As Safir Logo
المصدر:

يئس من الكبار فكتب للأطفال صغار سليمان العيسى من كل الأعمار

الشـاعر سليمـان العيـسى
المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2005-10-07 رقم العدد:10216

لا أحسب ان الشاعر السوري العربي سليمان العيسى (المولود العام 1921 في قرية النعيرية، حارة بساتين العاصي، الواقعة غربي مدينة انطاكية والمقيم حاليا في مدينة تعز، اليمن) قد اتبع في كتابة قصائده الكثيرة للأطفال، دليلاً للمربي، بالمعنى التربوي للكلمة، او انه أسس أشعاره على خلاصات من دراسات تربوية ونفسية ولغوية، تتناول ميول الطفل واهتماماته، ولغته ودلالاتها، من خلال تطورها تبعا لسنّه، وبيئته، فثمة كما يرى الدارسون وعلماء التربية وعلماء النفس التربوي، عمران للصغار: العمر الاول هو بين 3 سنوات و8 سنوات، والعمر الثاني هو بين 9 سنوات و12 سنة. وما فوق ذلك حتى الثامنة عشرة هم الفتيان. إن سليمان العيسى، الشاعر، في قصائده للاطفال، احتكم على الارجح، الى الطفل الذي في داخله او في قلبه، والى شاعرية ليس من السهل تبسيطها لكي تلائم الصغار، ولكي تحافظ على شعرية الموضوع والمعنى والكلمات ومحاور الاهتمام، تبعاً لعمر الصغير وسنّه المفهومي (العقلي) ونظرته الى الاشياء في نفسه وفي المحيط الذي يعيش فيه، وتبعاً لسنّه اللغوية ودلالات الألفاظ بالنسبة إليه، فضلا عن سنّه النفسية... ولا ننس ايضا تطوره الجسدي فهو مهّم في خلفية كتابة شعرية او قصصية مختصة بالصغار. إن مشاريع الكتابة الابداعية للصغار، لا تزال حتى اليوم في الثقافة العربية، مشاريع فردية بمعظمها، يقوم بها شعراء او كتاب قصة او روائيون، وغالبا ما تتداخل فيها لغة الصغار بلغة الكبار، واهتمامات الصغار باهتمامات الكبار، وتطمس الحدود الفاصلة بين الاعمار... فالكتابة الابداعية للصغار، وإن كان يتولاها مبدع بمفرده من خلال قصيدة او قصة او رواية (من حيث ان العمل الابداعي فردي وذاتي وخاص) إلا انها بمجملها بعيدة عن قيام المبدع بدراسات اولية او تمهيدات دراسية نفسية ولغوية، وسلوكية وتربوية، يقوم بها فرقاء عمل، وتستعمل فيها استمارات وإحصاءات وتحاليل، ليتم من خلالها تقديم خلاصات حول التطوّر المفهومي عند الصغير تبعا لعمره، والتطور الدلالي للكلمات تبعا لذلك، وشطور محاور اهتمامه، وما يطرأ على ميوله من تطور... الى ما هنالك من مسائل تتعلق بالتربية وعلم النفس التربوي وعلم التطور اللغوي للصغار... وتوضع خلاصاتها في خدمة الشاعر او القاص او الروائي.. كما توضع القصائد بعد ذلك، مع هذه الخلاصات، في خدمة الموسيقي والملحن، حين يحول القصيدة الى انشودة يرافقها لحن وكورس. كان المربي المرحوم حنّا غالب، الذي درّسنا التربية في دار المعلمين في بيروت، يقول لنا: الطفل مبتكر كبير في عالم الاشياء... للدلالة على ضرورة وضع الثقة في قدرة الصغار على الابتكار. لكنه في الوقت نفسه، كان يحذّرنا من التعامل مع الطفل او الصغير، على انه رجل صغير، ذلك لأن لهذا العمر من حياة الإنسان، في سلّم الاعمار، خصوصياته الجسدية والنفسية والمفهومية واللغوية. وهي خصوصيات لم تكن مناهج التربية في الثقافة العربية توليها اي اهتمام. لقد درّسونا، في الصفوف الابتدائية على سبيل المثال، قصائد لتأبط شراً، والشنفري وفي الصفوف التكميلية قصائد لأبي العتاهية ومحمود سامي البارودي ولم يكتب شعراً للصغار والفتيان، بالمعنى المفهومي واللغوي والتربوي (التعليمي) سوى احمد شوقي في امثاله، المستمدة إما من كليلة ودمنة لابن المقنع او من امثال لافونتين Les Fables. من بينها »الأسد والحمار«... ولا ينسى البيت الاخير من القصيدة »رأي الرعية فيكم من رأيكم في الحمار« او قصيدة »ملك الغربان وندور الخادم« والبيت الاخير: »قال يا مولاي لا تسأل ندور أنا لا أفهم في هذي الأمور«. ... ... بالعودة لقصائد الاطفال التي كتبها سليمان العيسى، وهي على التوالي: 1 أغاني الحكايات وهو، تعريفا به، ديوان للأطفال يضم الأناشيد المستوحاة من القصص المعرّبة. 2 ديوان الاطفال وقد صدر عن دار الفكر في دمشق العام 1999 في طبعة جديدة فريدة ومنقحة. 3 قصص الاطفال المعرّبة بالاشتراك مع زوجته الدكتورة ملكة ابيض وبعض الزملاء، صدرت عن دار طلاس ودار الفكر بدمشق. وقد صدر ديوان الاطفال مؤخراً مع رسوم لمنصور الهبر، في عداد مشروع »كتاب في جريدة« عن منظمة الاونيسكو، في العدد 84 بتاريخ 3 آب/ أغسطس 2005. يذكر سليمان العيسى انه انصرف للاهتمام بالاطفال وكتابة الاشعار والمسرحيات الموجهة إليهم بعد هزيمة حزيران 1967 التي لحقت بالعرب على يد اسرائيل. ويكاد ذلك يكون بمثابة اشارة الى يأس الشاعر القومي الانبعاثي سليمان العيسى من التوجه للكبار في اشعاره، فتوجه للصغار باعتبارهم طريق المستقبل وأغراسه. من ناحية الاهداف التي توخاها الشاعر، يمكن إدراجها في خانة الاهداف القومية، العربية، فغرضه »قومي« وأسلوبه تعليمي، فالقصائد بمجملها تنبع من دافع نظري (قومي) ما قيّد حرية الشاعر في توجهاته... في الكثير من القصائد (فلسطين داري، وطني، شمس العرب، أناشيد الشباب... الخ). لمن نكتب؟ لجهة سائر الموضوعات، فقد اهتم الشاعر بكتابة الحكايات الشعرية ذات الهدف التعليمي والاخلاقي، خاصة ما يسمى منها بالفرنسية Fables، فكتب »الغراب والثعلب«، »الثعلب والعنب«، »الراعي والذئب«... وهي »خرافات حلوة تلعب بخيال الطفل، وتحمل في نهايتها العبرة والحكمة والتجربة«. كما انه اهتم بموضوعات ذات جوهر تعليمي: عد الارقام، حروف الهجاء، عناصر الطبيعة، الشجرة، النهر، العصفور، السهل، الجبل... القرية، حيوانات القرية، الارجوحة، الطيارة... الخ منها، على سبيل المثال: نشيد الارجوحة: »طيري بنا طيري مثل العصافير يا مركب الأحلام يا بسمة النور« ... وفي القسم من اشعاره للاطفال، المسمى »أناشيد البراعم«، وهي مكتوبة ليغنيها الصغار وهم دون السادسة من العمر، فقد انتبه فيها الشاعر للايقاع الغنائي المتمثل بالأوزان الرشيقة والتنويع التفعيلي الخفيف، وهي ملاحظة تربوية في موقعها، اعني تعليم الطفل من خلال الغناء ومن خلال ما اطلقه الشاعر من نداء: »دعوا الطفل يغني... بل غنوا معه ايها الكبار«. وهذا التلوين الايقاعي ظاهر واضح في قصيدة »الغراب والثعلب«: أنا الثعلب أنا الثغلب أدورُ أدورْ مضى زمن وتحت الغصن لم أبرحْ أدور أدورْ سآكلها ستصبح من نصيبي قطعة الجبنِ وفوق الغصن فوق الغصن كان غرابْ كبير حالك اللونِ يعضّ بقطعة زهراء ناضرة من الجبنِ قصيدها، متى؟ من أين...« الخ صحيح ان الايقاع متنوع ورشيق. ولكن لنا ان نسأل: لأي عمر من الصغار هذه القصيدة؟ ولا نعرف، مثلما اننا لا نعرف إجابة من عمر سائر القصائد. فالشاعر يكتب »بقلب طفل« وكفى. ويقول انه يرغب في »الشعر الحقيقي« وكفى. أما ما هو الشعر الحقيقي؟ فهو يدير حوله حواراً تحاوره فيه (بتعبيره) عصفورة ذكية... (لكأنما تلقائيا، سيكون هناك عصفورة غبية بالمقابل.. وهذا الاستنتاج هو من حق الطفل، فكيف؟): يقول: »سألتني عصفورة ذكية: ماذا تعني بالشعر الحقيقي؟ قلت لها: اعني الشعر السهل الصعب، القريب البعيد في وقت واحد«... الخ. وهذا الحوار، في نظري، ليس للصغار بل للكبار، وليس للكبار بالمطلق بل للكبار بامتياز معرفتهم معنى »السهل الصعب، القريب البعيد«. ونعتقد ان ذلك مرده الى ما سبقت الاشارة إليه، من ان هذه الكتابة للصغار، مؤسسة على موهبة الشعر وبوصلة القلب، وغير مؤسسة على خلفية الدراسات التربوية والنفسية واللغوية التي يقوم بها عدة افراد او فرقاء عمل، وتقدم خلاصاتها للشاعر المبدع. صحيح ان سليمان العيسى سعى لوضع ما يشبه الدليل لكتابته، لخصه بالنقاط التالية: رشاقة اللفظة الموحية الخفيفة الظل، البعيدة الهدف، التي تلقي وراءها ظلالاً وألواناً وتترك اثراً عميقاً في النفس... لكن هذه الفكرة بقيت نظرية، ومجملة، اذ هو، أي الشاعر، لم ينتبه للبعد الدلالي للفظة، تبعا لعمر الصغير. والنقطة التالية هي الصورة الشعرية الجميلة، والثالثة الفكرة النبيلة الخيّرة، والرابعة الوزن الموسيقي الخفيف الرشيق... الخ. من الواضح ان الشاعر يبذل جهداً لسد ثغرة في جدار الثقافة العربية، بكتابة مادة شديدة الحساسية والخطورة، هي قصائد الصغار. وله فضل المحاولة وشرفها، وإن كان يشوب صنيعه غلبة الايديولوجيا القومية على أشعاره، وعدم صدورها عن خلفية تربوية علمية مدروسة، فضلا عن قوله: »لا اكتب للصغار لأسليهم«، وفي هذه المسألة نظر. فالصغار طُلَعة ومتعطشون لاكتشاف ذواتهم والعالم الذي يحيط بهم، من خلال ضلوعهم المباشر في عملية الاكتشاف.. اي تبعا للنظرية التربوية التي تقول: دع الصغير يكتشف ذاته والاشياء بذاته، وخفف ما امكن من التلقين والتعليم. لهذه الناحية، قصائد سليمان العيسى تعليمية تلقينية، وبالتالي فهي لا تترك للصغير مسألة تحريك ملكاته الابداعية. كذلك فإن من مبادئ علم النفس التربوي، ان اهم وسيلة من وسائل توليد المعرفة والعبرة والمثل في نفس الصغير، هي اللعب... التسلية، نعم التسلية، التي لا يرغب فيها سليمان العيسى. التعليم الصغير يكتشف ذاته ولغته ومحيطه والاشياء، اكتشافا سهلا. جميلا ذكيا من خلال اللعب والتسلية.. لا من خلال التلقين والفرض. وهذه الناحية ايضا، تكاد تكون مطموسة في محاور ومعاني اشعار سليمان العيسى، وهو قد عمد الى ذلك، باعتبار اشعاره للصغار، أكبر وأجل من ان تكون »لتسليتهم«. فوقع في محظور الفكرة... لانه أراد (بتعبيره): وقال: »إني لا اكتب للصغار لكي اسليهم، ربما كانت اية لعبة او كرة صغيرة اجدى وأنفع في هذا المجال/ انني انقل إليكم تجربتي القومية، تجربتي الإنسانية، تجربتي الفنية، انقل إليكم همومي وأحلامي...«. لذلك، نعثر لديه على ما يشبه الأراجيز التعليمية المبسطة »حروفنا الجميلة«: »ألف باء تاء ثاء هاء هند هيا نقرأ يا هيفاء واو وعد...« او أناشيد قومية تعلن الجهاد وتبشّر به، بلغة تعليمية وخطابية: »نواصل الجهاد وعزمنا لهَب نبني به البلاد لوحدة العرب لأمة العرب«. وربما غلبت على بعض القصائد شدة الفصاحة او القوافي القاسية (خلائقْ، خافقْ، حدائقْ..) والسؤال المطروح دائماً: هذه القصيدة هي لأي صغير؟ فله على سبيل المثال قصيدة بعنوان: »نشيد العمال« يكتب تحتها العبارة التالية: نشيد الصغار والكبار ويبدأها بالبيت التالي (الصعب): بأيدينا صنعنا المعجزاتِ بنينا الرائعاتِ الباقياتِ... لكن سليمان العيسى، يبدع وينجح، في قصائد اخرى مثل قصيدة »فنّان عظيم يتحدث إلى الشعب« وقصة »منى والعصافير« وهي قصة شعرية ينجح من خلالها الشاعر في أنسنة الطيور، وقصيدة الشاعر والدوري حيث الصورة الشعرية التالية (على بعض صعوبتها): »دوريّ حلو المنقارِ/ حلو الذنبِ/ يتقلّب في الأفق العاري/ مثل اللهبِ«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة