As Safir Logo
المصدر:

اللص والكلاب

شادية وشكري سرحان في مشهد من الفيلم (م.ع.م.
المؤلف: رزق غسان التاريخ: 2005-09-06 رقم العدد:10189

في مساره الفني المديد، استلهم المخرج كمال الشيخ الكثير من الأعمال الروائية العربية ليحولها أفلاماً. وتشمل القائمة أشرطة سياسية مثل »الرجل الذي فقد ظله« (1968 فتحي غانم)، و»ميرامار« (1969 نجيب محفوظ)، و»الصعود إلى الهاوية« (1978 صالح مرسي)، وأخرى اجتماعية مثل »حب وإعدام« (1958 محمد كامل حسن)، »الخائنة« (1965 ابراهيم الورداني)، »المخربون« (1967 ابراهيم البعثي)، و»بئر الحرمان« (1969 إحسان عبد القدوس)، و»شيء في صدري« (1971 إحسان عبد القدوس)، »وثالثهم الشيطان« (1977 جمال حماد)، وحتى الخيال العلمي مثل »قاهر الزمن« (1987 نهاد شريف). وعلى التقاطع بين الاجتماعي والسياسي، جاء شريط »اللص والكلاب« (1962 عن رواية لنجيب محفوظ)، الذي تحول سريعاً إلى أحد الكلاسيكيات الكبرى في السينما المصرية. قدمت الرواية سيرة فقير، سعيد مهران (شكري سرحان)، وقد تحول إلى لص. يبدأ بسرقة صغيرة، ثم يلاقي تشجيعاً من رؤوف علوان (كمال الشناوي)، الطالب المُسيّس ثم الصحافي الثري. يزيّن علوان لمهران السرقة باعتبارها رداً طبقياً يمارسه الفقراء اتجاه الأغنياء الذين تأتي ثروتهم أصلاً من سرقة المسحوقين. وتكون تلك البداية التي نسج منها محفوظ صورة ملتبسة للص. ووضع مهران على التقاطع بين انعدام العدالة الاجتماعية وبين الصراع الطبقي من جهة، وبين إفلاس السياسة وأدواتها وغربة نُخبها عن الواقع المعيش من جهة أخرى. وصار »لص محفوظ« رداً شخصانياً مُشوهاً وقاصر الوعي على الخلل الاجتماعي الثقافي السياسي. ويصل الرد المتخلخل إلى حائط مسدود. وبعد خروجه من السجن، يحاول مهران استرداد زوجته السابقة نبوية (سلوى محمود في أحد أبقى أدوارها سينمائياً) من معاونه السابق الذي وشى به أصلاً لينالها. يفشل. ويقتل بريئاً بالخطأ. ويشتعل بالرغبة في قتل رؤوف علوان، الذي تحول من متمرد يساري ضد النظام إلى مستفيد ومدافع عنه. ويبدو علوان وكأنه الوجه الآخر لمهران: رد شخصاني مشوه يستفيد من وعيه بالخلل الاجتماعي ليدعم صعوده الشخصي والمهني. اللص مهران صورة بالمرآة، ومقلوبة، للمتسلق اللا أخلاقي علوان. ويتصادم النقيضان الشبيهان. ولا تُفلح المحاولة الشخصانية المُحبطة سلفاً مع نور (شادية في أداء قوي لشخصية ملتبسة هي العاهرة المُحبّة). وينجو الملتحق بالنظام. ويقتل اللص في مشهد سارت عبارته الأخيرة على الألسن لسنين: »سلّم نفسك يا مهران... المكان محاوط من كل حتّه«. امتلأت الرواية، وكذلك الفيلم، بالشخصيات الملتبسة، التي تطلّبَ تجسيدها على الشاشة أداء حساساً. والأرجح أن سرحان نجح في أداء الشخصية المُركّبة لمهران. وقدمت السينما المصرية دور الشرير، في الشخصية المركبة والمتعددة الأبعاد التي مثلّها رؤوف علوان. ونجح الوسيم الشناوي في أداء دوره، فأخرج شخصية الشرير من نمطيتها شكلاً ومضموناً. ومثّلت شادية دوراً صعباً ك»نور«. وقدمت عاهرة ذات بعد إنساني مُرهف. يمكن القول ان السينما المصرية استلهمت الكثير من تلك الشخصيات الملتبسة في أعمال كثيرة. ويتميز »اللص والكلاب«، ليس فقط في سبقه إليها، ولا في مجرد اجتماع تلك الكمية الكبيرة منها، بل في الصيغة الدرامية القوية (الآتية من النص الروائي) التي نسجت خطوطاً قوية من التفاعل العميق بينها. يعرض على »إيه آر تي الأفلام« الليلة الساعة 45,21 (بتوقيت بيروت).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة