن حمامة ومحمود مرسي؟ ذلك الفيلم الذي تؤدي فيه فاتن حمامة دور فتاة فقدت ذاكرتها بفعل غارة جوية وقضت سنوات طويلة بعدها تعيش شخصية شقيقتها؟ هل تذكرون تلك الشقيقة التي تشبه فاتن وتموت في القصة نتيجة الغارة الجوية نفسها؟ بالمناسبة، اسمها الحقيقي هو فاتن، لكنها اليوم لم تعد تلك الشابة التي اختارها محمود مرسي لتؤدي دور الشقيقة، هي اليوم جدة تهتم بحفيدتها أكثر من اهتمامها بالظهور على الشاشة أو المسرح. فاتن أنور، وشهرتها بين رواد المسرح المصري ومستمعي الإذاعة تفوق بكثير شهرتها بين مشاهدي التلفزيون. في المسرح، حازت على لقب »ممثلة قديرة« بعد أكثر من أربعين عاماً من التمثيل في مسرحيات كثيرة، نصوص بعضها عالمية. لكن تواجدها في التلفزيون بقي قليلا لا سيما خلال السنوات الماضية. سمتها أمها فاتن تيمناً باسم تلك الطفلة الصغيرة (فاتن حمامة) التي ظهرت مع محمد عبد الوهاب في فيلم »يوم سعيد«. كانت تدرس الأدب الإنكليزي فقادتها قراءاتها في بداية الستينيات إلى مجال التمثيل... فلقد أحبته. وبعد تخرجها، أدّت فصلاً مسرحياً باللغة الإنكليزية أمام لجنة من كبار الفنانين الباحثين عن مواهب جديدة للمسرح القومي. نجحت في الاختبار وكانت من بين الأربعة عشر فناناً الذين اختارتهم اللجنة من أصل 300 مشارك. لكن آمالها في الحصول على أدوار جيدة انهارت بعدما باتت تسند لهذه المواهب أدوار كومبارس، فانتقلت إلى »مسرح التلفزيون« وأدّت في عروضه أدوار البطولة. تصف فاتن أنور المسرحية التي أدت فيها للمرة الأولى دور البطولة بالفاشلة! في مرحلة لاحقة، عملت تحت إدارة الفنان والمخرج محمود مرسي في عمل حمل عنوان »قصر الأحلام«. فراقب قدراتها التمثيلية ورشحها لدور شقيقة فاتن حمامة في فيلم »الليلة الأخيرة«. الحديث مع فاتن أنور لا يجرى بسهولة، فغالبا ما تقاطع انسيابه حفيدتها ابنة الأربع سنوات، تطالب جدتها بقبلة، باحتضان. فالفنانة التي أحبت التمثيل خلصت إلى قناعة تفيد بأن مسك العصا من نصفه مستحيل: »إما أن يكون المرء فنانا مشهوراً أو يهتم بعائلته«. وهي اختارت العائلة، وحافظت على علاقتها بأدوار المسرح القومي التي اعتبرتها وظيفة آمنة لا تضطرها على الجري خلف المخرجين والمنتجين أو على الانخراط في أجواء الشلل الفنية والسهر. تزوجت أحد أهم الكتّاب ونقاد المسرح في ذاك الزمن، هو وحيد النقاش، وسافرت برفقته إلى فرنسا حيث عملت في الإذاعة الفرنسية التي توجه بثها إلى الدول العربية، ثم انتقلت إلى »هيئة الإذاعة البريطانية«. أعدت برامج وقدمتها ومثلت في مسلسلات إذاعية وأذاعت النشرات الإخبارية لكنها ترمّلت باكراً فعادت إلى مصر، إلى المسرح القومي. انصب اهتمامها على ولديها فأبعدها خيارها هذا عن الوسط الفني. ولعل أسلوب حياة هذا الوسط لم يغرها كثيراً ففضلت الابتعاد عنه. ولا تتوانى فاتن عن وصفه بالوسط المريض على الرغم من حبها للفن الذي تراه من أرقى المهن: »إلا أن طبيعة البشر تتحكم فيه«. الشهرة وأدوار البطولة لا يصلان الفنان بحسب فاتن إلا عبر طريقين: »إما بواسطة الحظ الذي يحضر في المهنة كما في الحياة، أو من خلال شبكة علاقات عامة يبنيها الفنان. فنصدف حالات يتم فيها اختيار البطل على أسس لا تمت للموضوعية الفنية بصلة، كعلاقة قربى تربطه بالمخرج أو رؤية خاصة تدفع بالمنتج لفرضه على العمل«. الشهرة برأي فاتن تحتاج إلى »قدر عال من النرجسية وحب الذات ونبذ التواضع. بغير ذلك، لا يمكن لفنان أن يفرض حضوره في الوسط«... وهي لم تكن كذلك. فهي حتى اليوم تخجل إن عرفها مواطن في الشارع، وتفضل أن تعيش الحياة على سجيتها. وزاد بلوغها سن التقاعد في المسرح القومي من بعدها عن الوسط الفني. آخر أعمالها التلفزيونية هو »أميرة في عابدين«، أدّت فيه منذ سنتين دور جارة »أميرة« (سميرة أحمد) القبطية. أما آخر أعمالها السينمائية فهو فيلم »ليه خليتني أحبك« وأدت فيه منذ ثلاث سنوات دوراً كوميديا: أم الفنانة حلا شيحا. أما آخر عمل مسرحي شاركت فيه فكان »أهلاً يا بكوات« مع حسين فهمي وعزت العلايلي (وقد حلّ محمود ياسين مكانه لاحقاً) في أوائل التسعينيات واستمر عرضه ثلاث سنوات متواصلة. اليوم، ترى فاتن أن خيار العمل في مجال التمثيل، وهو عمل تعشقه، يصدر عن مرض نفسي في ذات الممثل يحاول التخلص منه عبر التمثيل. الممثل بالنسبة إليها مريض: إما يحتاج إلى العاطفة، فيحاول أن يجدها في حب الجمهور أي الجماعة... أو أنه على درجة عالية من النرجسية، فيسعى دائماً إلى أن يكون مركز اهتمام الناس من حوله... أو تعاني شخصيته من الخجل والضعف فيداويها بالتمثيل. اليوم، تقول أنها »شفيت«.