مرّة جديدة، يُفاجأ الجمهور السينمائي اللبناني بقرار موزّع محلّي استيراد فيلم مغاير للسائد في الصالات اللبنانية. مرّة جديدة، يجد هذا الجمهور المحبّ لسينما مختلفة نفسه أمام عمل فني وثقافي جميل ومهمّ، لا علاقة له بالنتاج الهوليوودي أو الفرنسي أو المصري التجاري البحت. فبعد ظهر اليوم، تبدأ العروض المحلية لفيلم »السقوط« لأوليفر هيرشبيغل في صالات »كونكورد« (فردان) و»الزوق« و»ستارغايت« (زحلة) و»أبراج« (فرن الشباك) و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس)، الذي ارتكز على كتابي »الأيام الأخيرة لهتلر« ليواكيم فيست ومذكّرات ترودل يونغ، الصبيّة التي عملت سكرتيرة خاصّة بالفوهرر في العامين الأخيرين من حياة الزعيم النازي. اللافت للنظر، أن النسخة الموجودة في لبنان أصلية: أي إن الفيلم ناطقٌ باللغة الألمانية، ومترجمٌ إلى الإنكليزية والعربية. وهذه بادرة حسنة، إذ كيف يُعقل أن يستمع المشاهدون إلى أدولف هتلر وهو يتفوّه بكلمات إنكليزية أو فرنسية؟ أثار »السقوط« ردود فعل متباينة: قيل إن خمسة ملايين ألماني شاهدوه في الأشهر الثلاثة الأولى من عرضه الألماني. لا شكّ في أن الرقم مهمّ، إذ إن أدولف هتلر لا يزال من »المحرّمات«، وأية مقاربة موضوعية له تنذر بعواقب وخيمة على صاحبه. فالسائد في العقل الغربي أن هتلر قاتل، ارتكب أبشع جريمة في التاريخ الحديث، حين أودى بحياة ستة ملايين يهودي في أفران الغاز. ثم إن التعاطي مع الموضوع النازي يجب أن يمرّ، دائماً، في الانتقاد والكاريكاتورية والهزء، وفي تبيان هذا الجانب الوحشي في النظام النازي كلّه. كأن هتلر لم يقتل إلاّ يهوداً. أو كأن التشديد على رقم »ستة ملايين يهودي« يؤكّد فعل الجريمة، في حين أن القول بمقتل يهوديّ واحد على يديّ نازي، لسبب عرقي أو جنسي أو عنصري، هو أيضاً جريمة، يُسقط عن هتلر وحشية نظامه وهوسه بالكمال الملتبس. مقاربة موضوعية أياً يكن، فإن »السقوط« أسقط جدار الخوف من المقاربة المختلفة والمعاينة السوية والموضوعية لهتلر ولنظامه النازي، حين قدّم أدولف هتلر (برونو غانز) إنساناً له حسناته والسيئات: يغضب بعنف، ويؤنّب جنرالاته، ويشتم شعبه، ويحقد على »الخونة«، وهم كثر بالنسبة إليه، لأن كل من يخالف تعليماته يُصبح خائناً يتوجّب إعدامه. وفي المقابل، يُظهر شيئاً من العطف والإنسانية في علاقاته ببعض المقرّبين منه: سكرتيرات، حرّاس، أولاد غوبلز، إيفا براون. هذه الصورة وحدها كفيلة بالتعاطي الهادئ والمقنع والمنطقي مع هذه الشخصية بحدّ ذاتها: لم يسع الفيلم إلى شتم لاذع، ولم يرغب في تقديس واه. وازن بين الحسنات والسيئات، وحافظ على حقائق تاريخية عدّة، وجعل من أدولف هتلر إنساناً له مشاعر وانفعالات وهواجس وأحلام وأوهام، وقائداً عسكرياً يواجه موته بعنف وحدّة، وزعيماً تاريخياً كتب فصلاً من التاريخ الدموي الحديث للبشرية. تأثيرات متناقضة قيل إن الفيلم أساء إلى الذاكرة الجماعية في ألمانيا والعالم، لأنه أثّر »إيجاباً« على مشاهدين كثر: قدّم لهم أدولف هتلر إنساناً يُمكنهم أن يتعاطفوا معه. سمعتُ هذا القول إثر عرض الفيلم في حفلة خاصّة بالصحافيين والإعلاميين والنقّاد. لكني لم أشعر لحظة أني متعاطف مع الجانب الإنساني لهتلر، بقدر ما شعرت بارتياح كبير وأنا أشاهد فيلماً امتلك حدّاً أقصى من الموضوعية الإنسانية والأخلاقية والثقافية في تعاطيه مع الأسبوعين الأخيرين في حياة الفوهرر، وحافظ على قدر كبير من السوية الفنية والتقنية والدرامية والتمثيلية. فالرجل لم يتخلّ عن أوهامه وغضبه وانفعالاته المدوّية حتى اللحظة الأخيرة، لكنه لم يتخلّ أيضاً عن حساسيته وهدوئه الإنساني وقناعته بمبادئه، التي رفضها كثيرون. والقائد عسكريٌ مهووس بالانتصار الذي لم يتحقّق بسبب خيانة الجنرالات المحيطين به، وعجزهم عن استعادة زمام الأمور الميدانية في مواجهة الهجوم السوفياتي الشرس على برلين، وليس بسبب هوسه بالحرب، وأخطائه في التخطيط والرؤية. والزعيم مفكّر متمسّك بالنظام الثقافي والإثني والإيديولوجي الذي صنعه، واضعاً اللوم على الشعب الألماني الذي تعرّض للقصف والموت والتشريد، والذي عرف إهانة فظيعة على لسان هتلر نفسه، الذي استمرّ في شتمه وتقريعه وتحميله مسؤولية ما فعله القدر به. نقاش عودة إلى بعض جوانب النقاش الذي دار حول »السقوط«. ففي العدد الصادر بتاريخ 23 كانون الأول 2004/5 كانون الثاني 2005 من المجلة الفرنسية الأسبوعية »لو نوفيل أوبسرفاتور«، جاء أن البعض علّق على الفيلم بقوله »إنه لا يُمكن تخيّل فيلم أفضل من هذا عن الأيام الأخيرة لهتلر«، في حين أن آخرين رأوه »ابتذالاً خطراً أو جذباً للجمهور الضخم، مخدوماً بممثلين (هم) ضحايا لعبة زائدة«. على الرغم من هذا، حقّق الفيلم 14 مليون يورو في ألمانيا، أي »الميزانية الأضخم المخصّصة بفيلم ألماني منذ عقود عدّة«، في حين أن عشرين بلداً اشترت حقوق عرضه، منها: إيطاليا واليابان وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدّة الأميركية، »لكن إسرائيل ليست من بينهم«، كما في المجلة الفرنسية نفسها. إذاً، قدّم الفيلم الأيام الأخيرة لهتلر في ال»حصينة« (غرفة محصّنة تحت الأرض) إلى جانب قادة عسكريين وضباطا وجنوداً وسكرتيرات وعائلات مُقرّبين منه. لكنه يبدأ قبل ذلك بنحو عامين ونصف العام، حين يُطلّ هتلر على عدد من الصبايا الجميلات اللواتي جئن إليه ليختار من بينهنّ سكرتيرة واحدة، لم تكن إلا ترودل يونغ التي رافقته طوال هذه المدّة، وعاشت معه اللحظات كلّها، وشعرت نحوه بنوع من الفخر والحنان والحبّ، وروت في مذكّراتها تفاصيل هذه المرحلة، ذات الوجهين: الوجه الإنساني الخاصّ بعلاقة هتلر بكل من أحاط به، والوجه العسكري في مواجهة الهجوم السوفياتي على برلين قبل سقوطها. وفي النهاية، يسرد الفيلم مصائر غالبية القادة والمحيطين بهتلر، وصولاً إلى حوار مقتضب مع ترودل يونغ نفسها التي لا تزال على قيد الحياة، حيث تعلن مرارتها وإحباطها إزاء هول »المجزرة« التي ارتكبها هتلر بحقّ »اليهود« (فقط)، علماً أن هتلر، في الفيلم، شتم اليهود كثيراً، كأنه يتباهى بما ارتكبه بحقّهم، في حين أن »السقوط« لم يُشر إطلاقاً إلى الجرائم الأخرى التي نفّذها النظام النازي بحقّ غير اليهود. في المنطق الألماني، يُمكن القول إن ترودل يونغ بدت وكأنها تخشى نقمة اليهود عليها، لأنها أعلنت إعجابها وحبّها وتعاطفها مع هتلر. لكن ظهورها على الشاشة في نهاية الفيلم بدا متصنّعاً ومسطّحاً، أقرب إلى تلاوة فعل ندامة منه إلى شهادة إنسانية ضد هذه الجريمة والجرائم النازية الأخرى.