عشية الاحتفال بذكرى مرور خمسين عاماً على رحيله المفاجئ والصادم والعنيف والسريع، في الثلاثين من أيلول 1955، أي قبل خمسة شهور فقط على بلوغه الخامسة والعشرين من عمره (مواليد 8 شباط 1931)، لا تزال أسئلة مقتبسة من السلوك الحياتي الذي انتهجه جيمس دين منذ طفولته معلّقة. فهو المفاجئ دائماً في ارتباكاته وقلقه وعجزه عن التأقلم في المساحات النفسية والروحية والجغرافية الضيّقة، والصادم في أسلوبه المتوتر والمختلف عن السائد (حينها) في يومياته ومهنته، والعنيف، غالباً، في تعاطيه مع الآخرين، والسريع في عيشه كأنه قابضٌ على جمر حارق يدفعه إلى السير قُدماً نحو هاوية القدر وبشاعته. أكمل الحادث المأسوي، الذي أودى بحياته، صورتَه كرمز شبابي متمرّد ورافض. في حين أن مرحلتي الطفولة والمراهقة، اللتين أمضاهما في كنف عائلة ممزّقة بالموت (غياب أمه التي تعلّق بها كثيراً) واللامبالاة الصارخة إلى حدّ النبذ (تخلّي والده عنه)، جبلتاه بالألم والرفض والانكسار. هذا الواقع لعب دوراً كبيراً في اختياره أدواراً تتلاءم ووجعه: شخصيات شابّة وقلقة وضائعة في متاهة التمزّق العائلي، تبحث عن عطف أبوي وحنان أمومي، تماماً كما أجمع عليه المخرجان نيكولاس راي وإيليا كازان، حين اعتبرا أن جيمس دين في فيلميهما »ثائر من دون قضية« (1955) و»شرق عدن« (1955) لا يختلف عن شخصيتي جيم ستارك في الأول وكال تراسك في الثاني (يُذكر أن لدين فيلماً ثالثاً أخرجه جورج ستفنسن بعنوان »عملاق«): »إن مأساة حياته كامنة في هذا الصراع الدائم بين الرغبة والخوف، تماماً مثل جيم ستارك«، كما قال راي. بينما روى كازان أن الممثل الشاب هو كال تراسك نفسه: »كان (دين) متحفّظاً، حقوداً وميالاً إلى الثأر، عبوساً، ودائماً يُعطي انطباعاً بأنه وحيدٌ. إنه حذر من الجميع. في الواقع، كل شيء (يؤكّد) تماثله بالشخصية: مظهره وخطابه«. اقتبس بول أوزبورن »شرق عدن« عن رواية لجون شتاينبك محوّلاً إياها إلى سيناريو سينمائي وصفه دونالد سبوتو، كاتب سيرة دين، بأنه »بسّط شخصيات الرواية وهذّبها وأنسنها«. وأشار سبوتو إلى أن الفيلم »عرف نجاحاً أكبر بكثير مما عرفته الرواية«، التي اعتبرها »تصويراً مرتبكاً وثرثاراً لبعض المعضلات الأخلاقية«: إنها ملحمة عائلية مرتكزة على قصّة الأخوين قايين وهابيل، ولدي آدم وحواء، من خلال العلاقات القائمة بين الأب آدم تراسك (ريموند ماساي) وولديه كالب/كال (جيمس دين) وآرون (ريتشارد دافالوس) والأم كايت (جو فان فليت)، عشية الحرب العالمية الأولى. آرون المهذّب مخطوب للفاتنة آبرا (جولي هاريس)، يشبه والده الطيّب والهادئ كثيراً. بينما كال مختلف، يبدأ رحلة التمرّد والارتباك عندما يُدرك أن والدته لم تمت، كما أخبره والده، بل هربت من قسوة هذا الأخير وإرهابه، مما دفعه إلى حالة من التمزّق النفسي والروحي بين إلفة مفقودة ورغبة في استعادة سمعته. في خضم هذه الحالة، استثمر كال نفسه وجسده وروحه في »مشروع تبريد الطعام«، الذي حلم به والده ذات يوم بهدف كسب حبّ أبيه، الذي لم يحصل عليه أبداً. يعرض »شرق عدن«، لإيليا كازان، التاسعة وأربعين دقيقة بتوقيت بيروت على شاشة »آرتي«.