As Safir Logo
المصدر:

مسودة نص »الكنيسة المارونية والسياسة«

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2005-09-14 رقم العدد:10196

تنتشر »السفير« مقتطفات من مسودة النص المجمعي حول »الكنيسة المارونية والسياسة« والذي سقط بنتيجة التصويت عليه. يبدأ النص بالاشارة الى »تجربة الموارنة في السياسة وهي الاقدم والاكثر تنوعا بين مسيحيي الشرق. وما يميز الموارنة عن سواهم من مسيحيي هذه المنطقة من العالم، تعاطيهم المباشر في السياسة، على مستويات ثلاثة: داخل الاطار الكنسي، برعاية البطريركية المارونية، وعلى مستوى السياسيين، لا سيما النافذين منهم، وعلى المستوى الشعبي العام. بدأ التعاطي الماروني في السياسة قبل نشوء دولة لبنان الكبير بعدة قرون. ولقد خبر الموارنة السياسة، من موقعي السلطة والمعارضة، واتخذوا الخيارات والمبادرات في مفاصل تاريخية اساسية«. ويتناول الفصل الاول المسار التاريخي من الحقبة الامبراطورية البيزنطية وصولا الى المرحلة المعاصرة منذ 1920 وحتى اليوم. وكمقدمة لحيثيات الحرب يقول النص: »وتوالت الازمات في لبنان، في النصف الاول من السبعينيات، بعد خسارة المنظمات الفلسطينية قواعدها في الاردن، عام 1970، وتمركزها السياسي والعسكري في لبنان، فتحول لبنان الى قاعدة اساسية للعمل الفلسطيني المسلح، وأداة جذب لتدخل الانظمة العربية في الشأنين اللبناني والفلسطيني، وساحة حرب مفتوحة مع اسرائيل، لا في الجنوب فحسب، بل في مناطق عدة، ومنها العاصمة بيروت. وجاءت الحرب العربية الاسرائيلية عام 1973، لتعمق الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، خصوصا، بعد ان استعادت مصر وسوريا بعض أراضيهما، واصبح جنوب لبنان ساحة الحرب الوحيدة للنزاع العربي الاسرائيلي. اوجدت هذه التطورات الارضية الملائمة لاندلاع الحرب، في 13 نيسان 1975، وهي، من بدايتها الى نهايتها، سلسلة حروب داخلية واقليمية متداخلة، شارك فيها اللبنانيون والفلسطينيون بشكل مباشر، اضافة الى سوريا واسرائيل، وفي ما بعد، ايران الاسلامية، وعدد من الدول العربية. وكان الانقسام الداخلي الاعمق، في لبنان، في منتصف السبعينيات، حول طبيعة الوجود الفلسطيني المسلح، اذ ان المنظمات الفلسطينية تحولت، في أواسط السبعينيات، من حيث الواقع، الى مسألة داخلية، في السياسة اللبنانية. وبرزت مسألة اخرى، شكلت انقساما، في لبنان، تمحورت حول اصلاح النظام السياسي«. ويضيف في مكان آخر »لقد نعم لبنان، في ظل ما كان يعرف بالمارونية السياسية، في مرحلة ما قبل الحرب، بقدر من الحريات السياسية والاقتصادية والاعلامية والثقافية، لم تشهدها دول عديدة، لا في العالم العربي فحسب، بل بالمقارنة مع عدد كبير من الدول، في الشرق والغرب، اما دولة القانون، فعلى رغم الشوائب التي اعترتها، ظلت القوانين فيها محترمة، والقضاء كان يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية والفاعلية. وفي تلك المرحلة، كانت التوازنات السياسية قائمة بين القوى السياسية، فلا النفي، ولا الالغاء لاسباب سياسية، كان ممكنا، ولا الاستهداف المبرمج كان سائدا. وكان للمعارضة حضور فاعل، اذ كانت قادرة على الاعتراض والوصول الى السلطة، وكانت القدرة على الممانعة والتصحيح متاحة، ولقد مورست غير مرة، وادت الى تغيير في العهود الرئاسية، وفي سياساتها ورجالاتها. وجاءت الحرب، طيلة خمسة عشر عاما لتنتج عنها خسارة لا سابقة لها، في تاريخ لبنان الحديث. الحرب هي الحرب، بأوجاعها ومآسيها. وقد عاشها الناس وعانت منها الكنيسة ما عانت. لقد نتج عن الحرب، في عمق جبل لبنان، تهجير آلاف المسيحيين من الجبل ومن مناطق اخرى، لا سيما في ضاحية بيروت الجنوبية، في سنوات قليلة، بعد ان استغرق تكوين الوجود المسيحي في الجبل، قرونا عدة. ففي حين ان الحرب الطويلة، والمتغيّرة في أهدافها وأطرافها، قد تم استغلالها اشد الاستغلال من قبل دول وجماعات وافراد، إلا انها شهدت مقاومة فاعلة وشريفة، قام بها شباب كثر، ضحوا بحياتهم، دفاعا عن قناعاتهم، وعن سيادة لبنان وحريته وكرامته. فقد جمعت حرب السنتين، في 1975 1976، معظم القيادات المارونية، الحزبية وغير الحزبية، في صف واحد، في وجه الخطر العسكري الداهم. غير ان سنوات الحرب اللاحقة، شهدت نزاعات مسلحة، في الوسط الماروني. ولم يعرف الموارنة مثيلا لتلك النزاعات، في تاريخهم الحديث، إن لجهة حجمها او لجهة تأثيراتها السلبية في توازنات السياسة اللبنانية، وعلى المصالح المارونية، وعلى الناس، في معظم مناطق الوجود المسيحي في لبنان«. اولا: المصالحة الوطنية ويتحدث الفصل الثاني عن مرحلة ما بعد الحرب وفيه: لم يلحظ اتفاق الطائف آلية مفصلة للمصالحة الوطنية، بل قضى باتباع سياسات معينة تصب في اتجاه وطني توحيدي، على اساس التقيّد بالدستور، وارساء دولة القانون. اما المعادلة التي، على اساسها، تبلور اتفاق الطائف وثيقة لوفاق وطني صحيح، ومن قبله، المحاولات العديدة لانهاء الحرب، منذ عام 1976، فقد لازمت الاصلاح السياسي مع السيادة. والمصالحة، اذا ما اتخذت لنفسها صفة وطنية، فهي تأتي، حكما، على اساس هذين المبدأين المتكاملين. بكلام آخر، ان الترجمة العملية لآلية المصالحة الوطنية ونتائجها تكمن في التنفيذ السليم لاتفاق الطائف ولا في النصوص والنيات والتمنيات. وهذا ما يجلب التأييد للطائف من الفريق المعارض، والدعم من الفريق المؤيد، والاقتناع بجدواه من الفريق المشكك. ثانيا: الاستهداف المبرمج أما التراجع الحقيقي في المجال السياسي في الوسط المسيحي فبرز في السنوات الاخيرة منذ انتهاء الحرب الى اليوم. والتراجع يعود الى اسباب عدة، منها ما هو بنيوي، يرتبط بالوضع الديموغرافي المتراجع وبالهجرة المتواصلة، ومنها ما يرتبط بالاستهداف المبرمج. ولقد اتخذ هذا الاستهداف اشكالا متنوعة: استهداف سياسي، عبر اعتماد قوانين انتخاب لا تراعي التمثيل الصحيح، واجراء انتخابات مفصلة على قياس اركان السلطة، استهداف أمني طاول عدداً من التنظيمات والشخصيات السياسية والشباب المسيحي في لبنان والخارج، استهداف ديموغرافي تمثل بإقرار مرسوم التجنيس، عام 1994 الذي منح الجنسية دفعة واحدة لما يزيد عن ثلاثمئة ألف شخص، معظمهم من غير المسيحيين ومن حاملي جنسيات اخرى. وقد احاله مجلس شورى الدولة اخيرا، بعد تسع سنوات على إقراره، للنظر فيه من قبل المراجع المختصة، استهداف اعلامي بغية تخوين جماعي للمسيحيين وتشويه صورتهم والنيل من دورهم الرائد في لبنان. وهذا التخوين، الهادف الى تقويض ارادتهم الحرة، طاول مرجعياتهم الروحية والسياسية. ولا مبالغة في القول ان احدى ثوابت مرحلة ما بعد الحرب اضعاف الدور السياسي للمسيحيين عامة وللموارنة خاصة، وهو الدور المطالب بشكل اساس باستعادة القرار الحر حفاظا على المصلحة الوطنية لا للانقلاب على الاصلاحات التي كرّسها الدستور المعدل عام 1990. لعل التطور الاهم الذي دخل الممارسة السياسية في لبنان ما بعد الحرب تمثل بتعطيل المساءلة والمبادرة والقدرة على الممانعة في الشأن السياسي بالوسائل الديموقراطية، وهو الدور الذي لازم الموارنة، كنيسة وشعبا وقادة، منذ نشوء الدولة الى اليوم. وهكذا، نصل الى مسؤولية الاخرين، من غير الموارنة، في تصويب مسار الامور. وهذا يحتم عملا وطنيا تضامنيا. إن ما شهدناه في السنوات الاخيرة هو سلسلة محاولات افراغ: افراغ اتفاق الطائف من مضمونه، وافراغ الدولة من قرارها، وافراغ الحياة السياسية من السياسة.. والخطير في الموضوع ان تكون المسائل التي اختلف عليها اللبنانيون في الماضي ولاقت الحلول المبدئية لها في اتفاق الطائف قد تجاوزتها التطورات والاحداث في فترة قصيرة. وهذا ما يدل على ان مشاريع الوفاق والاصلاح بالنسبة الى اهل الربط والحل، هي في الممارسة مسائل ظرفية قابلة للاخذ والرد ومرتبطة بموازين القوى المتحركة. فما جدوى الاعلان عن نهائية الوطن وقد اصبح الوطن في دولة تلاشى دورها وانحسر قرارها في امور هي من صلب وظائف الدول وحقوقها، وما جدوى ان توزع الصلاحيات بين الطوائف بإنصاف بعيدا عن الهيمنة ومنعا للحرمان في زمن انقطاع التواصل بين أهل الحكم. فيتحول التوزيع المتوازن في الصلاحيات الى شلل متوازن في تلك الصلاحيات ويتحول الفصل بين السلطات الى انفصال بين بعضها البعض. والحقيقة انه ما من مرة كانت مشاكل لبنان وازمات الحكم فيه مرتبطة بمسألة الحرية كما هي اليوم. فمسألة الحرية مطروحة لانها مهددة بجوهر وجودها. ومتى تهددت الحرية تهدد لبنان في وجوده وفي دوره في هذه المنطقة من العالم. يتشارك اللبنانيون اليوم، مسيحيين ومسلمين، في هموم كثيرة، بعد ما يزيد على عقد ونيف من إنهاء الحرب وادخال الاصلاحات في النظام السياسي واعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيدها واطلاق ورشة الاعمار. الهمّ المعيشي يأتي في صدارة تلك الهموم، لا يميّز بين اللبنانيين، جماعات وافراداً. مشاكل اخرى ترخي بثقلها على المجتمع اللبناني ترتبط بالفساد المستشري وبالتدهور الخطير في الوضع الاقتصادي، من مؤشراته بلوغ الدين العام مستويات غير مسبوقة، لا في لبنان فحسب بل بالمقارنة مع دول اخرى صغيرة الحجم ومحدودة الموارد كلبنان. وبات التدهور حالة مستشرية في الادارة العامة وفي حقوق الانسان وفي دولة القانون لا سيما في ركنها الاساس اي القضاء، وفي حكم مفكك الاوصال، لا يجمعه سوى بلوغ الازمات خط الانهيار الكامل. ودعا الفصل الثالث الى »المصالحة مع السياسة« والمشاركة في ادارة الشأن العام وتعزيز الثقافة الديموقراطية اما الفصل الرابع فأورد مجموعة نقاط تحت عنوان »قضايا ملحة« النقطة الاولى موضوع العيش المشترك. والعلاقات اللبنانية السورية التي بحسب النص »لا جدال حول اهمية حسن العلاقات بين البلدين لا بل على اهمية تميزها. إلا ان الخلاف قائم حول مضمون التميز وحول الترجمة العملية لهذا التميز على ارض الواقع. لا شك ان من مصلحة الطرفين، اللبناني والسوري، ان تكون العلاقات بين البلدين سليمة ومثمرة، لكن، لا على حساب مبادئ العيش المشترك، ولا على حساب الحرية. اذا خيّرنا بين العيش المشترك والحرية، يقول غبطة البطريرك صفير، لاخترنا الحرية. إن هوية لبنان العربية التي أقرها اتفاق الطائف ونص عليها الدستور لا تحسم الجدل حول طبيعة العلاقات بين لبنان وسوريا. إن اعلان عروبة لبنان شيء، والعلاقات مع سوريا شيء آخر. فإن لم يكونا في تناقض، فإنهما ليسا دائما متطابقين. المطلوب، اذا، علاقات لبنانية سورية متينة، قاعدتها المصالح المشتركة العديدة بين الدولتين والشعبين. هذا التباعد الداخلي حول مسألة كيانية، هو ايضا، تباعد حول جانب عضوي ومكوّن للعيش المشترك«. وخصصت فقرة حول العلاقة مع العالم العربي واخرى مع الغرب، والانتشار الماروني في ابعاده السياسية ليحدد في الفصل الخامس بعض التطلعات المستقبلية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة