مقالات أربع يكتبها سليمان تقي الدين عن »مشروع الدولة وملوك الطوائف« يشير فيها الى التباينات في مشاريع ورؤى أربع طوائف (الموارنة والسنة والشيعة والدروز) حيال الدولة ومستقبلها في لبنان. تهدف المقالات، أول ما تهدف، الى استثارة نقاش وفتح باب للسجال بين اللبنانيين المعنيين بصياغة صورة مستقبل لا مفرّ من الإقرار بالدور المحوري الذي تؤديه الطوائف فيه. لكن الاشكالية التي تطرحها أدوار الطوائف تكمن بالضبط هنا، أي في إمكان تحوّلها الى روافع لمشروع لدولة يستحقها أبناء هذا الوطن، أو في تمسكها بدورها الماضوي الحائل دون انخراط اللبنانيين في مشروع عابر للطوائف وللبنى ما قبل الدولتية بسبب انشداد هذه البنى الى علاقات وولاءات تأخذها تارة الى الانغلاق الفئوي العصبي وتارة الى الارتماء في أحضان الخارج، والى النازعين معاً في أكثر الاحيان. ولا يُخفى ما لعلاقات الطوائف وصراعاتها من وزن في التاريخ والحاضر اللبنانيين الشاهدين على تبدّل مواقع الهيمنة الطائفية وتنقلها بين الطوائف والحواضر. لماذا الطوائف الاربع وحدها دون غيرها من مكوّنات الطيف اللبناني ولماذا مساءلة أدوارها وهواجس »ملوكها« في هذه اللحظة السياسية والوطنية المحتدمة؟ قد تتجاوز الإجابات عن هذين السؤالين ما تتضمنه المقالات من محاولات لرسم صورة الواقع بتعقيداته، لكن ذلك يؤشر الى واحد من مداخل النقاش التي تسعى مقالات سليمان تقي الدين إليه وتستحثه. عليه، تكون المقالات مقدمة لعمل أوسع نطاقاً يأمل الكاتب وتأمل »السفير« معه في أن يساهم فيه كل المعنيين بمستقبل لبنان. يخوض الدروز حروباً عسكرية وسياسية ناجحة، ثم يعودون فجأة مكرهين الى معاناة حجمهم الديموغرافي في النظام الطائفي. يعطيهم موقعهم الجغرافي قدرة فائقة على التأثير في التوازنات العامة في البلاد، ويعطيهم بعدهم التاريخي التراثي، كأقلية لا تعرف عقدة الأقلية، حقل مناورة واسعاً بين جميع طوائف لبنان بمسيحييه ومسلميه. وهم في نهاية المطاف قوة لا تخيف أحدا، التحالف معها قوة، والتخلي عنها ليس خسارة استراتيجية حاسمة. والدروز بعد الاستقلال كانوا قوماً مسالمين ينزعون للاندراج في مشروع الدولة والكيان، بعد تجاربهم الكثيرة والمريرة في مناهضة ومعارضة المعادلات الاقليمية. وهم لم يستعيدوا عصبيتهم الطائفية بقوة إلا عندما هُددوا في وجودهم وكرامتهم مع صعود »القوات اللبنانية« الى جبل الشوف معقلهم التاريخي شبه الوحيد الذي يعطيهم حرياتهم الأساسية في المنطقة كلها، رغم ان دروز لبنان هم أقل من نصف عديد دروز سوريا مثلا. كان لكمال جنبلاط مشروعه الوطني، فقد استقطب نخباً من الدروز، لكنه لم يهيمن على القرار الدرزي. فلم يكن لدى كمال جنبلاط أي مشروع خاص درزي. كان تحالفه مع أحزاب اليسار والقوى القومية العلمانية ومع الثورة الفلسطينية أداة »ثورة ديموقراطية«، ثورة برجوازية على الطريقة الفرنسية. عندما جاء وليد جنبلاط الى زعامة الطائفة، كان الدروز قد شعروا بالاستهداف الكبير بمقتل أحد زعمائهم البارزين، واندرج كمال جنبلاط ومقتله في الارث التاريخي المؤسس للأسطورة الدرزية. لقد صارت صورة كمال جنبلاط بعد استشهاده أكبر بكثير وبما لا يقاس مع صورته وهو حي في وجدان الدروز. وقد عرف وليد كيف يستخدم هذه التراجيديا لكي يقود الدروز في سنوات الحرب. بل لقد خاض الدروز الحرب تحت اسم وليد وفي غيابه وقبل أن يقرر هو خوضها. وكان وحيداً في الساحة الدرزية بعد وفاة القيادات التاريخية كلها ونزوع الطوائف للالتفاف حول تنظيماتها العسكرية للدفاع عن وجودها ومصالحها العليا. وقد لعب الحزب التقدمي الاشتراكي دور الاداة التنظيمية الفعالة لعموم الطائفة الدرزية التي قادت الى انتصار الدروز في حرب الجبل. ومع انتصار حرب الجبل أصبح الوليد البطل التاريخي في وجدان الدروز، ولا غرو فقد هزم آخرون وظلوا أبطالا في وجدان طوائفهم. كانت حرب الجبل حرباً إقليمية ودولية بامتياز تقابل فيها نفوذ الاميركيين والسوفيات واسرائيل وسوريا. لكنها بالنسبة للدروز الذي شغلوا فيها موقع الاحصنة الداخلية في الميدان حربهم الكبرى لتثبيت وجودهم. ولم يبخلوا فيها بالتضحيات رغم محدودية إمكاناتهم. وهي بهذا المعنى الحرب الناجحة التي خاضتها جماعة لم تمتلك المقومات المادية والبشرية من حيث العدد لانتصار فيها. منذ تلك الحرب حصلت قطيعة كبرى بين الدروز والدولة، وأكاد أقول بين الدروز وكيان لبنان، وتنامى حذر غير مسبوق من جميع الطوائف اللبنانية الى حد ما والموارنة بشكل خاص بعد سنوات طويلة من الوئام. وعرف وليد كيف يحول هذه المعطيات الى مشروع سياسي عند الدروز. وجاء اتفاق الطائف والتسوية التاريخية التي لم تحقق تقدماً يذكر على صعيد حقوق المواطنين، فتراجع دور الدروز السياسي في الصيغة الجديدة، ولم يعد للدروز ما كان لهم من قبل. فقد أُعطوا بعد الطائف وزارات ثانوية لا سيادية ولا خدماتية، فلم يعد همّ وليد جنبلاط أن يعزز موقعه في الدولة ولا صيغة الدولة أصلا. لقد شغلته فكرة أساسية أن يبقى أميراً على الجبل وعلى الدروز غير آمل في قيامة دولة وطنية واحدة. قايض وليد فكرة الدولة بفكرة السلطة على الارض، وسهلت له ذلك معطيات الدولة الطائفية التي قامت بحدة على صيغة الترويكا (الرؤساء الثلاثة) والرعاية الاقليمية التي أعطت وليد الدور المركزي في قيادة الدروز، فاحتكر حصة الدروز من مغانم الدولة. ولم يحس الدروز حتى الآن أن الدولة قد انوجدت في مناطقهم منذ مطلع الحرب الاهلية، فقط يحسون بحضور قوي وفاعل ومسيطر في جميع الشؤون لقيادة جنبلاط وتنظيمه السياسي. ومن هذه الواقعة أعاد تشكيل المجتمع الدرزي تشكيلا لم يعرفه من قبل، وأصبح المجتمع الدرزي أداة طيعة في يديه، ويقترع له اليوم ثمانون في المئة من المقترعين الدروز. لم يعط وليد من الدولة الكثير، فهو الطرف الوحيد المشارك في السلطة دون أن يتورط شخصياً في الصفقات الكبرى التي يحكى عنها في لبنان كالخلوي والكهرباء. فقط تولى ملفاً واحداً هو ملف المهجرين، ولأسباب سياسية، فاستخدمه استخداماً سياسياً ناجحاً لبسط نفوذه. وعلى عكس ما يشاع حول هذا الملف وسواه، لا يرضى الدروز مطلقاً عن مستوى خدمات الدولة في مناطقهم، ولا يزال جبل لبنان الجنوبي أشبه بمنطقة منكوبة بعد الحرب من الناحية الاقتصادية والأسباب لا يُتسع لذكرها، ولم يحصل فيها أي مشروع مركزي أو نوعي واحد يتصل بمشاريع الاعمار، خلا أبنية مدارس وصيانة طرقات. من أجل ذلك يحمل وليد على مشاريع الخصخصة، فليس الرأسمال الدرزي بقادر على المشاركة الفعالة أمام »حيتان المال« كما يسميهم، ويخسر الدروز حصتهم الصغيرة المحفوظة في إدارات الدولة والمرافق التي تملكها. هذه النزعة المعادية للرأسمالية بهذا المعنى، لا تطاول طبعاً مشاركته السياسية في دعم مشروع الحريري ككل وما آل اليه الوضع الاقتصادي عموماً في البلاد. أحدث وليد قطيعة كبرى مع تراث والده، فقد ساق السياسة كما هي شائعة في سوق الاعمال، ولم يبغ أن يضيف إليها شيئاً من عندياته، اللهم إلا سخريته الرائعة التي تجعله أكثر زعماء لبنان جاذبية، وطبعاً ذكاؤه الحاد في قراءة الاحداث والتوازنات واللعب عليها. وقد استفاد من تراث والده على صعيد العلاقات الدولية مضافاً اليها براغماتيته، ما يجعلانه ميزان السياسة في لبنان. ولم يكن الدروز راضين تماماً عن الدور السوري في لبنان لا من قبل ولا من بعد الطائف. لكنهم نسبياً كانوا بعيدين عن التصرفات السورية على الارض خاصة في منطقة الشوف التي خلت من الوجود العسكري السوري لاعتبارات إقليمية لا تخفى على أحد. ولم يكن الدروز ليطيقوا سياسة الاذلال فيما لو اتبعتها المخابرات السورية في مناطقهم. لقد تحمل وليد السياسة السورية، فقد كان أحد أركانها البارزين في لبنان الى زمن طويل، حتى لاحت في الافق فرصة دولية لمواجهتها، فقاد بنجاح معركة إخراج سوريا من لبنان والانقلاب على النظام الذي بنته مستعيناً بحلفائه المسيحيين الذين كانوا جاهزين لذلك منذ زمن بعيد، وبحليفه الاكبر، ببعديه العربي والدولي، رفيق الحريري. لكن قبل أن يكتمل الانقلاب الجنبلاطي الى نهاياته السعيدة استدرك وليد خطورة المشروع الاميركي الذي قد يعبث بجميع المعادلات المحلية والاقليمية مع ما في ذلك من خطر على موقع وليد نفسه وطائفته الصغيرة. وقد بدا هذا المشروع وكأنه يعرض على البلاد والمنطقة فوضى عارمة جراء طرحه لمسألة تجريد »حزب الله« من السلاح، وزعزعة الاوضاع في سوريا. فجأة قفز وليد مجدداً للتحالف مع »حزب الله« ومن خلاله إيران اتقاء للعاصفة القادمة، وكبحاً لجماح التحولات السياسية في الداخل اللبناني. ويشكل »حزب الله« الآن بالنسبة لوليد البعد العربي الاسلامي والقوة المحلية التي تقيم التوازن في البلاد اتقاء لأي مشروع سياسي غربي محتمل. هكذا مع عودة الجنرال ميشال عون، وما يمثل الآن من نهضة بارزة في الشارع المسيحي واستقطاب سياسي يطرح تحديات الشراكة في الجبل وخاصة في »عقر الدار«، صار مفهوماً أن يلجأ للبحث عن تحالفات وضمانات جديدة. ولم تعد »قرنة شهوان« وما تمثل تستطيع أن تعطي مثل هذه التطمينات أو الضمانات. ولان الامور على هذا المستوى من التعقيد يسخر وليد من »مشروع الدولة« وينتظر خلط أوراق وتجاذبات ومعادلات جديدة، ويضحك من فكرة الدولة نفسها، ولا يرغب في قيامتها طالما أنه يمثل أقلية ليست مقررة بالقياس الى صيغة الطائفيات الكبرى. لقد كان ربيع وليد جنبلاط المفضل تعليق قيامة دولة فيها هيمنة لبعض القوى الكبرى، ولدولة تقع تحت الوصاية وخاصة الوصاية الدولية الجديدة. لذا فإن خطاب وليد يذهب بالعروبة حتى »الأندلس«. ورغم واقعيته السياسية فهو يستدرج العلاقة مع كل قوى الممانعة في المنطقة للخطة الاميركية بهدف إعطاء موقع خاص ومميز لدوره السياسي. ومن هذا الباب يأتي نقده المعلن لسياسة »تيار المستقبل« ولرئيس الحكومة وشجاره الدائم مع تيار العماد ميشال عون. ومن حق وليد أن يسأل دائماً عن موقعه ودوره. فقد كان رأس الحربة في حركة 14 آذار، وتعامله سوريا على هذا الاساس، وها هو الآن يعامل من حلفائه اللبنانيين بمنطق حجمه الطائفي المحدود. وتنكر عليه القوى أنه كان »بيضة القبان« في هذه التحولات السريعة والعاصفة التي أحدثت الخلل في الساحة الداخلية تمهيداً لعبور المشروع الاصلي بإخراج سوريا من لبنان. لقد تودد كثيراً للمسيحيين وساهم في انطلاقتهم الكبرى نحو الدور الوطني المفتوح، وإذ به لا يحصل في منطقته بالذات إلا على عشرين في المئة من أصواتهم. وهو من قاد تيار الحريري في الوصول الى لجنة التحقيق الدولية ومن ثم الى اجتياح هذا التيار مناطق عدة من لبنان في الانتخابات الاخيرة. وهو من خاض المعركة السياسية الاساس في إقصاء ما سمّي رموز سوريا في لبنان ومحاصرتها. وها هو الآن ليس الطرف الفاعل في انتخابات رئاسة الجمهورية كما كان يبتغي ويتمنى رغم كتلته النيابية المهمة. ويتصدى له حليف جديد بالقول: ان انتخابات الرئاسة تأتي بمبادرة من المسيحيين ويتشاور فيها مع الآخرين. لقد ساهم في إطلاق قوى من عقالها، ثم جاءت تطلب اليه شراكة »الند للند« كما يقول أحدهم. لا تضمر هذه القوى في خلفية مشاريعها أي شر له إنما لا تقبل بمنطق قيادته. وها هو الآن وجهاً لوجه مع مأزق جميع المشاريع الطائفية في البلاد، صغيرة كانت ام كبيرة. ها هو »حزب الله« يواجه المأزق ايضا بطريقة اخرى، طالما أن الامور تحسب بالمقياس الطائفي. حاول كمال جنبلاط أن يتخطى النظام الطائفي لتفتح له أبواب السلطة أوسع مما هي عليه لطائفته، ونجح كمال جنبلاط في بناء مشروع وطني عابر للطوائف، ولم يسقط إلا على يد موجة إقليمية أرادت أن تمنع لبنان أن يتحول بؤرة لتصدير التغيير في العالم العربي. أما وليد فما يزال في لعبة التوازنات الطائفية ويتهدده الخطر من كل صوب. ولا أحد يعرف كيف يمكن له أن يتأقلم مع المعطيات الجديدة والبلاد مفتوحة على خيارات مهمة يستطيع هو أن يلعب دور المرجح فيها فإما الدولة وإما الفوضى. ومن المعروف أن الفوضى لن يربح فيها أحد، أما الدولة فإنه يمكن تحويلها مهما كانت، بمشروع وطني ديموقراطي جديد، وليد أكثر الناس بحاجة اليه حتى ينتهي هذا الرقص خارج الدولة. (*) كاتب سياسي