تقوم المؤسسة الوطنية للاستخدام بتوجيه الشباب الباحثين عن عمل لتلقّي التدريب في مسار مهني تتوافر فيه فرص عمل بالقطاع الخاص، وتتولى المؤسسة تكلفة التدريب لتسهيل اندماج الخريجين بسوق العمل. وترتبط المؤسسة بوزارة العمل وتتولى رسم وتنفيذ سياسة الاستخدام في لبنان بصورة عامة، كما تتولى بصورة خاصة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، المهام التالية تأميناً لتحقيق أهدافها: إنشاء مكاتب استخدام في بيروت والمناطق اللبنانية كافة والإشراف عليها. مكافحة البطالة عن طريق تأمين نسبة مرتفعة للاستخدام. المساهمة في تحسين تنظيم سوق العمل. المساهمة في تشجيع المشاريع ذات الانعكاس على سوق العمل. القيام بالدراسات والأبحاث الرامية إلى تحديد السياسة العامة للاستخدام. ويوضح رئيس المؤسسة عبد الغني شاهين، أن المؤسسة تدرّب ولا تعلّم وتركّز على برنامج التدريب المهني المعجل، وهذا البرنامج تنفذه المؤسسة مع الجمعيات والمؤسسات والأهلية في مختلف المناطق اللبنانية على العديد من الاختصاصات المطلوبة في سوق العمل، متحدثا عن ثلاثة مشاريع هي: للمواطنين العاديين الذين لا تعليم مهنيا لديهم، المعاقين الذين يتم تدريبهم وتأهيلهم وتشغيلهم، والمشاغل المحمية لذوي الحاجات الخاصة، وهذا المشغل يؤمن لهؤلاء الاشخاص اضافة لتدريبهم وتأهيلهم، فرص عمل، من خلال بيع منتجاتهم. معتبراً أن الهدف من هذا البرنامج إحداث تغييرات معينة في الفرد أو المجموعة من حيث المعلومات والخبرات وطرق العمل التي يستخدمها وتعزيز قدرات المتدربين وإكسابهم المهارات المستهدفة لمزاولة مهنة وتحويلهم من عبء ضاغط على الموارد ومستنزف لها الى طاقة تساهم في النهوض بالاقتصاد وزيادة الانتاج. وقال: يشكل متخرجو التدريب المهني المعجل رصيداً اقتصادياً وثروة لا تنضب ورافداً أساسياً لاحتياجات سوق العمل من ايد عاملة بسيطة ومدربة.. وفي ظل التحديات والتطورات التي تصوغ مصير الإنسان وتغير انماط حياته، علينا أن نعدّ أجيالنا تعليماً وتدريباً وتأهيلاً لصناعة المستقبل. وأكد متابعة المؤسسة لخريجيها فقط، نظراً لعدم قدرتها المالية على متابعة جميع متخرجي المعاهد. وعن وضع الخريجين وعلاقتهم بسوق العمل، ويلفت شاهين الى أن ذلك مرتبط بالنظام التعليمي، ومدى مواءمة الخريجين مع احتياجات السوق. مع التركيز على الدراسات وما تخلص اليه من نتائج، من تحديد فرص العمل، ونوعيتها المتوفرة. وللوصول الى المواءمة الجيدة يجب أن تكون لدينا القدرة أولاً على استيعاب الخريجين، بحيث تأخذ الدولة قسما، والقطاع الخاص قسما، علما أن الأخير يعاني من ركود برغم قدرته على استيعاب العدد الاكبر من الداخلين جديداً الى سوق العمل. وبالنسبة الى العاطلين عن العمل، والحلول لخفض عددهم، يذكر بداية ان أعداد العاطلين عن العمل، تتغير من دولة الى أخرى، أما لجهة الخريجين المهنيين، فهناك دوماً فائض في عددهم، من هنا تسعى المؤسسة الى خفض عدد الفائضين، عبر توجيههم الصحيح نحو الاختصاصات المطلوبة، وهنا أيضاً يأتي دور القطاع الصناعي في تنمية السوق من خلال خلق فرص عمل جديدة وتحدي احتياجاته. وحول تضارب الارقام لجهة أرقام العاطلين عن العمل، يوضح شاهين »هناك دراسات تحدد البطالة ب 5,10$ ويرتفع الرقم الى 17 في المئة، والبعض يرفع الرقم الى عشرين أو أكثر، وهذا له أسبابه. النقطة الخلافية الاولى تعود لتقدير عدد سكان لبنان، وقسمة قوى الانتاج، من دون معرفة ما إذا تمّ احتساب الجامعيين أم لا. والأهم يجب تحديد مَن هو العاطل عن العمل، وهل يدخل الجامعي الذي يحضر للدكتوراه ضمنهم، ومَن تزوّجت، هناك معايير ومقاييس ونعمل على أساس عدد السكان أربعة ملايين، والدراسات مع مختلف القطاعات تعطي صورة أكثر وضوحاً«. وبالنسبة لموقع المؤسسة على شبكة الانترنت أوضح، أن الموقع يعرض ما لدينا من فرص عمل، وكل ثلاثة أشهر تتمّ إعادة جردة للاسماء التي تقدّمت بطلبات، وأزالت من قبل منها، لذلك نضطر لدعوة صاحب العلاقة للحضور الى المؤسسة، كي تكون لدينا أرقام دقيقة. مشيراً الى أنه تم قبول أكثر من عشرين في المئة من الطلبات المقدّمة. ولفت الى أن المؤسسة لم تكن تتدخّل بالعمال العاديين، وحالياً »بتنا نؤمن العمال لبعض المؤسسات، 193 عاملا لسوكلين، 20 لمستشفى الروم و.. مؤكداً أن ما يصحّ اليوم لسوق العمل لا يصحّ بعد عشرة أيام«. متخرجون بلا خبرة.. »درست العلوم الإدارية في أحد المعاهد، وتخرجت بشهادة وفرحت كثيراً... ولكن كان ينقصني شيء واحد وهو الأهم... الخبرة العملية... نعم تعلمت ولكن لم أدرّب على العمل ولم أمر بالخبرات التي كانت ستؤهلني لسوق العمل«. هذه هي حال سامر، التي تلخّص وضع طالب متخرج. فكلما لبى طلب مؤسسة ما للتوظيف سئل عن الخبرة، الامر الذي جعله عاطلاً عن العمل لثلاث سنوات بعد تخرّجه، قبل أن يقبل بوظيفة وبراتب متدنٍّ، ريثما يحصل على الخبرة المطلوبة. ويعتبر المعلم أبو كمال صاحب كاراج لتصليح السيارات، وهو من الخريجين السابقين من أحد المعاهد الخاصة فرع الميكانيك، أنه، انتظر ثلاث سنوات بعد تخرجه، وعمل في عدد من الورش، قبل أن يتمكّن من فتح ورشة خاصة به، مع مساعدة الأهل. وأوضح أنه جراء المشقة التي عانى منها، يقدم على تقديم المساعدة لكل متخرج جديد يأتيه طالباً التدرّب أو العمل، »عندهم شهادة واختصاص بس بدون تجربة فعلية مع مشاكل السيارات، والمهم أنهم بيعرفوا اسس العمل على الأجهزة«. ويحب حسام إطلاق لقب المهندس عليه كونه يحمل شهادة TS في ميكانيك السيارات، علماً أن صاحب الورشة التي يعمل فيها يعامله على أساس أنه عامل متدرّب وبنصف راتب. ويقول حسام »بعد ستة أشهر سأفتح ورشة خاصة بي، ما ينقصني هو الخبرة الميدانية في العمل، وكيفية التعامل مع الزبائن، ومعرفة الأسعار، وخفايا المصلحة«. وورشة المعلم أبو كمال القريبة من مصلحة تسجيل السيارات، كان يجاورها عدد محدود من الورش قبيل افتتاح المصلحة، لكن بعد ذلك ازدادت كالفطر، ويعلّق أبو كمال على الامر بالقول »يا أخي، كل واحد معو قرشين، فتح كاراج، وجاب تلميذ متخرج من المدارس (المعاهد المهنية)، مع شغيل، وبلش الشغل فيهم، ما شاء الله، عددهم كثير وما في شغل للكل«. وتابع »بعد كم شهر شفنا الصبي الشغيل صار عندو محل وفيه أجهزة فحص جديدة للسيارات، كلو بالدين، الناس بدا تشتغل«. ويدافع حسام عن هذه الفكرة »شو بدك أتعلم وحطّ مصاري، وبعدين آخذ 40 أو 50 دولارا في الاسبوع، كيف ابني مستقبلي وبساعد أهلي، وردّ الجميل؟«. طبعاً كثرة ورش الميكانيك المجاورة لبعضها البعض ستطرح المنافسة بينها، لكن الاهم، هو أن التركيز على اختصاص دون غيره سيؤدي الى تخمة، وبالتالي إلى دخل أقل. المشكلة في الاختصاص وفي هذا الموضوع يشير رئيس جمعية الصناعيين في لبنان فادي عبود، الى أن المشكلة في لبنان ليست في أعداد الخريجين، بل في الاختصاصات، بعضها يعاني من تخمة كبيرة، وبعضها يعاني من نقص كبير. ويشرح ذلك بقوله »لو أردنا اختصاص كهرباء منازل، ميكانيك سيارات، كومبيوتر.. لحضر المئات، وربما الآلاف، أما إذا طلبنا متخصصين في صناعة القوالب (الخراطة، وتضم اختصاصات عدة منها الالكترونيك الصناعي، الصيانة الصناعية، المكننة..) يأتينا بضع عشرات، أو حتى أقل من ذلك، علما أن المطلوب في سوق العمل يساوي عشرة أضعاف ما هو موجود«. وفي هذه النقطة يوضح مدير وحدة التخطيط والتطوير في مديرية التعليم المهني والتقني د. عبد المجيد عبد الغني، أنه تتكرر مطالبات القطاعات المنتجة وخصوصاً في التعليم الخاص بضرورة استجابة التعليم المهني لاحتياجاتهم النوعية والعددية، لكن استجابة المديرية العامة لهذه المطالبة ليست بالأمر السهل إذ أن هذه المطالب لا زالت نظرية ولم ترفق بأي دراسات جدية تحدد المستويات المهارية والإعداد المطلوبه حالياً ومستقبلا ومعدلات التنامي في هذه المهن. وبالتالي لا يمكن للمديرية العامة تكريس التمويل والجهود للاستجابة قبل معرفة الجدوى من هذه المطالبات. فمثلا لا يمكن فتح تخصصات تكلّف ملايين الدولارات للصناعات الطبية قبل الوقوف من اصحاب هذه الصناعات على احتياجاتهم في المدى المنظور والمستقبل، وكذلك نوعية المهارات والمستويات المطلوبة ومدى مساهمة القطاعات المستفيدة في تطوير هذه التخصصات. كذلك لا يمكن قبول المنهجية المتبعة حالياً في توظيف متخرجي التعليم المهني والتقني والتي لا تؤمن لأي منهم التوظيف حتى لو تخرجوا بناء على طلب الجهات المستفيدة. ويؤكد أن الاستجابة تتطلب شراكة حقيقية مع المديرية العامة والتزاماً مطلقاً من القطاعات المنتجة وخصوصا القطاع الخاص يتحمل فيها كل طرف مسؤولياته كاملة. واذا كان هناك من تقصير في أداء التعليم المهني والتقني فإن هذا التقصير يقع بالدرجة الاولى على كاهل القطاعات المنتجة، كونها المستفيد الأول من التعليم المهني والتقني، لابتعادها عن المشاركة الفعالة ورفضها تحمّل مسؤولياتها لتحقيق ما تريد. فالمشاركة لا تعني المطالبة فقط انما تتضمّن المساهمة المالية والفنية والعمل على بناء الخريجين خلال فترة التعلم وتأمين فرص العمل لهم ووضع الحوافز المناسبة لرفع مستوى متخرجي هذا التعليم. وحتى الآن لا نسمع إلا النصائح وتخشى المؤسسات النقابات والجمعيات المعنية استثمار دولار واحد في عملية تطوير التعليم المهني والتقني، علماً أن في هذا الاستثمار منفعة كبيرة لهم. واشار الى أن الوزارة وقعت أخيرا اتفاقية نموذجية مع الصناعات الغذائية برعاية ودعم من الاتحاد الاوروبي، ومن الواجب الآن متابعة تنفيذ هذا الاتفاق بشكل سريع لتشجيع بقية القطاعات على الخوض في تجارب مماثلة. ويستغرب عبود الهجمة على بعض الاختصاصات وإغفال غيرها، لافتاً الى أن لبنان الذي يتم التغني به أنه مطبعة الشرق، لا يوجد فيه متخرج باختصاص طباعة، فإذا أردنا واحدا، علينا أن ندرّبه، او أن يكون قد عمل وهو صغير في إحدى المطابع. وعدّد بعض الاختصاصات التي تحتاجها السوق اللبنانية اضافة الى ما سبق وذكره، منها: في البلاستيك »سحب وصقل وتركيب هيدروليك«، رسام كومبيوتر صناعي، أو مصمم للقطع الصناعية، وحتى في الاختصاصات البسيطة مثل البلاط والورقة.. مشيرا الى أن راتب المحامي المتدرج لا يصل بداية الى 400 دولار بينما يبدأ صاحب اختصاص الخراطة مثلا ب600 دولار، وفي أقل من سنة يصل الى الألف دولار. وفي انتقاده للواقع القائم، لفت عبود الى تخمة في عدد الضباط (مهندسون) وندرة في الرتباء (اليد العاملة)، فالمطلوب ليس مشرفين، انما رؤساء اقسام، وعمال يعملون بأيديهم في المصانع. ووجّه دعوة الى شراكة أكثر عمقا بين المدارس والمعاهد المهنية وجمعية الصناعيين، للتنسيق لجهة البرامج حتى لا يتم تخريج عاطلين عن العمل. واعترف بوجود تقصير من الجمعية »ليست وحدها المسؤولة، الدولة تتحمّل جزءاً اساسياً، كذلك المعاهد والجامعات«. وسأل »كيف نخرّج مهندس مكانيك من معهد أو جامعة، ولا يوجد فيها مختبر فعلي، وأيضا كيف تخرج هذه المؤسسات طلاباً وسوق العمل لا يحتاجهم؟«. وعن دور الجمعية في درء اغراق السوق بجيش من العاطلين، قال عبود: للأسف بتنا نصدر شبابنا الى الخارج بدل الاستفادة منهم، والحل يكون بإعادة النظر في المناهج التعليمية، ووضع دراسة عن حاجة سوق العمل الحقيقية. وعن دور الجمعية المباشر، اشار الى نية الجمعية اطلاق موقع على شبكة الانترنت مطلع تشرين الاول المقبل، اشبه ببورصة، مهمته اختيار المطلوب من المرشحين، تبعا لكل اختصاص، وبذلك نسهل العمل على الخريجين واصحاب العمل. متطلّبات القطاع الفندقي وتختلف رؤية رئيس نقابة أصحاب الفنادق بيار الاشقر، للخريجين الجدد، بحيث يعتبرهم متخرجون من دون كفاءة. فالقطاع الفندقي يستطيع استيعاب معظم الخريجين، والمشكلة تكمن في الكفاءة، وليس في العدد، ولا يمكن اعتبار الخريج صاحب كفاءة، لأنه »مع احترامي للكثير من المدارس والمعاهد الفندقية، تعمد الى تخريج طلاب دون المستوى المطلوب«. وسأل »كيف يمكن لهذه المؤسسات تدريس مادة ولا تملك تقنياتها، أو المختبرات الضرورية، وتكتفي بالدراسة النظرية، بعيداً عن التدريب الفعلي على الارض ليعرف الطالب عند حصوله على الشهادة كيف يتصرّف؟«. ويردف، مع ذلك تأخذ المؤسسات الفندقية، خصوصا الكبيرة منها الطلاب المتفوقين، وتعمد الى إجراء دورات تدريبية لهم، لاكتساب المستوى اللازم للفندق الذي يدخل اليه. ولفت الى أن القطاع الفندقي كبير ومتشعّب، بدءاً من المطاعم، والمقاهي وصولا الى الفنادق، وكل مؤسسة تتفوّق على الاخرى بنوعية موظفيها وخدماتها، خصوصاً أن لبنان بلد متطلّب، ويجب أن تكون الخدمة في مؤسساته الفندقية ذات نوعية مرتفعة وعالية، وإلا لا استمرارية لها. وعن كيفية تغطية النقص في الاختصاصات، قال »نعمد الى اختيار الافضل، ومن ثم التدريب العملي، ومَن يتفوق يتم اختياره«. ودعا الاشقر الى مراقبة المعاهد في لبنان، وزيارتها ميدانيا، والاطلاع على ما تقدمه من علم، والتحقق من المستوى الذي تعطيه، ونوعية الاساتذة ومستواهم، ومن ثم سؤال القطاع الفندقي. معتبراً أن بعض المعاهد من أصل 52 معهدا يجب أن تخرج من السوق. وطالب وزارة التعليم العالي بمراقبة أكثر جدية على هذه المعاهد رأفة بالطلاب، والانتباه الى المناهج التعليمية، ومعرفة نوعية الشهادات التي تعطيها، حتى لا نخرّج عاطلين عن العمل. معوقات ويعترف د. عبد المجيد عبد الغني ان نظام التعليم المهني والتقني يعاني الكثير من المعوقات التي وقفت في وجه تطوره لسنوات طويلة وحدّت من تمدد خدماته في المجتمع ومن مساهمته بالشكل المطلوب في نمو الاقتصاد الوطني والانطلاق نحو تبني مفاهيم اقتصاد المعرفة. ورأى أنه إذا كان لهذا النظام أن يستجيب للمتطلبات الاقتصادية الجديدة والمستجدة فلا بد للدولة اللبنانية من أن تواجه كوابيسها التي »تفرمل« سائر عمليات التطور والتطوير، انطلاقا من تحديد ومواجهة التحديات التي تواجه النظام التربوي بشكل عام، وانتهاء بوضع استراتيجية واضحة تؤدي إلى تنظيم القطاع التربوي وتضمن تماشيه مع العالم الجديد الذي يتبلور يوما بعد يوم. ورؤية د. عبد الغني تنطلق من تجربة عاشها ومارسها في الخارج وعمل لمدة سبع سنوات في منظومة التعليم المهني والتقني في لبنان، وتشدّد على ضرورة وجود استراتيجية للتعليم المهني والتقني التي هي الاساس، إذ لا يمكن توجيه التعليم نحو السوق، وأي سوق، من دون وضع مناهج واضحة، لكل طالب قبل البدء في الدراسة لمعرفة الى أين سيؤدي به الاختصاص ونوعية العمل، المعارف التي سيحصل عليها، المهارات، الخبرات.. وإذ يشدّد على أهمية التعليم المهني في لبنان، إلا أنه يعترف أن هذا التعليم غير قادر على المنافسة في ظل غياب التمويل والكادر الإداري والفني والتخطيطي. وينتقد معاملة التعليم المهني معاملة التعليم العام، إذ للأول خصوصيته، وارتباط مباشر بسوق العمل. ففي الدول المتقدمة يعرف الطالب سلفاً الوظائف المتاحة امامه، والتي لا يدخل في منافسة من اجل الحصول عليها مع الطالب الجامعي. بينما في لبنان لا يوجد أي تصنيف او توصيف معياري للمهن، وأرباب العمل لا يميزون بين شهادتي BT و TS، ومعظم المؤسسات تعترف بالاولى، وليس بالثانية. وفي شرحه لأسباب عدم القدرة على المنافسة، يلفت د. عبد الغني الى أن مديرية التعليم المهني والتقني لا تملك الامكانات ب 35 موظفاً لمتابعة 79 مدرسة مهنية رسمية، و360 مدرسة خاصة، و110 آلاف طالب بين تعليم رسمي وخاص وتسعة آلاف استاذ، وامتحانات ل 104 تخصصات، عندها كيف يكون للمديرية الوقت للتخطيط، وهي مشغولة بالعمل اليومي لهذه المدارس؟ وتابع »إذا وزعت الاختصاصات المتكررة على المدارس يكون لدينا مئات الاختصاصات، وفي ظل غياب شبكة معلومات، وبوجود بيروقراطية إدارية للدولة، هل نستطيع التخطيط؟«. وكشف أن المديرية العامة وبتمويل من البنك الدولي اجرت في العام 2004 دراسة شاملة لسوق العمل ومتابعة الخريجين شملت حوالى 12000 متخرج، لكن وقف التمويل المقدم من البنك في العام 2004، أوقف العمل بمتابعة هذه الدراسة والتي كان احد أهدافها وضع نظام متكامل للتعرف بشكل دائم على تطورات سوق العمل والاستجابة لهذه المتطلبات بشكل صحيح. ومع تقديره للبنية التحتية للتعليم المهني والتقني، يأسف عبد الغني لغياب الاستراتيجية، التي تشكل السقف الرابط للبنية. لافتاً الى أن الأطر الاساسية لنظام معلوماتي وإحصائي للاختصاصات وإحصاءات سوق العمل موجودة، لكن الحاجة تبقى لاستراتيجية تواكبها إعادة هيكلة للمديرية العامة للتعليم المهني والتقني تتضمن المفاهيم الجديدة في الإدارة التربوية من تخطيط ومعلوماتية وتطوير. كذلك فإن الاستراتيجية تتضمّن وضع معايير نوعية لكافة عمليات التعليم المهني والتقني من إداريين ومدارس وطلاب ومتخرجين وأساتذة وغيره. إن وضع المعايير يريح الإداري والسياسي، فهي تحدّ مثلا من التدخل لتوظيف أستاذ، وقبول عشوائي لطالب، فالمعايير هي التي تحدد مَن هو الاصلح لأي عملية من عمليات هذا التعليم وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب. الكفاية والملاءمة تشير دراسة سوق العمل الى وجود فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم المهني والتقني ومتطلبات هذا السوق. فالكثير من البرامج لا يتناسب مع متطلبات السوق من حيث المحتوى والمهارات التي تنتجها. كذلك فإن بعض التخصصات المعتمدة غير مطلوب وآخر مشبع بالرغم من قلة الفرص المتاحة لخريجيها. إن الكفاءة الخارجية تعتمد على مدى ملائمة مخرجات التعليم كما ونوعا مع متطلبات سوق العمل، لذلك لا بد من ايجاد شراكة بين القطاعات الاقتصادية والتعليم المهني والتقني الخاص والرسمي لرفع الكفاية الخارجية لمنظومة التعليم. ويرى عبد الغني أن غياب الشراكة بين التعليم الرسمي والتعليم الخاص يلقي أعباء التعليم والتدريب في التخصصات الصناعية على المؤسسات الرسمية ولا بد من إيجاد شراكة مع قطاع التعليم الخاص تتيح لهذا القطاع المساهمة في تنفيذ مناهج التخصصات الصناعية وتحمل جزء من أعبائها.