يتجه نحو سوق العمل سنويا اكثر من 25 الف خريج من الجامعات والمعاهد العالية، من هذا العدد هناك اكثر من 20 ألفا يتخرجون من مؤسسات التعليم العالي في لبنان، والباقون يعودون اليه حاملين معهم شهادات من الدولة التي كانوا يتابعون فيها دراساتهم العليا. هذه الدول تتراوح بين فرنسا، بلجيكا، بريطانيا، الولايات المتحدة الاميركية، ناهيك بالدول التي نشأت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وايران والدول العربية ايضا. وسنويا يرتفع عدد الخريجين هؤلاء، وهو امر بديهي في ظل زيادة الطلب على التعليم العالي، واتجاه الاهل نحو دفع ابنائهم نحو الجامعات والمعاهد للحصول على شهادات تخصص. لكن السؤال المحير هو التالي: اين تذهب هذه الاعداد الكبرى التي تتسلم شهاداتها في حفلات تخرج كبرى، يدعى لها خطباءبارزون، عدا الاهل والاقارب والاصدقاء؟ من يتحمل مسؤولية هذه الاعداد المتضخمة باستمرار؟ من يعرف مصيرها في سوق العمل او اسواقه، سواء أكانت محلية او عربية او عالمية حتى، ما دام ان المدى الحيوي للبنانيين لا يتحدد في العشرة آلاف واربعمئة واثنين وخمسين كلم مربعا؟ وهل يتساوى الخريجون امام هذا المعطى الجديد الذي يكافحون من اجل بلوغه، وهو شهادة التخرج ام انهم غير متساوين البتة؟ من يبقى منهم في لبنان ومن يغادره؟ وهل هذا »التباهي« السائد بان لبنان دولة مصدرة للكفاءات له محله الفعلي، ام هو في حقيقته عبارة عن خسائر صافية لا تجد من ينبه الى مخاطرها؟ ودوما امام هذا الواقع تندفع عشرات الاسئلة ولا من مجيب. بل يمكن القول ان هذا الموضوع بما هو مصير زهرة الشباب اللبناني، لا تجد من يرعاها، او يتبنى مطالبها، او يطرح شؤونها وشجونها.. تزداد المعضلة في الظروف الراهنة، حيث البلاد برمتها على كف عفريت تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس. عشرات الالوف من الشبان المؤهلين، والذين انفقت عليهم بلادهم،عبر ذويهم او دولتهم الكثير، يقفون في طوابير امام ابواب السفارات، ينتظرونها ان تفتح لهم ابوابها، وان يحملوا التأشيرة التي تمكنهم من السفر او الهجرة المؤقتة او الدائمة، لا فرق. لكن الحصيلة هي هي اياها. قوة العمل اللبنانية والتي يراهن عليها في انهاضه معطلة عن التأثير في مجريات الامور. اكثر من ذلك هذه الاستثمارات الكبرى التي تدفع سنويا لا تقدم مردودات حقيقية لاصحابها اولا، ولذويهم ثانيا، ولبلادهم ثالثا. هنا يصبح التباهي بتصدير الادمغة اشبه ما يكون بنزيف مفتوح على الهلاك ليس الا. سوق التعليم هو غير سوق العمل. الاول له مؤسساته المعروفة في لبنان، رغم ان الكثير من المنشآت تنبت فجأة، وكأنها تنوجد من فراغ. لكن العدد المقنن هو اثنان واربعون جامعة ومعهد عال من بينها واحدة رسمية او حكومية هي الجامعة اللبنانية. الباقية تتوزع بين جامعات وكليات ومعاهد عالية، لكنها مصنفة كونها تعليما عالميا، باعتبار ان الدخول اليها يتطلب الحصول قبلا على شهادة الثانوية العامة. هذه المعاهد ومن ضمنها مؤسسات رسمية تتبع للتعليم المهني، لكنها شبه مستقلة بذاتها عن مديرية التعليم العالي، رغم ان الدخول اليها تم على اساس البكالوريا الفنية.. المهم ان هذا العدد المتزايد وسع من اطار هذا التعليم، ودخلت اليه اعداد جديدة. يمكن هنا ذكر بعض الاحصاءات حول اعداد الطلاب في هذا التخصص او ذاك، الذكور منهم والاناث، توزعهم بين القطاعين والى ما هنالك. لكن الأهم هو ما يتعلق بسوق العمل. الجامعات والمؤسسات تعتبر نفسها غير معنية الى هذا الحد او ذاك، اقصى ما يمكن ان تقدمه هو نوع من انواع الربط مع بعض المؤسسات من جهة، او من خريجي هذه الجامعة يحاولون عندما يجدون اماكن شاغرة فتح السبيل امام زملائهم في التخصص نفسه، او في تخصصات اخرى. في سوق العمل المشكلة اكثر حدة من ذي قبل، وتزداد وتتضاعف يوما بعد يوم، نظرا للعجز عن الاستيعاب داخليا في ظل تأزم كامل يشمل كل القطاعات، وجراء منافسة محتدمة عربيا، لا سيما في دول الخليج العربي، حيث هناك اسواق جذب لمؤهلين عرب وغير عرب، اضافة الى تراجع مستويات اجور الخريجين وارتفاع الاعباء الملازمة للاقامة (سكن خدمات وغيرها). بالطبع هناك مجالات تظل متاحة امام بعض الاعداد، لكن ماذا عن مصير الباقين، الذين يتعرّضون لبطالة بعضها سافر وبعضها الآخر مقنع. والحصيلة ان بعضهم يندفع الى العمل بما تيسر مما يقيه غائلة الجوع، فيما بعضهم الآخر يستمر عبئا على ذويه. بعض الخريجين يحل ازمة البطالة من خلال اكمال دراسته نحو الماستر او الدكتوراه، ظنا منه ان هذا هو السبيل الحقيقي نحو اختراق حاجز الفرصة المفقودة امامه، من خلال رفع وتيرة التأهيل. وهو امر مشكوك فيه على اي حال. مهندسون معماريون ومدنيون وميكانيكيون وكهرباء والكترونيات ومعلوماتية وزراعة وديكور وكمبيوتر وبرمجة ومساحة وطب عام وطب اسنان وصيدلة وتمريض وعلوم مخبرية وعلوم حيوان ونبات وكيمياء وفيزياء وجيولوجيا وحقوق وعلوم سياسية وبيولوجيا ورياضيات واحصاء واقتصاد وبنوك وتمويل ومحاسبة وادارة اعمال واعلان وتسويق وتوثيق وصحافة على انواعها وتاريخ وجغرافيا وآداب عربية وفرنسية وانكليزية وآثار وعلم نفس وموسيقى وتربية وادارة تربوية وتعليم و... اسماء اختصاصات بالعشرات ان لم نقل بالمئات، اختصاصات تكتب بخط جميل على الشهادة الى جانب اسم المتخرج صادرة عن هذه الجامعة او تلك، لكنها سرعان ما تصطدم بوقائع وموانع سوق العمل. اكثر من ذلك بات العام الجامعي الاخير للطلاب بعد مدة دراسة لثلاث او اربع سنوات، بل لما بعد الحصول على الشهادة ورمي قبعة التخرج في الهواء. تحدثنا عن اولئك الذين يقفون طوابير امام بوابات السفارات، لكن الاكثر من هؤلاء هم اولئك الذين يتزودون بدزينة من نسخ الشهادات وبطاقات التعريف و»يجوبون« بها على هذه المؤسسة او تلك، التي تطلب اليهم ترك طلباتهم وهي تتصل بهم. عرض مفتوح لا يتوقف في سوق العمل وطلب محدود، واجور وضمانات تتراجع باستمرار. لكن قبل الوصول الى ذلك لا بد من جولة ولو سريعة على عالم المتخرجين، احصائيا تمهيدا للدخول في تفاصيل اوضاعهم في الشقين الجامعي الاكاديمي والمهني التقني. وهنا يبدأ بيت القصيد. أعداد وإعداد تفيد النشرة الإحصائية للعام الدراسي 2003 2004 الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والانماء ان مجموع المتخرجين في العام 2003 هو 20318 خريجا، من بينهم 9378 شابا و10940 فتاة. اذن هناك متخرجات في لبنان اكثر من المتخرجين، وهذه قضية بذاتها لا تجد من يدرسها، خصوصا وان بعض التخصصات باتت محصورة في الاغلب بالإناث مع استثناءات لا تغير من القاعدة. المهم انه وبالعودة الى الاحصاء المذكور يتبين ان الجامعة اللبنانية خرجت العدد الاكبر من الطلاب، وبما مجموعه 8934 خريجا، وتليها جامعة بيروت العربية 2330، ثم جامعة القديس يوسف 2169، فالجامعة الاميركية 1323، جامعة الروح القدس الكسليك 992، اللبنانية الاميركية 1040، هايكازيان 82، سيدة اللويزة 701، معهد الدعوة الجامعي للدراسات الاسلامية 59، جامعة الحكمة 140، كلية الامام الاوزاعي الاسلامية 175، جامعة الشرق الاوسط 32، جامعة المقاصد 56، معهد التعليم العالي للعلاج الفيزيائي جونية 6، جامعة البلمند 525، كلية اللاهوت للشرق الادنى 17، جامعة بيروت الاسلامية (كلية الشريعة) 51، جامعة الجنان 62، معهد طرابلس الجامعي للدراسات الاسلامية 9، الجامعة الاسلامية في لبنان 204، المعهد العالي للاعمال 163، الجامعة الانطونية 110، مجمع الحريري الكندي الجامعي للعلوم والتكنولوجيا 63، المركز الجامعي للتكنولوجيا (دده الشمال) 110، المعهد الجامعي للتكنولوجيا Arcatech 57، المعهد الجامعي للتكنولوجيا والتربية (الكفاءات) 167، معهد اميركان يونيفرسيتي للتكنولوجيا 55، معهد الادارة والكومبيوتر 298، معهد سي ان اي اميركان يونيفرسيتي 192. هناك سوى ذلك من معاهد تقدم تخصصات في الادارة والعلوم التمريضية ومختبرات الاسنان. بالطبع يمكن الجزم ان السنوات اللاحقة قد شهدت ارتفاعا في أعداد الخريجين، خصوصا وان جامعات او معاهد جديدة بدأت باطلاق دفعاتها، مما يعني ان العدد قد ارتفع في غضون العامين المنصرمين، المهم ان هذه الاعداد من الطلاب قد حازت على اكثر من 154 اختصاصا، لا يصل تعداد التخصصات النظرية منها الى ثلاثين اختصاصا، حتى في حال احتساب الاختصاصات التعليمية (تعليم الفيزياء والكيمياء والرياضيات و..). اي ان السمة الاجمالية للتخصصات هي سمة علمية او تطبيقية، بينما يتبقى ثلثان فقط للتخصصات الادبية بما فيها التعليمية. لكن المفارقة ليست هنا، بل في مكان آخر. فمن خلال مراجعة الاختصاصات نجد اقبالا من جانب المؤسسات والطلاب على تخصصات رائجة في سوق العمل. حدث ذلك في مرحلة من المراحل للطب والحقوق والهندسة، وما زال الى الآن بالنسبة لعلوم الكومبيوتر والبرمجة والمعلوماتية وادارة الاعمال وسواها. فيما تراجعت قدرة الكثير من التخصصات على الاستقطاب. يعني ذلك في ما يعنيه ان التخصيصات الجاذبة بدورها وجراء الاندفاع نحوها، وعجز سوق العمل عن الاستيعاب، ستصبح في صميم الازمة بدورها مثلها مثل سواها. مثل هذا الامر يتعلق بالتخطيط المفقود، حتى ولو ضمن الحد الادنى، والاندفاع نحو الاستقطاب من جانب المؤسسة، حتى ولو قاد ذلك الى نسف عملية التوازن المطلوبة في البنية الاكاديمية، حيث تتوجب ان تقدم الجامعات دراسات متنوعة كالفلسفة والآداب بفروعها، اضافة الى الاختصاصات التطبيقية. لكن المشكلة لا تقف وراء هذا المظهر فقط، حيث تتطابق الاختصاصات في العديد من المؤسسات، اذ يتعدى ذلك الى طابع الإعداد الذي تقدمه الجامعات او المعاهد للطالب. وهنا لا بد من الاشارة الى ان المحتويات الكمية ما زالت هي الغالبة في غضون سنوات الدراسة، دون ان تصل الى النوعية. يشجع على ذلك انعدام اي شكل من اشكال الرقابة التي يجب ان تتولاها هيئات رسمية موثوقة ومؤتمنة على هذا الدور. الا ان هذا الامر على صحته، والذي يدفع الى التمييز بين شهادة وشهادة، لا يعفي من القول ان المعضلة التي يضغط بها سوق العمل تطال مجمل الخريجين، علما ان المرونة تبقى اكثر استجابة لدى خريجي المؤسسات النوعية عن سواها. وفي هذا المضمار لا تتدخل العوامل التعليمية فقط، بل ان العناصر الوازنة اجتماعية اقتصادية كما سيتبين لاحقا. في اعداد الطلاب في مؤسسات التعليم العالي نلحظ الرقم المتداول وهو اكثر من 130 الف طالب. هذا عدا اللبنانيين الذين يلتحقون بالتعليم العالي في الخارج، او في الامكنة حيث يقيم ذووهم بداعي العمل او الهجرة او خلافه.. والحصيلة اننا امام اعداد متضاعفة باستمرار، خصوصا في ظل التوجه نحو اعتماد الانظمة الجامعية الاميركية التي تحدد الدراسة بثلاث سنوات لنيل الاجازة والكفاءة باربع سنوات والماستر بعامين والدكتوراه بثلاث سنوات. وعالم طلاب الجامعات والمعاهد العالية متوسع باستمرار، بدليل ارتفاع عدد المؤسسات التي تتعاطى هذا النشاط. كما ان الارقام تؤكد ذلك، ففي العام الدراسي 20022001 كان عدد الخريجين هو 15686 (النشرة الاحصائية عن العام المذكور)، اما في العام الذي سبقه فقد كان العدد هو 14742 خريجا. هذا التوسع يبقى ضمن دائرة الازمة ولا يخرج عنها. وعليه يظل السؤال الجوهري الذي طرحناه في المقدمة مطروحا بإلحاح وهو: اين يذهب الخريجون سواء أكانوا حوالي 16 الفا او 15 الفا او 20 الفا او 25 الفا او اكثر؟ ما هو مصيرهم وما هي الاقدار الظالمة التي يتعرضون لها؟ دراسات وبطالة اللافت ان موارد لبنان البشرية هذه، لا تلقى اي عناية تذكر، وليس هناك من جهة رسمية مسؤولة عن معرفة مصيرها. اذ لا يوجد جهاز متخصص يتابع اوضاعها في عام او اثنين او عشرة، لمعرفة ما حل بها. أما الجامعات والمعاهد التي يتخرج منها هؤلاء فإنها تفتقد آثارهم متى لم يعودوا على سجلاتها. بعض الجامعات تحافظ على علاقة واهية في اطار جمعيات او روابط الخريجين، وهي روابط ضعيفة على اي حال، وتقتصر على المناسبات »الاجتماعية« وجمع التبرعات وتقديم الدروع وما الى ذلك. اما في اكثر المؤسسات فهي مفقودة اصلا، وبالتالي فإن الخريجين يتفرقون »ايدي سبأ« متى خرجوا من مقاعد الدراسة. يعترف مدير عام التعليم العالي د. احمد جمال بفقدان المرجعية الدائمة هذه، حتى ان ما يرد في الاحصاءات »العامة« يأتي في اطر رصد اوضاع الاسر او الاوضاع الاجتماعية او السكانية او ما شابه. لكن هذا على صحته لا يعني غيابا كليا عما يمكن الاستناد إليه في هذا الاطار، مع انه متناثر وقديم بعض الشيء. اذ ان المطلوب سنويا هو معرفة متغيرات لا تجد جهة او هيئة توليها العناية. فمثلا اثبتت الدراسة التي اعدها د. رياض طبارة حول العمالة والبطالة في لبنان والتي شملت عينة مؤلفة من 2500 شخص من القوى العاملة ان معدلات البطالة في الفئة العمرية بين 15 24 قد زادت مرة ونصف المرة بين الاعوام 1970 2000 حيث بلغت 3,21$. وعليه فقد قدرت الدراسة البطالة بين القوى العاملة ذات المستوى الجامعي ب4,25$ عام 2000، اي بزيادة اربعة اضعاف عما كانت عليه في العام 1970. ويشير طبارة الى ان هذه الارقام ما تزال دون المستوى الفعلي للبطالة في القوى العاملة ذات المستوى الثانوي والفني والتي تجاوزت ال49$. وقدرت الدراسة المذكورة المدة اللازمة لايجاد عمل للمرة الاولى ب16 شهراً كحد وسطي للعام 1997، بينما قدرته للشخص العاطل عن العمل الذي يملك خبرة سابقة ب14 شهراً. وتفيد دراسة أعدها د. نجيب عيسى حول »العلاقات بين التعليم العالي وسوق العمل في لبنان عام 2000« بطلب من المؤسسة الوطنية للاستخدام وبرنامج الامم المتحدة الانمائي ومنظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) وشملت 13 مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي و61 كلية او معهدا او قسما و100 مؤسسة عمل و16 نقابة، اظهرت هذه الدراسة انه رغم استجابة التعليم العالي لاسواق العمل المحلية والعربية لجهة الاختصاصات والمهارات فإن كمية العرض متفوقة، وان هناك ازمة في التكيف مع سوق العمل مزدوجة على صعيد الملاءمة مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، ويجزم عيسى ان تتبع القطاعات وفرص العمل في الدول العربية قد ساهم في استفحال ازمة الخريجين وبالتالي البطالة. واصدرت جامعة القديس يوسف في حزيران من العام 2002 نتائج تحقيق ميداني اجرته على عينة مؤلفة من 8243 أسرة من اصل 860 ألف اسرة في المجتمع الاصلي، اظهرت ان نسبة البطالة قد بلغت 9,11 بالمئة في الفئة العمرية 3425، وهي بمعدل 9,8$ للرجال و7,18$ للنساء، وان الفئة العمرية 3518 سنة تشكل 3,71$ من مجموع العاطلين عن العمل، نصفهم يبحث عن عمل للمرة الاولى، وان هناك 15$ من العاطلين عن العمل يحملون مستويات جامعية.. واللافت مثلا ان هؤلاء العاطلين عن العمل يعتمدون في بحثهم عن العمل بنسبة 8,91$ على العلاقات الاجتماعية والعائلية والباقون على الصحف وتقديم الطلبات والانترنت او المؤسسة الوطنية للاستخدام او يقصدون مؤسساتهم التعليمية لسؤالها. وبينت دراسة »التعليم العالي وسوق العمل في لبنان« التي اصدرتها في كتاب الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية في العام 2003 ونسقتها د. سوزان عبد الرضا ابو رجيلي. وهي دراسة تتبعية ل636 خريجا، وتناولت فرص العمل وشروطه وموضع المهنة الممارسة من الاستراتيجية الاجتماعية للخريجين ومقدار الرضا عن العمل وشروطه والرضا عن الاعداد الجامعي وملاءمته ونواقصه.. اثبتت ان فرص العمل بعد التخرج مباشرة في العام التالي كانت بمقدار 60$، ثم ارتفعت في العام الذي يليه الى 66$ فالى 3,75$ فالى 9,82$ فالى 86$، اما بعد خمس سنوات فوصلت النسبة الى 7,89$ وعليه كانت نسبة العاطلين عن العمل بعد خمس سنوات هي 3,10$ جميعهم من الاناث. وظهر ان 6,53$ عملوا خمس سنوات متتالية اي فور التخرج وطوال الفترة المدروسة بينما 2,8$ لم يعملوا قط، وبالتالي فإن البطالة تراوحت بين بطالة كلية 2,8$ وبطالة جزئية 2,38$. واظهرت الجداول ان اعلى نسبة عمالة خلال السنوات الخمس هي في الجامعة العربية، واعلى نسبة بطالة هي في خريجي الجامعة اللبنانية الاميركية 5,29$. لكن ادنى نسبة عمالة هي في الجامعة اليسوعية 5,47$. لذلك فإن المتوسط الحسابي للعمالة نجده بين خريجي الجامعة العربية ويتجه نزولا منها الى الجامعة الاميركية فاللبنانية فاليسوعية فاللبنانية الاميركية. ولدى التدقيق في التخصصات يتبين من الدراسة ان اعلى نسبة بطالة هي في ميدان الطب 4,17$ مع ادنى نسبة عمالة هي 7,45$، يليه ميدان العلوم الاجتماعية والحقوق 2,11$ بطالة مقابل 2,47$ عمالة. بالمقابل فإن أدنى نسبة بطالة واعلى نسبة عمالة نجدها في ميدان الهندسة (4,1$ مقابل 3,78$) يليه الآداب (7,1$ مقابل 3,59$). وهكذا تدرجت العمالة بحسب المتوسط الحسابي من الهندسة نزولا نحو الآداب فالتربية والفنون والاعلام، فالعلوم والمعلوماتية والعلوم الاجتماعية والحقوق والطب. ودون مزيد من التفاصيل هنا، يمكن القول ان العمالة او البطالة بأشكالها المتعددة تتأثر بعوامل متداخلة من بينها الاختصاص والجامعة والاصول الاجتماعية للأهل ومستواهم الدراسي والاجتماعي واجادة اللغات والكومبيوتر وغيرها. وعليه تظهر الجداول التي اعدت في هذه الدراسة ان فرص العمل منخفضة لخريجي الجامعة اللبنانية وللمتخصصين في الآداب، وان فرص العمل ترتفع في الجامعات المرموقة (الاميركية واللبنانية الاميركية). وتستخلص ابو رجيلي في دراستها ما يلي: لا توجد قاعدة واضحة وموثوقة لتوقع انخفاض وازدياد فرص العمل انطلاقا من جامعة معينة او ميدان معين، رغم المعطيات والملاحظات السابقة، والتي قد تتغير مع استقصاء آخر. بل يمكن القول ان لكل جامعة سوقها ولكل ميدان سوقه وان الفوارق يمكن ان نجدها في قيمة هذا العمل من الناحية المادية او من ناحية المنصب الذي يحتله المتخرج. سوق أم اسواق مشتتة يقال ان العولمة قد وحدت اسواق العمل في العالم، وساعد الانترنت وعالم الاتصال السريع على هذا الوضع. وبات بالامكان العمل من لبنان في كندا او اوستراليا. وان اللبنانيين طالما عاشوا على تصدير الكفاءات العالية واستيراد الايدي العاملة غير المؤهلة (سوريون مصريون بنغلاديشون فيليبيون سيرلانكيون وغيرهم)، وان فارق الاجور بين هذين المستويين هو ما يضمن استمرار »ازدهار« هذا الوطن. بالطبع يضاف الى ذلك الهجرة التاريخية من لبنان وقطاع الخدمات بفروعه المختلفة. ايضا نهض انتعاش الاقتصاد الوطني في الستينيات على الفورة النفطية في دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية والعراق، ووفد الى تلك الاقطار القريبة المئات من الخريجين في الهندسة والطب والآداب وغيرها للعمل، وحققوا اجوراً مرتفعة. لكن هذا المنحى تراجع الى حد ما منذ مطالع التسعينات تحت تأثير الازمات السياسية الكبرى، افتتاحا بحرب الخليج الاولى بين العراق وايران ثم بعاصفة الصحراء وصولا الى احتلال العراق اميركيا. بالتأكيد خرج العراق من المعادلة، وانشغلت المملكة العربية السعودية بحربها على »الارهاب« داخليا. وضاق المجال المتاح امام هذا اللبناني المؤهل للسفر والعمل، بالتأكيد ظلت هناك هوامش متاحة. لكن الاجور في قيمتها الفعلية تبدلت، او تراجعت بالاصح، ومعها كل ما هو ملازم للاجر من عطاءات كالسكن والسيارة وتذاكر السفر والضمانات الاجتماعية. وعليه فإن الافضليات التي كان يتمتع بها الخريج اللبناني قد تراجعت الى حد بعيد، تحت تأثير عوامل منافسة وافدة من دول عربية او غير عربية، فضلا عن التطور الذي شهدته هذه الدول في الثلاثين او الاربعين عاما المنصرمة، وبالتالي امتلاكها كادراتها الوطنية في العديد من الميادين وان كانت ما تزال بحاجة الى مزيد من الطاقات والكفاءات. لكن المشكلة ليست هنا فقط، بل بالسوق المحلي اساسا وبالاصل. فالمعروف ان سوق العمل اللبناني لم يعد سوقا موحداً، كما كان عليه قبل الحرب. اذ باتت تحكمه عوامل مختلفة عن تلك التي نهض عليها. احدثت الحرب ما يشبه الفرز السكاني ذي السمة الطائفية. وترك هذا الامر بصماته على حركة الرساميل والاشخاص ومستويات الاجور تباعا للكثافة السكانية في هذه المنطقة عن تلك وبالعكس. ودخلت هذه جميعا في الحسبان، اضافة الى عناصر اقتصادية واجتماعية تتعلق بالمنشأ الاصلي للاهل، والجامعة واللغات وغيرها. وهكذا باتت الطائفة معطى في موضوع العمل بعد التخرج. لا يعني ذلك اننا وصلنا تماما الى اسواق عمل محددة لكل طائفة من الطوائف، بل ان الهدف هو القول ان هذا الوضع، والذي تصاعد مع تواتر الحديث عن الفيدرالية بعد مصرع الرئيس رفيق الحريري، قد ترك بصماته على عالم العمل الى هذا الحد او ذاك. وفي هذا السياق يكثر الحديث بين المتخرجين وسواهم عن الانتماء الطائفي كعائق او مبرر للاستخدام. فقد باتت فروع واصول لشركات او مؤسسات ذات صفة طائفية صافية الى هذا الحد او ذاك، ومن البديهي ان ينسحب هذا الوضع على هوية العاملين. وهكذا تساوت مؤسسة العمل مع مؤسسة التعليم العالي الى هذا الحد او ذاك، علما ان هذه النتائج تغيب الى حد ما في الجامعة الاميركية واللبنانية الاميركية مع لحظ الفارق بين حرمي بيروت وجبيل والجامعة اليسوعية، لكنها واضحة للعيان في فروع الجامعة اللبنانية الاولى والثانية والخامسة خصوصا، واقل منها في الثالثة والرابعة... وهكذا. اذن يحمل الخريج الجامعي شهادته ويحاول الدخول الى مجال عمل في ظل معطيات غير ملائمة البتة لا على المستوى العربي ولا على الصعيد الداخلي. وامام هذه العقبات المتراكمة، عليه ان »يعرف« ما حصل عليه من معارف وعلوم، في اسواق اقل ما يقال فيها انها تعاني من فيض الازمات وكوابح النمو على كل صعيد ودرجة عالية من التشبع. مثل هذا الكلام لا يقفل البحث بل يفتحه على مصراعيه، باعتباره يثير قضايا جديدة بعضها يتناول مؤسسات التعليم العالي، وبعضها الآخر عالم المهن، وثالثها الدور الممكن لهذا الوطن الصغير بمن فيه وما فيه في عالم من المتغيرات، بالتأكيد هناك عوامل لا يمكن للبنانيين مجتمعين وفرادى التحكم بها، لكن هناك ما هو ممكن، وهو يتعلق بالجوانب الداخلية سواء أكانت تتعلق بعملية الإعداد الاكاديمي والمهني، او بأوضاعهم الداخلية.. والمؤسف ان كلا الامرين مفقودان الى هذا الحد او ذاك. علما ان هذا القول لا يعني جمودا كاملا عند خطوط محددة. اذ هناك الكثير من الايجابيات، لكنها ليست كافية بأي حال من الاحوال. ان الخريجين اللبنانيين الذين يدخلون الى عالم العمل مزودين بأعلى مستوى من الكفاءة والمهارة المطلوبين يفتقدون الفرص التي تتيح لهم مجالات حقيقية للعمل والتطور، خصوصا امام هذه الاجيال الشابة التي تستطيع من خلال نشاطها العملي والمهني تحقيق النقلة المطلوبة في حياتها الخاصة وحياة البلاد العامة.