يكتب عباس بيضون عن العراق، كما لو أنه يكتب منه، من يومياته المحجوبة، رواية أخرى غير التي يسوقها إعلام التعبئة والتضليل، هذا ما اعتدناه من عباس طيلة العقدين الماضيين، وهذا ما يكاد يجمع عليه معظم المثقفين العراقيين، الذين تابعوا كتاباته ويحتفظون في وجدانهم بتقدير عال لمواقفه، فهو ما كان يوماً من أولئك الذين صفقوا للدكتاتور في مرابده، وإنما انحاز دون كثير تردد إلى ضحاياه، إلى الحقيقة الغريبة والصعبة في تلك السنوات. من هذا المنحى أقول إن كتابة عباس بيضون عن العراق، مهما حملت مظانها من آراء، في أي وقت وعلى أية حال، هي حق له كمثقف عربي أولاً، وكمعني إلى الحد الذي يجعله جزءاً طبيعياً من متن المناقشات الساخنة حول قضية العراق تالياً، ومن هذا المنحى أيضاً أناقش ما طرحه من قناعات في مقالته الأخيرة في السفير الثقافي 2/9/2005 تحت عنوان »فاجعة جسر الأئمة.. قدر الشيعة العراقيين«. لا أسعى من خلال مناقشة الصديق عباس بيضون في مقاله ذاك، إلى وضع كتلة من الأفكار تعارض ما طرحه، ولن أسعى كذلك إلى التوازي مع أفكاره، بل لأعيد مساءلة القناعات، قناعاته وقناعاتي كذلك، إزاء ما يجري في العراق، خلال السنتين الماضيتين. أفترض أن المتابع لمقالات عباس في الشأن العراقي، خلال السنتين الأخيرتين، يستشعر أنها ما عادت بذلك الصفاء الذي يرى الوقائع ويحللها بجذرها لا بظلها الباهت، من حق عباس أن ينظر إلى تلك الوقائع من أمكنة أخرى، تناسب فكرته عن العالم الجديد الذي نشأ بعد صدمة 11 سبتمبر، والتفاعل تناغماً أو استجابة لترددات اهتزازاتها في منطقتنا وفي عقولنا، من حقه أن يرد كل شيء إلى عصر الإرهاب، الذي يضعنا جميعاً في أتونه، لكن ثمة من يسأل أيضاً عن العقلية الخلاقة التي ابتكرته، وعما إذا سعى عباس إلى مراقبة بيضة النعامة وهي تفقس! يتصدى عباس لتفسير أسباب ما حدث على جسر الأئمة، بعد أن »أعيا الجميع تفسير سقوط الألف« كما يقول، ويركن إلى الشائعة كتفسير وحيد وممكن لما جرى، لكنها لن تبقى هكذا: إشاعة سائبة دون أن يعيدها إلى أبويها، وما دام الزرقاوي أسطورة فاعلة بسيفه الأعمى المجاز هنا مختلف عن مقاربة حد السيف وما دام التكفيريون واقعاً يومياً، وقذائف الهاون التي أطلقت، قبل وقت قصير وقتلت بعضاً من طلائع الزوار، قرينة قريبة، فمن السهل في حال كهذه رد الشائعة التي قتلت ألفاً من الناس في ساعة من النهار إلى هاجس مؤامرة، إلى تلك الأرومة الغامضة، لكن المؤامرة هنا لم تعد هاجساً غامض المصدر، وهي ليست نظرية، إنها واقع حقيقي وممارسة متدرعة وجادة. فاجعة جسر الأئمة، أو ما يعرف بجسر الكاظم، أو جسر الأعظمية تبعاً لإرث الثقافات المحلية في استيلاد التسميات، هي فجيعة حقاً، ومن المفجع الإضافي التعجل في تسييسها لإدانة أطراف معينة والتغاضي عن مجمل صناع هذه المأساة، فقد يكون بينهم أبطالها الحقيقيون! ما لم يقله عباس في مقالته الأخيرة، برغم أنه امتد بنظره خارج جغرافيا العراق لرصد تفاعلات أوزارها، وبرغم تركيزه على ملامح نمطية صار يعرفها من صناعها، إن من صنع الفاجعة يسعى إلى تسييس الفجيعة القديمة، واستثمار الفاجعة الجديدة أيضاً، المواكب نفسها تحمل رسائل وشعارات تتعلق بالدستور والفيدرالية تأييداً ورفضاً وتتصل بالاحتجاج على تردي الخدمات. ما أنكره عباس من القضية برمتها أن العراق ليس »مجرد مصح معزول« ترك ليشفى من عنفه ذاتياً، فالأميركان حاضرون في ردهة العناية الفائقة بجرعاتهم الدائمة التي تجعل من هذا المصح حيوياً في عنفه وهياجه ولا أدري ما إذا كان يعتقد أنهم غير مكشوفين له كما هي الحال لأولئك الذين يقتلون المدنيين الأبرياء باسم المقاومة! لم نقرأ عن تحميله جانباً من المسؤولية، كما فعل العشرات من الشهود العيان، للأميركان المحتلين وللحكومة التي لا تهتم بأمن الناس، وبالطبقة الدينية التي سعت دائماً إلى تجييش مزيد من البسطاء في حمى الهوس الديني والطائفي لتحقيق مآربها المرتبطة بالسياسية لا بمبادئ العدالة الاجتماعية وإزاحة الظلم وكفالة حق الآخر المختلف، ولا عن الأكثرية المستباحة من بطارقتها، عن الجماعة المسخرة لجر عربات النخبة النوعية الصاعدة مع الاحتلال وتلك الحمى المتمثلة في تسيير عشرات القوافل المجانية التي تتولى الأحزاب الدينية تنظيمها لحشد هؤلاء البشر من فقراء الضواحي الذين لا يستطيعون عادة التحرك في العاصمة بسبب أزمات الوقود في بلد النفط! لم ينتبه إلى إن المتأخرين عن عبور الجسر أعني في النصف الأول الشرقي منه القريب من الأعظمية، كانوا يتدفقون بلا تنظيم، فيما يقف على جانبه الغربي القريب من الكاظمية، مسلحو المؤسسات العسكرية المستنفرة لهذه المناسبة، وميلشيا الأحزاب الدينية ودوريات عسكرية أميركية تقنن العبور، ليس هذا إرهاباً بالتأكيد، على الأقل لم يشر إليه عباس وهو يرد الإشاعة إلى جذور سابقة تبدو كافية بالنسبة له في رد الإشاعة إلى مصدرها الوحيد »من يعرف ماذا جرى في عاشوراء الماضية لن يسأل ولن ينتظر حتى يصدقها« ومع هذا تنطلق الإشاعة من الجانب الآخر الجانب الذي ينكبس بشرُهُ، في موسم نضوج الرطب، في حمى الازدحام الذي يزداد في كل لحظة، في بلد تتجاوز درجة الحرارة فيه الخمسين مئوية في مثل هذا الوقت، مما يجعل إسفلت الشارع جحيماً حقيقياً، ربما لهذا رمى العشرات أنفسهم من على الجسر نحو دجلة، كالمستجير من الرمضاء بالماء، لكنه الماء القاتل هذه المرة. ثمة من الشهود العيان من أكد أن الشائعة في واحدة من صورها المتعددة، تحذير أطلقته مكبرات الصوت التي يحملها جنود الحرس الوطني وقوات الشرطة، لإيقاف تدفق غير مضمون النتائج من الجانب الآخر من الجسر، عوارض الخرسانات التي وضعت على الجسر كان من شأنها أن تجعل من هذا التدفق مشياً بالتدافع على حجر، لا على إسفلت فائر فحسب! إشاعة أخرى موسعة يمكن الركون إليها أكثر من تلك التي يطلقها صوت مفرد في جانب من الزحام، الطلقات النارية التي أطلقها الحرس الوطني بدأت كأنها تفريق لمتظاهرين أو إيذان ببدء حملة الانتحار الجماعية. ثقافة الإشاعة هذه ليست وليدة »عصر الزرقاوي وفتاوى إباحة قتل الرافضة« ونقطة على آخر السطر.. يا صديقي عباس، أتذكر هنا أن رجال مخابرات صدام احتجوا دائماً، وهم يستنفرون كتائبهم على الجسور وفي الطرقات، وعند أبواب الأحياء وداخل الأضرحة أنهم كانوا في منعهم الشيعة من ممارسة مثل هذه الطقوس إنما يحمون الناس من عمليات التخريب التي تنشط في مثل هذه التجمعات الهائلة، ثم يقتادون في اليوم التالي كل من انقطع لممارسة تلك الشعائر حتى في بيته. من نصدق إذن من نصدق إذن؟ قد يبدو من المفارقات أن مرقد موسى الكاظم يقع في جانب الكرخ الجانب الذي يعرف بأنه جغرافيا بشرية سنية على العموم، بينما تشكل الرصافة الجانب الشيعي على العموم أيضاً، رغم أن هذا التوصيف العام لا يمنع التداخل الذي لا يمكن معه حسم الجغرافيا الطائفية في بغداد تماماً. ألهذا رمى العشرات من شباب الأعظمية (السنة) بأنفسهم في المياه لكونهم سباحين ماهرين بحكم ولادتهم قرب دجلة، لإنقاذ الشيعة؟ ألهذا سرت شائعة موازية، بأن الأطعمة والمياه الموزعة على الطريق في مثل هذه المناسبات مسمومة؟ هل تريد الفجيعة إعادة تشكيل بنيتها القديمة بكون الإمام موسى (كاظم الغيظ) نفسه وضعت جثته على الجسر بد أن مات مسموماً هو الآخر؟ لنتذكر أن أول زيارة جماعية للنجف بعد سقوط نظام صدام بلغت ضعف هذا العدد يومها لم تقع حادثة واحدة! كان الأميركان حاضرين بإشاعات من نوع آخر، وإشاعتهم الجديدة لم تجر صياغتها بعد، الإشاعات القديمة لم يعد بمقدورها أن تبدو فاعلة، وقتها كان صدام مختبئاً والزرقاوي لم ينشط بعد! وأمراء الطوائف لم يعدوا الرايات بما يكفي. مرة أخرى من خلق الإشاعة؟ لو عرفنا ذلك لم يعد معنى لاسمها. نعرف أن الشائعات أنزلت طائرات في هبوطات اضطرارية متعددة، أفرغت بنايات، ومحطات مترو في أوروبا وأميركا، لكننا لم نعرف شائعة قتلت ألفاً من البشر في ساعة! هذا يقودنا إلى مراجعة تراث الشائعة في كل بلد وفقاً لثقافته، فالشائعة تحتاج إلى وقت أكثر لتفعل فعلها، لكنها في وقت قصير، على الجسر وبين زحام الناس، أوقعت هذا العدد من الضحايا، زمنها إذن لا يتصل بوقت إطلاقها، ولا يمتد إلى عاشوراء الماضية فحسب كما يقترح عباس، وإنما إلى تراث من الذعر تجري إدامته بمهارة سماسرة حقيقيين من قبل طبقة الثيوقراط الحاكمة في العراق اليوم باسم الطوائف. ألوف أخرى وتحت هيمنة نوع من التحليل الموجه لمصدر الشائعة يصر عباس على أن »المقاومة« هكذا يحرص دائماً على تقويسها : سنية ووجه من وجوه الإرهاب، تفسير متاح تماماً، يمارسه سيافو الزرقاوي، وتروّجه حكومة الطوائف وتتضامن معها وسائل الإعلام العربية وتطمئن إلى يقينيتها، ربما الأمر ليس كذلك بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية! لكن ونحن نسأل عن الألف الذين قضوا في موقعة الجسر بإشاعة يرجعها عباس إلى ثقافة القتل اليومي في العراق، نتساءل كذلك عن الأكثر من الألف الذين قتلوا في معارك النجف وحدها وهم شيعة كذلك، من الأحياء ذاتها تلك التي تدفق سكانها على جسر الفجيعة الجديدة، لماذا نرجح هؤلاء على أولئك أو نحجب أولئك عن هؤلاء، أليس الموت واحداً وإن تعددت أسبابه؟ لكن عباس في تفسيره المسبق كان يمضى إلى نقطة مفصلية حرص على تأكيدها في مقالاته الأخيرة عن العراق: تجريم المقاومة بالمطلق، فكرة وممارسة، وهو رأي يجد له صدى طيباً لدى عدد من المثقفين العراقيين، وإن تراجع لدى عدد منهم، ذلك أنها بالنسبة له مقوسة وملتبسة (داخل هذين القوسين) فهي مشروع للحرب الأهلية، فيما العملية السياسية التي يديرها الاحتلال هي مشروع للسلم الأهلي، مقترحاً بحزم »براءة كاملة من المقاومة وقطيعة نهائية معها« لأن إشاعتها قوّضت جسر الأئمة وقتلت الألف! هكذا يعيد عباس بيضون ترجيع المخاوف المريبة التي دأبت الطبقة السياسية في العراق اليوم على اجترارها، دون أن تتحمل مسؤوليتها إزاء يوم الجسر ولم يحمّلها عباس شيئاً من ذلك، مثلما يعمد إلى ربط ضحايا فاجعة الجسر، بضحايا المقابر الجماعية، بيد أن أضحية الشيعة ما بين الجسر والمقابر، ما بين الشائعات والانتفاضة ليست واحدة، وإن كانت أضحية في كل الأحوال، على أن التسييس يجعل الأمر برمّته يبدو كأنه نوع من الترجيح لثقافة السلم الأهلي ضد الميراث القديم »للعنف الثوري« متجاهلين أن مقاومة ما، لا تولد إلا من رحم الاحتلال وعنفه، وإنْ هي إلا تصعيد نوعي للعنف الأول. قتلى جسر الأئمة بهذا المعنى لا يمكن غسل دمائهم بمياه دجلة فحسب، وإن قضوا بقطرات دم قليلة هذه المرة! فهذا الجسر لم يتضرر في الحربين التي شنتهما أميركا ضد صدام 1991، و2003، ولم يقتل عليه بشر! كانت حربها لا تزال بصدد تقويض الدولة القديمة متمثلة بدكتاتور يائس، ولم تبدأ حربها بعد لإنشاء الدولة الجديدة: دولة الطوائف والفيدراليات التي تستدعي أضحية مختلفة وانهيارات متتالية ومتلاحقة قبل أن تظهر للوجود. لعل تواصل تدفق الجماعة الشيعية بملايينها على أضرحة الأئمة في مناسبات ولادتهم ورحيلهم، تجسيد لكابوس دائم على أن هذه الجماعة لا تزال تحت الرحى الطاحنة لمظلوميتها، لم يأت الاحتلال بما يغير عناصر ذلك الكابوس جذرياً، ولم تنجح نخبها السياسية ولا معمموها حتى الآن في جعل الفجيعة القديمة تتحول إلى رمز ذي دلالة أخرى مناقضة لتاريخ الألم الموروث حتى الآن. تحت وطأة هذا الكابوس، الذي يجري دفع الجماعة إلى أشباحه باستمرار تنهار حواجز الجسر الذي يربط مرقد أبي حنيفة النعمان بمرقد موسى بن جعفر وتتفكك مصداته الجانبية بفعل طوفان الأجساد، لتتساقط أجساد الشيعة يميناً وشمالاً، شباب الأعظمية الذين سارعوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كانوا مأخوذين في الواقع بشيء من الذعر المقابل، كأنهم لا يريدون أن يقرأ الآخرون صورهم قاتلين في المياه! مثلما كانوا يقاومون تجنب انهيار أكبر، انهيار اللحمة التي تبدو هشة هذه الأيام، فهم أيضاً لا يريدون أن يغرقوا لاحقاً عندما يتم إنكار الآخر، وتبدأ طقوس القتل في حرب أهلية أرى أنها قائمة حالياً، بشكل ما، رغم توشيحها بما تبقى من تلك اللحمة الهشة. من هنا خطورة أن ينهمك مثقف كعباس بيضون في تسييس الفجيعة وتطويفها لا داخل المكان الذي صنعت فيه، بل ليعبر بها نحو أماكن أخرى، هذا ما يمكن تلمسه حين يرحل صورتها الكارثية، محذراً من انهيار جسر آخر في لبنان، ومنوهاً إلى إن الفجيعة تسلك جسوراً لا مرئية من بغداد إلى بيروت، ربما ثمة من يرى إن عباس يفعل حسناً حين يقارب ما يجري بين الشيعة في العراق، بما يمكن أن يجري لأشقائهم في لبنان، الواضح أن هذا هو الدرس الذي يسوقه من مقالته، محذراً ومنوهاً، لكنه لا ينظر بإمعان إلى واقع تلك الأكثرية المنشقة في العراق! انهيار حاجز الجسر وسقوط البشر إلى دجلة مقدمة مبكرة لانهيار أعم وأشمل وأخطر، لا نريد أن نبدو كالمبشرين بخراب آت، فهو واقع فعلاً، لكننا ننوّه كما نوه عباس نفسه إلى ضرورة تفادي تفاعلاته المركبة. لن تمنع فاجعة الجسر أو كارثة 31 من آب، سمّها ما شئت، من تجدد الحشود في شعائر تالية، الأحرى أنها ستكون حافزاً على إدامة زخمها لتجديد الفجيعة واستثمارها، تلك هي المسألة! من هنا أرى أن شيعة العراق لا يزالون مغيبين عن فعالية صياغة هوية العراق والدفاع عنها، كما يلمح عباس لخيارهم، ذلك أنهم سيظلون محاصرين، إلى أمد، في نمطية الهوية الضيقة، أو قل هويات ضيقة متعددة وملفقة، عندما تتخذ تلك المحاصرة صيغة الحشد في مواكب الأضحية وطوابير اللاطمين واللاطمات. ولذلك فحين ينوّه صديقنا عباس إلى المسافة بين »إذاعة البشائر« وتلفزيون »المنار« في أهمية الحاجة إلى سجال شيعي في لبنان فإنه ينبغي أن يصغي أيضاً إلى أصوات أخرى في مجتمع شيعي عراقي ذي أكثرية تعاني من الانشقاق، ومن التنازع الداخلي، وليعرف أيضاً أن ثمة مسافة يجري خلقها حالياً بين شيعة الطقوس والشعائر والمواكب التي يجري تحشيدها تحت رايات أمراء الطوائف وعماماتهم، وبين شيعة الرفض، الرفض لكل ما هو ضد العدالة والحرية وإلغاء فردية الإنسان تحت وصاية الطائفة.