بدءاً، نقصد بالشعر النسوي، درءاً لأي التباس، وابتعاداً عن أية تجاذبات يتخذها »أو يتم اتخاذها حول المفهوم، الشعر الذي تكتبه المرأة، حرفياً، بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود النسوية« أو نسوية من نوع ما فيه. ونقصد بالجديد، شعر ما بعد شعر الحداثة. *** لم يتّخذ الشعر النسوي الجديد في سوريا، أثناء ظهوره، طابعاً خاصاً ومستقلاً، إن من حيث تطوره التاريخي وعلاقته بالشعرية العربية، وإن من حيث حضوره الراهن ومؤدياته. لقد ظهر ضمن مسيرة الشعر الجديد، ضمن المعطيات ذاتها، ضمن الاختراقات ذاتها. بتعبير آخر: ظهر، بوصف الشعر لغة، ضمن الحقل اللغوي ذاته. فلا يمكن القول إن ثمة لغة خاصة تظهر في شعر المرأة، أو ثمة معنى خاصاً تؤدي إليه أو تكتشفه علاقات النص اللغوية. ذات الأدوات وذات المؤدّى. على هذا لا يمكن أن نرمي على أحد وجهي الورقة: الشاعرة المرأة والشاعر الرجل تبعات ما آل إليه الشعر: مستوياته، تعبيراته، قيمه، قيمته، ومؤدّياته ضمن الأسس الراسخة للشعر العربي، وبصفة خاصة لما يُسمّى شعر الحداثة الذي انبثق في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، والذي كرسته وساهمت في انطلاقته مجلة »شعر« 1957. إذ أن شعر الحداثة وما يُسمى أيضاً شعر الستينيات هو الذي تبنّى وأطلق إلى حدّ كبير التجديد الشعري على كافة مستوياته، بدءاً من التخلي الكامل عن عمود الشعر والانحياز للتفعيلة، ثم إطلاقه قصيدة النثر عبر سنية صالح، محمد الماغوط، وأنسي الحاج...، انتهاء بالموضوعات التي طرحها ذات العلاقة بالوضعيات الكبرى في التاريخ الثقافي والسياسي العربي: وطن، أمة، صراع... من جانب. ومن جانب آخر، المواضيع ذات العلاقة بالجسد، الذات، المهملات، والمتروكات... الخ، وعلاقة ذلك كله بالمعنى ومعنى المعنى... مؤذناً ب/ ومؤسساً لانقلاب شعري غاية في الثورية، لم يسبقه، ضمن حقله، أي انقلاب شامل على هذا المستوى. لم يظهر الشعر النسوي الجديد، إذاً، ضمن سياق خاص بالكتابة النسوية، كاستجابة، أو إفراز، أو تعبير عن / أو تأسيس لحركة نسائية تنطوي على أهداف خاصة من مثل: مواجهة المجتمع والثقافة البطريركيين، أو إظهار المرأة على أنها صاحبة قضية تاريخية يجب الاعتناء بها وإعلاء شأنها... الخ. والحال هذه، فإن ما يميز الشعر الجديد في سورية: مدحاً وذماً، ينطبق على الشعر النسوي أيضاً. فإذا كانت الميزة الأكثر أهمية للشعر الجديد هي البحث المحموم عن الشكل والبحث المحموم عن المعنى، وما أدّى إليه ذلك من ظهور شبه ساحق لقصيدة النثر، وإفراز مساحة كبيرة لقصيدة التفاصيل وقصيدة غير المعبَّر عنه، والابتعاد، ما أمكن، عن الموضوعات الكبيرة كردّ على شعر الحداثة، مع انحسار، كبير أيضاً، لقصيدة المجاز أو القصيدة ذات العلاقات اللغوية الصعبة: من حيث إقامة علاقة بين لفظة وأخرى ليست من النوع ذاته، والتي تنطوي على إعادة القرابة الأولى للأشياء، وتخرج من سياق القصيدة التي تعبر عن (معنى) إلى سياق القصيدة التي توصل إلى معنى، إضافة إلى حضور، وإن كان باهتاً، لقصيدة الكولاج التي تحاول الإحاطة بكل شيء. إذا كان ذلك كذلك، فإننا لم نلحظ ميزة مختلفة عن هذا لنص المرأة. إن ذلك لا يعني ولا يؤدي إلى إطلاق حكم قيمة من أي نوع، وعلى أي نحو، على نصها. إن ما يؤدي إلى ذلك هو النص ذاته. إن اللغة التي تشكّل نص المرأة الجديد هي اللغة التي تشكل النص الجديد بإطلاقه، وإن حقن اللغة بتلك الحقنة السيميولوجية التي من شأنها أن تضفي معنى أنثوياً على العالم، أو تؤنثه، هي ذاتها التي تحقن النص بإطلاقه، وبذات الطريقة يتمّ الاشتغال على اللغة لتكون شعرية. وعليه، فإنه يتعين علينا أثناء قيامنا بالبحث عن الاختلاف، أن نبحث عنه بين نص وآخر، بين تجربة شعرية وأخرى، وليس بين نص كتبته المرأة، وآخر كتبه الرجل. *** بدءاً ثانياً، وقبل عرض نماذج من هذا الشعر، تنبغي الإشارة إلى أنني لم أنوِ، عبر هذه الملاحظات، تلخيص تجربة الشاعرة المعنية، إنما كانت الملاحظات تنصبّ على الكتاب الشعري المشار إليه حصرياً. إذ، ثمة تفاوت مثير للاهتمام بين كتاب شعري وآخر للشاعرة ذاتها. دعد حداد يقول نزيه أبو عفش عن دعد حداد في مقدمة ديوانها »الشجرة التي تميل نحو الأرض« إنها »تنفرد، بين جميع من عرفت من شعراء، بكتابة بريئة من آثار بصمات الآخرين«، ويعتبر أن »أشعارها« »تتفتح باستقلالية مطلقة على بياض الورقة«. الحقيقة، إن هذا الرأي ما إن يطلق على تجربة شعرية ما، حتى يقود باتجاه قراءة هذه التجربة بهدوء وتعمّق، إذ أن الخلو من »آثار الآخرين« مسألة مشكوك فيه بإطلاقها، فثمة حبل سري يربط شاعراً بآخر... ولدى العرب سلالات شعرية: المعري، المتنبي، أبو نواس، أبو تمام... إلخ، وتضمّ هذه السلالات كبار الشعراء العرب الحديثين وصولاً إلى الشعراء الجدد. إن التأثر الشعري يبدو، لكثرته، وكأنه قدر، بل، كأنه ضرورة. إن الطموح بكتابة خالية من الآخرين لم يتحقق بعد. ما يدعم رأي أبو عفش قول بندر عبد الحميد عن الشاعرة ذاتها في أنها: »وحيدة بلغتها« وأنها »لا تخاف من اللغة، تغرف منها ما تريد، ولا تنحت« (غلاف الديوان). إن ما يحقق هذه »الفرادة«، هو أن دعد حداد لا تفرق بين الكلام والكتابة. يبدو أنها تكتب كما تتكلم، وربما، كما نتكلم، جميعاً، في حالات حزننا الغامر والشفاف، الأمر الذي يجعل الشاعرة تبوح، أو كما يقال: تبث شجونها بعفوية وتلقائية معتبرة أن الشعر نوع من (الفضفضة) عمّا يسيطر على الإنسان من كوابيس. إنها، بتعبير آخر: تدوّن همومها أو هموماً عامة، أو حالات يعيشها الإنسان، أكثر مما تكتب. إن الحزن المأسوي والبالغ الذي يطفو على نصوصها، بل يتوغل عميقاً فيها جدير بجعلنا ننظر إليه وكأنه أكثر أهمية وقوة من الشعر جميعاً، ومن الكتابة جميعاً، ولكن مع تقدمنا خطوة عن هذا، نعود إلى إدراك أن لا شيء خارج النص، وبدءاً من هذا الأخير يظهر العالم، وتتحدد العلاقة معه: »تدحرج الطفل العاري... فوق المروج الخضراء... وقطف وهو يتنفس بعمق... زهرة من شقائق النعمان... وتوقفت نحلة فوق الزهرة... فابتسم لها الطفل... واشرأبت الشمس الحمراء فوق الظهر العاري... وفوق السهول والوديان والجبال والنحلة فبدت الدنيا لا نهاية.. لها... ولكن حين جاء القمر البنفسجي... نام الجميع... واستيقظت الحية« (ص 7372). سوف لن نجد، حقاً، فيما ستأتي الإشارة إليه من نصوص، طريقة مماثلة وشبيهة لطريقة حداد في تقديم ما ترى أنها شعريتها. مرام المصري مرام مصري تبني، في المجموعة المشتركة »أنذرتك بحمامة بيضاء« مع محمد سيدة ومنذر مصري، حالات قوية من الحب، عبر حشد الكثير من التفاصيل اليومية التي تكوّنه وتصنعه. بدت هذه التفاصيل هادئة ودقيقة، إذ أن اللغة إليها كانت موازية: هادئة ودقيقة. لم تغرق في التفاصيل، ولم تغرق هذه فيها »مشغولة أنا، منذ الصباح حتى الصباح، أكتب لك أشعاراً، لا تنال رضاك (ص14). و»بعد أن نفضت عني، الحب والبهجة، الحزن والأمل، وبدوت كشجرة عارية، من الأوراق والثمار، والعصافير، نزعت أزراري من عراك، وقررت، نسيانك« (ص19) فبدا أنه كانت تصنع نصها كلمة كلمة، هي ذاتها التي تصنع بها حبها، وكأنه كلما كانت اللغة مبنية بإحكام، كان الحب مبنياً بإحكام. إن التهديد الذي يواجه هذا الحب ويظهره على أنه شديد الهشاشة هو تهديد لغوي. إذ أن الارتهان للتفاصيل يجعل اللغة تعمل وكأنها مقيدة إليها، ويجعل إمكانية حقنها سيميولوجياً بسيطة، إذ ما الذي يمكن أن يؤدي إليه تتابع الكلمات الذي هو تتابع واقعي للتفاصيل؟ بمعنى إن الأشياء كما هي في الواقع هشّة ومهدّدة بالزوال، وإن اللغة التي لا تفعل سوى نقل هذه الأشياء كما هي في الواقع، تبدو، هي الأخرى، هشّة ومهددة بالزوال. إذ أن اللغة التي تقاوم الزوال وتجعل العالم يحدث، هي التي تعيد ترتيب الأشياء، وتبني علاقات جديدة بينها، علاقات ستجعل القارئ، بصفة مستمرة، يظن أنها تحدث للمرة الأولى، وطالما تحدث للمرة الأولى بصفة مستمرة أيضاً، فهي متجددة وغير مهددة بالزوال. هالا محمد إذا كانت مرام استطاعت التخفف من خطر الزوال عبر الأناة والدقة والهدوء في صناعة جملتها، فإن هالا محمد ساهمت، إلى حد كبير، بصنعه. يعتبر تودوروف أن »التفكير حول اللغة« أصل كل ثقافة إنسانية. بالعودة إلى أصل الثقافات البشرية، نجد أنها، حقاً، بدأت بهذا التفكير. إن الثقافة العربية الإسلامية، كمثال، بدأت منذ التفكير حول لغة النص القرآني، وتم الانتقال بالكتابة من التدوين والتوثيق إلى الكتابة الفنية بالتفكير ذاته: اللغة، شكل الكلمات، تتابعها، تقديم كلمة أو تأخيرها في الجملة، المعنى المحتمل... إلخ، وبدءاً من هنا، كان يقاس مدى تطور نص أو تجاوزه لآخر، وبدءاً من هنا، أيضاً، اتخذت اللغة في النص الأدبي خاصة وضعية مركزية، ولم يزل الأمر سارياً حتى هذه اللحظة. وإلا ما السر في تقدم نص على آخر رغم الاشتراك بالمضمون! إن »التفكير حول اللغة« لم يكن شاغلاً من شواغل هالا محمد في مجموعتها »هذا الخوف«. كان ثمة تتالٍ للكلمات محدد مسبقاً تبعاً للمفارقة التي تريد إحداثها في نهاية المقطع أو القصيدة، وذلك عبر حشد من التفاصيل التي أرهقت النص وشكلت شوائب حجبت ما يمكن أن يظهر فيها من جمال أو معنى، الأمر الذي قادها إلى صنع مفارقة، حقاً، كما تشاء، إلا أنها مفارقة في الحدود الدنيا. »اعتدت الصمت، اعتدت السكون، السكون، كمشة التراب، دودة الأرض، الرطوبة، النرجس البري هبة الهواء، الضوء، البرودة، ...، عناصر صدى الصوت، الصوت، الصوت، الصوت، ...، الصمت.(ص 47 48) هذا يعني أن النص فشل مرتين: مرة في خلوه من، اللغة، مكتفياً بتتابع (واقعي) للكلمات، مشياً وراء التتابع الواقعي للتفاصيل اليومية، ومرة في خلوه من المعنى الذي يريده عبر ذلك التتابع المعنى الموعود بالمفارقة وعبرها. إن تحول، اللغة، إلى مجرد كلمات أطاح بالعملية الشعرية. فإذا كانت القصيدة حالة استعصاء تصيب اللغة، حالة من اللاشرعية تجعل الشك بحقيقة وجدوى الشرعية قائمة بقوة، فإن الخضوع للفكرة المسبقة، حول اللغة (اللغة، هنا، بين قوسين) إلى مجرد خادم على باب الفكرة المضمون، ومجرد ناقل لها، إنما ناقل يعاني من خلل في النطق. »رغم صدرك ورأسي، رغم أكتافك، أعادت إلى أكتافي اعتبارها...«. (ص 109) فرغم أني، كل يوم..، كأنني في أول الرقة، تستقر، في الريق، في دهشة العين، والموت معاً، تستوي روحي بأمان، بسكون، أفيض بالخير، أعتذر... ، وأخجل، هكذا... أخجل، لا أصدق هذه النعمة (ص 110). رشا عمران إذا كانت موضوعة الحب مركزية في مجموعة رشا عمران، ظلك الممتد في أقصى حنيني، فإنه لم يكن مجرداً، لم يكن الحب ولا شيء غير الحب، كان ثمة وعي بغيابه، وذلك، ربما، لفرط حضوره، وأحياناً، ثمة وعي بحضوره لفرط غيابه. وفي الحالة الأخيرة، هو حضور لا يكف عن الغياب، إذ ثمّة موت متربص به، ثمة هشاشة، ثمة نكران ولامبالاة، ثمة ما يجمع العشاق وما يجتمعون عليه بصفة مستمرة. فاللغة، بوصفها بنية، كانت تقول ما تقوله عادة من أن الحب كما أنه يورث الحزن والرغبة بالموت، فإنه يورث القدرة على التفجّر وتغيير لون الحياة والماء والدم. »لماذا، لا أعرف أن أحبك، دون أن أدرك، أنني، حزينة...؟ (ص 50)، لأنني أحبك، ألاحق موتي، موجة، إثر، ...موجه« (ص55) و»لا أحتاج نهاراً لأراك، أنت دائماً معي، ذراعاك تتوسدان قلبي، صنوبر وجهك يفيئني، تفاصيل حزنك معي، تفاصيل صمتك دائماً معي، أستحضر كثافتك، وأهزم الغياب« (ص39). إلا أن رشا لم تكن لتسمح، دائماً، للغة أن تقول ما تقوله عادة، كانت ترغمها على قول آخر، عبر عمليات مستمرة من تغيير مسارها والتدخل في انطلاقتها، وإن لم يكن ذلك يصل إلى الحد الأقصى، فهو يصل إلى الحد الذي يكفي لإيصال المعنى دون ارتباك وتثاقل. إن هذه المجموعة تتخذ في صفتها الغالبة من الطرف الآخر في علاقة الحب مخاطَباً وحيداً، لكنها لم تكن تبثه شجونها كما هو معتاد في حوار الحب، بل كانت تطرح عليه ومعه، حتى في غيابه الراسخ، حالات متعددة من الحب والأفكار، ساعدها على ذلك، أو أوصلها إليه اهتمامها بالجملة وتنقيتها، ما أمكن، من الشوائب التي تفسد عادة الشعر. *** إن الرومانسية التي تظهر، غالباً، في نصوص هنادي زرقة في مجموعة »على غفلة من يديك« لم تقف حائلاً بينها وبين دخول متن الحداثة الشعرية، بل، ربما على العكس، إن هذه الرومانسية كانت البوابة التي عبرها وطأت أرض الحداثة. فالرومانسية والحداثة، رغم افتراقاتهما الهائلة، تتشابهان في أنهما طفلتا العصيان. الأمر الذي يجعلنا، بثقة، نقول: إن أشدّهم حداثة، أشدهم رومانسية، دون شرط المرور بالثانية، لكن مع شرط الوقوف في وجه التدفق الفطري (الرومانسي) للغة. »كأنك لم تسمع نشيج الحديقة، وعطرك يغادر أزهارها، عطرك الذي جعل الريح آنية، والضوء جناحاً، كسر خزف النهار، وامرأة الجدران تغادر، كم مشطت الوقت بقربك، ونصبت الحم أرجوحة...« (ص 30). إن بساطة الأداء اللغوي قد تكون، كما حدث في معظم الشعر الجديد في سوريا، مكاناً أثيراً يحل فيه الكلام الجميل محل الشعر. إذ علينا التمييز، طيلة الحياة، بين الشعر وبين الكلام الجميل الذي يمكن قوله لشخص حميم، والذي يبدو، لجماله، على أنه شعر. وذلك لما بين الجمال والشعر من علاقة التحافية. إن الفاصل بين هذا وذاك دقيق وصعب، لكن لا بد من معرفته والحذر منه باستمرار. إن هذه البساطة إذاً لم تقد زرقة إلى ذلك المطب في أغلب النصوص، إذ أنها لم تنفك تحقن مفرداتها وجملتها بتلك الحقنة السحرية التي تحول الكلام إلى شعر، تلك التي نسميها سيميولوجية. إنها تمارس شيئاً من حرف اللغة عن مسارها السائد وعن بوابة الكلام الجميل، »خائفة أن يستدير التفاح أكثر، فيما أنت تلملم قشور ضحكتك عن السرير« (ص 7). و»قالوا: إن أشجار قلبك جفت في الظهيرة، وأنه خبأ في حقيبته، المدينة حين غادر، وتركك تنتظرين، مدينة أخرى تنهض من غيابه« (ص 46). إن الطفولة الشعرية التي تطفو على نصوص الشاعرة مفعمة بالطموح لبناء علاقات شعرية عميقة أكثر، وذات علاقة أكثر متانة بجوهر العالم. مياسة دع إن القدرة على اجتراح علاقات لغوية، يتطلّب دراية باللغة وآفاقها وبنيتها والتمييز بين كونها مجرد وسيلة تعبير أو أنها كينونة. تأسيساً على هذا، فإن الوقوف في وجه تدفقها الفطري، يتطلب جرأة، يمكن اعتبارها هي، لا مجرد التصدي للمحرمات، الجرأة. إن الشعر النسوي الجديد، كما الشعر الجديد بعامة، إلا بعض الاستثناءات، يتأسس في مرحلة ما قبل ذلك، معتبراً أن اللغة مجرد وسيلة تعبير وناقل للأفكار. إن هذا الرأي ينطبق على نصوص سميرة عزام في مجموعة »سيرة الآس«. إذ أنها بقيت ضمن المؤسَّس اللغوي، وضمن الحالات التي سبق وتكوّن رأي ثقافي حولها، ضمن ما تمّ إنجازه إذاً. »أيها الراحل..، قبل أن تغادر نوارسك، شاطئي..، حدثني قليلاً.. عن الأمل، وعانقني، قبل أن يداهمني الليل فجأة، عانقني، لقد اقتربنا من النهاية، وعند النهاية، فقط، يعرف المرء، طعم العناق« (ص 47 48). و»على مهل، رويداً.. رويداً، سأترك الجمل بما حمل، رويداً.. رويداً ،سأترك لك الحب، والعرش، والمملكة، وإليك استقالتي« (ص 56). لكن هذا لم يقف حائلاً دون تمرد لغوي، فاللغة، أحياناً، تتمرد، تلقائياً، على محاولات سجنها ضمن السائد. إذ أن حركة البنية، إذا كان الأمر يتصل باللغة كبنية، تكون باتجاه الانشطار لا التقلص، البراري لا الغرف، الهواء لا الآبار... لقد بدت حركة التمرد هذه أكثر بروزاً في المقاطع القصيرة: »بقصد التفرقة، رمونا بالحجارة.. فاختلطت دماؤنا« (ص14). و»رأوك بدراً، فاكتشفوا.. سر غيابي« (ص 14). و»كلما حاولوا..، سرقة الشمس مني، يفاجئهم ظلي« (ص13). *** خارجة عن سياق ما يسمى قصيدة، اليومية، والتفاصيل المرتهنة، غالباً، لنوع من الشفوية ومن الأداء ما قبل اللغوي، والتي تطال غالبية الشعر الجديد في سوريا، وليس الشعر النسوي فحسب، تنحاز مياسة دع لقصيدة اللغة. هذه القصيدة تعتمد العلاقات اللغوية المضادة للأداء الاستعمالي والتداولي اليومي والتاريخي للغة، وتذهب، بعيداً، خارج الوقوع في مطب، الكلام الجميل، الذي يظهر، لجماله، بمظهر الشعر، رغم أنه ليس كذلك. في هذه القصيدة يظهر المعنى بعد الكتابة، إذ أنه نتاج اللغة وليس سبباً لها، الأمر الذي يؤدي إلى غموض من نوع ما، إذ أن الربط بين مفردات ليست من ذات النوع، وإقامة صلات بين الكلمة والشيء ليست مألوفة، وانعدام وجود معنى مسبق ومحدد تنقله، يشكل فراغاً ما في التلقي، هذا الفراغ هو ما يظهر على أنه غموض، وهو، أيضاً، ما سوف يزيد من مساحة الحرية في التلقي وفي اكتساب معنى جديد. في هذا المدى يتقدم نص مياسة دع معتمداً علاقات بعيدة، إذ لا شيء، غير الكتابة القصوى، يوقظ المدى من غيبوبته في هذه »الظهيرة العمياء« (عنوان كتابها الشعري المقصود هنا). »الكائن..، صدغه المشحون بحدسي، أوقظه.. الآن، كي يبتل، وأبتل.. برذاذه الأزرق« (ص 5) حيث لا بد من، »معطف لأكتاف اللغة« (ص57) إنما معطف ليس ليبقى، بل لنواصل انتزاعه، ويتواصل عري اللغة، وتسمح لنا، هي التي لم تنفك تشكلنا، بنسج ما نريد نحن من أثواب لها، وليس ما تريد هي فرضه علينا. وهذا يمكن بكتابة قصوى، تواجه عفوية اللغة، وتنبت لنا، إلى جانب لساننا الشخصي الذي نتكلم فيه، لساناً آخر نكتب فيه. *** لقد قمنا بعرض هذه الملاحظات على بعض الشعر النسوي الجديد في سوريا، وليس كله بطبيعة الحال، كنماذج من كتابة المرأة، بهدف استكشاف ما يميزها عن كتابة الرجل. إذ أن تصنيفاً تلقائياً يحدث لدى التفكير بذلك وفق صيغة: كتابة المرأة كتابة الرجل. من جانبنا لم ننظر إلى هذه الصيغة على أنها ضدية، أو تراتبية، أو معيارية، بل إنها وحدة يؤسسها التنوع. لكن الذي حدث أننا، حقاً، لم نلحظ تمايزات من نوع ما، طالما أن الأدوات واحدة، ويتم استعمالها بطريقة واحدة... إن التحفظ الوحيد الذي نسجله على هذا الرأي أو على هذه الخلاصة، هو أنهما ينطبقان على الشعر بصفة أساسية، أما الكتابات الأخرى: رواية، قصة، قصة قصيرة، مسرح... فإن اطلاعنا لا يؤهلنا لمثل ذلك، مع هذا نظن أن الأمر في الكتابات الأخرى لا بد أن يكون مختلفاً من حيث أنها تنطوي على الإمكانية البنيوية للإسهاب وعرض القضايا... وهذه منطقة يلزمها، إذا كان ذلك ضرورياً، استقصاء خارج عن عقد الذكورة والأنوثة. إن ما نبحث عنه في الكتابة، وفق أحد مستويات البحث، هو تأنيث العالم، إن قام بذلك الرجل أو قامت به المرأة، فالعالم بحاجة إلى تأنيث، والنسوية قضية ثقافية وليست بيولوجية.