إبراهيم نصر الله ليس من الأصوات الشعرية البارزة وحسب، بل من الأصوات الإبداعية التي خاضت في حقول أخرى بالإضافة إلى الشعر وحققت حضوراً لافتاً في الرواية، وأدب الأطفال، وكتابة الأغنية، وله أيضاً كتابات سينمائية...، واهتمامات فنية أخرى. لماذا هو سعيد لأنه لم يكتب أولاً بالفصحى، وهل القصيدة ضرة الرواية. حول ترجمة شعره، والدراسات التي أجريت حوله، ومفاصل أخرى في هذا الحوار الذي أجري معه على هامش مشاركته في المهرجان الشعري السابع والعشرين الذي تقيمه رابطة الخريجين الجامعيين في مدينة حمص السورية. ديواناك الأخيران يأخذان منحى الكتاب الشعري فهل هذا خيار دائم أم أنك ستعود إلى مجموعة القصائد؟ وهل ترى أنه من الضروري أن يقدّم الشاعر كتاباً شعرياً ليدلّل على نضج تجربته وتطورها؟ { مسألة الكتاب الشعري أو (العمل الشعري) مسألة ليست بعيدة عن تجربتي، بل من صميمها ومنذ البداية، وربما لم يتسنّ لك الإطلاع على ديواني (نعمان يستردّ لونه) الذي كُتب بين عامي 80 و82، وكان بعده (الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق) وفضيحة الثعلب، ثم كان كتاب الموت والموتى عام 96، والذي يتشكل من مئة قصيدة وقصيدة، ورغم أن العملين الأخيرين تجمعهما هذه الصفة، إلا أن هناك اختلافا واضحا بينهما، فالأول هو سيرة أمي التي عايشتها والتي تمتد إلى نصف قرن، في حين أن الثاني هو سيرة طفلة عمرها أربعة أشهر وقد كان هذا الديوان أكبر تحدٍّ لي خلال مسيرتي الشعرية بتقاطعها مع ما هو إنساني إلى هذا الحدّ وشفاف إلى هذا الحدّ ومتأمّل لأحوال الموت وفكرة العدالة إلى هذا الحد، وهو، ورغم كونه يشكّل سيرة متخيّلة لطفلة قُتلت وعمرها أربعة أشهر إلا أنه الأطول بين هذه الأعمال (180 صفحة)، وقد أدركت حين أنهيته أنه يشكل تحدّياً شعرياً لكل ما سأكتبه بعده. وهذا ما حصل، فلديّ الآن قصائد تكفي لنشر مجموعة كبيرة ولكنني لا أفكر بنشرها، رغم أن ديواناً كاملاً، وللمصادفة، سيظهر بالاسبانية في شهر سبتمبر القادم لم تنشر أي من قصائده بالعربية حتى الآن، كما ترجم للإيطالية والإنجليزية. أما إذا ما كان الكتاب الشعري دليلاً لا بدّ منه على شعرية الشاعر، أو لإثباتها، فليس ذلك أساسياً في ظني، ولكنني أفضل أن تكون هناك أعمال بارزة، رغم أنها قد تشكّل أحياناً جزءاً من ديوان أو الديوان كله، كما في أوراق العشب لوالت ويتمان أو أنشودة المطر للسياب أو (صور) لعباس بيضون أو (بيروت و أحمد الزعتر) لمحمود درويش. ولكن هذا الطموح يغدو قاتلاً في الحقيقة إذا لم يكن بالمستوى الحقيقي، وهو يشبه الرواية مقارنة بالمجموعة القصصية، ففي مجموعة قصصية قد يُحتمل وجود قصص متفاوتة أما في الرواية فإن وجود هذا التفاوت سيجعلها تنهار بأكملها. وإذا كان من إجابة أخيرة بالنسبة لي، فقاعدة الكتابة لديّ في هذا المجال تعني أن ليس هناك قاعدة، بمعنى أنني لا أسعى لعمل شعري متكامل باستمرار وإن كنت أتمنّى أن أعزز هذه التجربة مستقبلاً بعمل ملحمي. لا بطولة في الوحدة معك حق في إشارتك فأنا لم اطلع على ديوانك (نعمان... ) واستغرب كيف غفلت ذاكرتي عن كتابيك الآخرين، وإمعاناً في امتحانها هل ستحظى المرأة أو الأنثى بكتاب شعري قادم من إبداعك؟ { المرأة موجودة في ديوان (بسم الأم والابن) بصورة كاملة مع الأب لكن بصفة (زوجة وأم)، كما أنها تشكل نصف (نعمان يستردّ لونه) مع نعمان (الحبيبة)، وموجودة في عشرات القصائد المتفرقة التي كتبتها، ولا أظنها ستوجد بمفردها في عمل شعري، فلا بطولة في الوحدة، وموجودة أيضاً في روايتي أعراس آمنة وزيتون الشوارع من الملهاة الفلسطينية. وكما تعرف فإن آخر ما يخطط له الشاعر هو مستقبل أعماله القادمة، لأن القصائد تباغتك باستمرار، وهذا لا يعني أن تكون غافلاً، فهي أشبه ما تكون بالمفاجأة التي تهزّنا، إلى هذا الحد أو ذاك، بحجم انتظارنا لها. كان كتابك »بسم الأم والابن« بمثابة تحية لأمك، فهل لأجل ذلك تعتبره الأثير إلى قلبك من بين إبداعاتك، أم أن جميع كتبك في منزلة واحدة لديك؟ { كانت الإجابة التقليدية العربية على هذا السؤال دائما هي: كلهم أبنائي. لكنني دائما أقول: كلهم أنا. كل تجربة لها مذاقها ودواويني بمثابة سيرة روحية ممتدة، فيها تحولات هذه الروح ووعيها الجمالي والإنساني، وقُرْب (بسم الأم) ليس عائداً لأسباب عاطفية بحتة، بقدر ما هو عائد لدهشة اكتشاف الأب والأم ثانية، وقد رأيت أن معظم الشعر العربي تعامل مع الأم كوكالة خدمات عاطفية ومادية أيضاً، فهي التي تعطي الحب وتسهر الليالي وتحمل وتلد وطعامها ألذ طعام، و..، وكل ذلك فيه تسطيح كبير لا للأم وحدها بل للإنسان بصورة عامة، كما أن الأم في المفهوم السائد هي أمّ فقط وليست امرأة، وكذلك الأب فهو أب وليس رجلاً؛ ولذلك يبدو الديوان بالنسبة لي إعادة اكتشاف لأقرب البشر الذين كانوا مجهولين، ولعل صداه الإنساني الذي تركه بعد ذلك لدى كثير من القراء الذين استمعت لآرائهم فيه عزز هذا، كأن تقول لك فتاة: لو قرأت هذا الديوان قبل وفاة أبي وأمي لكانت علاقتي بهما أفضل بالتأكيد. وليس ثمة أجمل من أن يتحول الشعر هنا إلى سلوك روحي عميق. هل ثمّة تأثير لكتابتك الشعر أولاً بالمحكية على شعرك بالفصحى، ولماذا ليس لديك إصدار بالمحكية؟ { المحكية أقرب الكتابات للقلب، في ظني، وقد تعلّمت منها هذا، وأنا سعيد أنني لم أكتب قصيدة أولى بالفصحى، بمفهوم البداية، لأن هناك قصائد كثيرة جداً كانت هي الأولى، ولحسن الحظ كتبتها بالعامية، وحين أُعطي القلب كل هذا، فذلك لأنني أرى أن كل قصيدة تولد خارجه هي قصيدة ميتة وكل قصيدة لا تجد مكاناً لها بعد ولادتها فيه هي قصيدة ميتة أيضاً. ولعلي لم أنشر ديواناً بالمحكية؛ لأنني تواصلت معها في الثمانينات وبداية التسعينات عبر كتابتها كأغنية لفرقة (بلدنا) التي كانت أهم ظاهرة ثقافية فنية في الأردن على مدى عقد ونصف العقد. مذاق المتعة والحرية في أي الأجناس الإبداعية التي مارست كانت فسحة الحرية التي يحصل عليها المبدع أثناء الانتهاء من العمل الإبداعي وبعده، وما ينتج عن ذلك من متعة، أكبر، ولماذا؟ { المتعة متحققة في كل ما يجد الكاتب فيه روحه، وأحيانا يجد هذه الروح خارج الكتابة نفسها، ويجد الحرية خارجها أيضا، مثل كل أولئك البشر الذين لا يمارسون الكتابة. هناك مذاق خاص للمتعة والحرية في الرواية لا يمكن أن يكون موجودا في الشعر، والعكس. وهناك حرية مختلفة بين عمل وآخر، وأظن أنّ حريتي في حدودها القصوى عشتها كما لم أعشها من قبل في رواية جديدة ستصدر في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر خلال شهر وعنوانها (شرفة الهذيان) وهي رواية أولى من مشروع أتمنى إنجازه ويتكوّن من مجموعة روايات لكل منها استقلالها عن الأخرى عنوانه (الشرفات). هل تعتقد أن تجربتك الشعرية أسست ما هو جديد ولم يلتفت أو ينتبه إليه النقاد، حدثنا عن ذلك؟ { لا أظن أن شاعراً عربياً واحداً يمكن أن يقول إن النقد التفت إلى كل ما هو أساس في تجربته، فأنت تعرف أن حال نقد الشعر منذ عشرين عاماً لا يسرّ، وفي هذا الإطار لا أستطيع أن أقول سوى أنني جزء من هذه الحالة التي تضاء بين حين وآخر باقتراحات نقدية مهمة، تناولت بعض المحاور في تجربتي بعمق أحترمه كثيراً. وقد كان ذلك في بعض الكتب التي تناولت تجربتي مثل كتاب (شعرية طائر الضوء) للناقد العراقي الدكتور محمد صابر عبيد وبعض الدراسات المتفرقة في الكتب والمجلات والرسائل الجامعية. تُرجم شعرك إلى لغات أوروبية عدة، فماذا يعني هذا لك، خصوصاً في ظل غياب مؤسسات عربية تقوم بهذا العمل الثقافي؟ { كل ما يُنجز من ترجمات يتم كما تعرف خارج إطار المؤسسات الثقافية العربية الغائبة إلى حد محزن، والترجمة هي اختبار إنساني وجمالي لأي مشروع كتابي، ومن الجميل أن تلمس حضور وقوة القصيدة في أناس تلتقيهم للمرة الأولى لهم مشاغلهم المختلفة وحساسياتهم المختلفة، وأن تلمس أن حساسيتك الشعرية بما تحمله قد غدت جزءاً منهم. وبالمناسبة لا أبالغ حين أقول إن الأعمال الفنية والأدبية هي اليوم آخر الوجوه الجميلة التي يمكن أن نطلّ بها على العالم. اختلاف وحساسيات { لقد طرح هذا السؤال عليّ أكثر من مرة، إلى حدّ أنني بت أعتقد أنني انتقلت فعلاً من الشعر إلى الرواية، إلى أن انتبهت أن ذلك غير دقيق، فقد بدأت بكتابة روايتي الأولى براري الحمى عام 1978 أي قبل عامين من صدور ديواني الأول، وأعدت كتابتها ثانية بين عامي 81 و82، ولكنها لم تنشر إلا عام 1985، بعد صدور أربع مجموعات شعرية لي، وهكذا بدا الأمر وكأنني انتقلت من الشعر إلى الرواية، وبات تاريخ صدور الرواية هو المقياس في هذا الأمر. لكن الشيء الذي لا بدّ من قوله هنا هو أنني لم أكن أعتقد بأنني سأكتب رواية ثانية حين أنهيتها، ولربما لهذا السبب تأخّر صدورها. أما عن مدى الاختلاف بين رواية يكتبها شاعر ورواية يكتبها روائي فهذه مسألة واسعة، لا لشيء إلا لأن كل شاعر يكتب الرواية على طريقته، كما يكتب كل روائي الرواية على طريقته، لكن اختلاف الكتّاب عائد لحساسيات اللغة وطبيعة التجارب التي يكتبونها ومدى فنيتهم في التقاط جوهر الأحداث والشخصيات، وهذا كله مجال واسع للنقاد، لا لكتّاب الرواية، للخوض فيه. أذكر أنك استخدمت تقانة القناع في روايتك »طيور الحذر«، فما الذي دفعك إلى استخدامها وهي الشائعة في الشعر لتخفيف غنائية القصيدة؟ { الرواية عالم واسع وباستطاعته بيسر أن يستوعب الشعر، وأنا أرى أن الشعر جزء من الرواية، وليس العكس؛ لأن الشعر جزء من الحياة وليس الحياة كلها، فهو يعبر عن جوهر إشراقات هذه الحياة، في حين أن الرواية تتجاوز في حركتها هذه المساحة إلى مساحات أخرى. السخرية حاضرة ولا شك في روايتك »حارس المدينة الضائعة«، وارتكازاً إلى أن القصة هي الملعب الساحر للسخرية هل فكّرت في كتابتها، أم أنك ستقول لي ولما لا أبقى في حقل أصعب والكتابة فيه أندر؟ { ببساطة أرى أن كتابة الرواية تكمن في قدرة كاتبها على إيجاد مساحة تتآلف وتتوالف فيها حكايات كثيرة عرفها أو عاشها أو سمعها، وهو بذلك ذلك الشخص الذي يتقن ادخار الحكايات والمواقف والشخصيات والخروج في النهاية بشيء جديد مختلف عن كل ما ادّخره، فالرواية تقنياً هي تلك القدرة على التركيب، والوصول إلى معانٍ جديدة لا تتفق بالضرورة أو تكون وفية لعناصر تشكلها الأولى (الحكايات) وسواها. إنها بناء عالم موازٍ للعالم الذي نعيش، وبقدر ما يبدو أنه شبيه به فهو في الحقيقة غير ذلك. تجدّدت فنياً على الرغم من أن كل رواية في مشروعك الروائي »الملهاة الفلسطينية« تشكّل عملاً روائياً منفصلاً، لكن يخيّل لي وكأنك تسعى من خلال هذا الخيار الفني أن تكتب أطول عمل روائي؟ { حين فكّرت بكتابة رواية عن القضية الفلسطينية، وبدأت بجمع الوثائق والشهادات منذ عام 1985 كنت أفكر بكتابة رواية كبيرة واحدة عما حدث قبل النكبة، لكن الفكرة تطورت مع مرور السنوات، إذ بتّ أرى أن مشروعاً كهذا لا يمكن أن تحيط به رواية وحيدة؛ لأن الحكاية الفلسطينية أكثر غنى ورحابة من أن يدّعي أي روائي أو قارئ كسول أن هذه الرواية أو تلك قد عبرت عنها. ولأنني كنت أحس بأن زمن الثلاثيات والرباعيات لم يعد ملائماً، فقد وجدت أن كتابة عدة روايات ضمن هذا المشروع أمر أكثر منطقية، فنياً وإنسانياً، فعلى المستوى الفني، (وقد مرّ الآن عشرون عاماً على البداية) أتاح لي هذا الخيار أن أتجدد فنياً بين عمل وآخر، وألاّ أتكلّس داخل شكل فني وحيد، وعلى المستوى الإنساني والمنطقي أيضاً فإن الشعب الفلسطيني يعيش ظروفاً مختلفة في أماكن مختلفة بحيث يمكنني القول إن هناك شعوباً فلسطينية، وإن كان جوهر سؤالها واحدا وحلمها واحدا فيما يتعلق بفكرة الوطن، فالذين يعيشون في الضفة لديهم شروط مختلفة عن أولئك الذين يعيشون في غزة أو أولئك الذين لم يغادروا أرضهم عام 1948، وكل جزء من هؤلاء تختلف شروط حياته وطبيعتها عن أولئك الذين يعيشون في الأردن، سوريا، لبنان، العراق أو في المهجر. ولذلك فإن آخر ما يخطر ببالي أنني أكتب الرواية الأطول، لأنني في الحقيقة أكتب مجموعة روايات داخل مشروع روائي وباستطاعة أي قارئ أن يختار الرواية التي يريد أو الترتيب الذي يريد في القراءة، أما على مستوى الإعداد لهذا المشروع والزمن الذي استغرقه وما يحتاجه مستقبلاً من عمل، فقد بذلت أقصى ما لديّ من طاقة لإنجاز الروايات الخمس التي صدرت بعيداً عن المفهوم التقليدي للرواية التاريخية، إضافة للعمل الجديد الذي سيتناول روح الفترة الفلسطينية من الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى عام النكبة. في ضوء استخدامك وثائق سياسية وتاريخية في كتابة رواياتك، ما هي وجهة نظرك في استخدام الوثائق؟ { لي وجهة نظر بسيطة في مسألة الوثيقة والتاريخ في الرواية، فالتاريخ في الرواية أراه أشبه ما يكون بالسُّكَّر في كوب الشاي، تتذوقه فعلاً ولكنك لا تراه بصورة مباشرة. حظيت أكثر من رواية لك بأكثر من طبعة في حين لم يتحقق لك ذلك في مستوى الشعر، هل يمكن أن تقرأ في أسباب ذلك، وهل أنت مستاء لأنه لم يتحقق لدواوينك الشعرية، بما أنك شاعر في الأصل أصدر أربع مجموعات قبل روايته الأولى؟ { معلوماتك غير دقيقة بالنسبة لهذا الأمر، فهناك أعمال شعرية صدرت لي في خمس طبعات، وهناك في ثلاث طبعات وفي فترات قصيرة، ولم أحس في أي يوم من الأيام أن الرواية (ضرّة) القصيدة لديّ، لأن كل واحدة تلعب دور الأم للثانية، صحيح أن روايتي أفادت كثيرا من قصيدتي، لكن قصيدتي أفادت كثيراً من روايتي وهناك أعمال روائية كان من الصعب كتابتها لو لم أكن شاعراً مثل »براري الحُمّى« و»طيور الحذر« كما أن هناك أعمالاً شعرية كان من المستحيل أن أكتبها لو لم أكن روائياً مثل »بسم الأم والابن«، و»مرايا الملائكة«. هل تعيش هاجس الإبداع كل يوم وتحاول أن تستلهم من كل حركة أو مشهد أو حوار أو فكرة، ما يستحق الكتابة أم تعيش أياماً ودون تحديد مسبق بشعور شخص عادي لا يتقن شيئاً، وما أهمية ذلك بالنسبة لك؟ { خارج لحظة الكتابة أنت تعيش مثل أي إنسان طوّر ذائقته وقدرة عينيه على أن يرى أكثر، لكنك وأنت تفعل ذلك تعيش اللحظة كإنسان، وفي اللحظة التي تجلس لتكتبها فإنك تصبح كاتباً، لأنك في النهاية ليس مجرد صياد أفكار أو مواقف، لأنك بذلك تفسد الحياة بالكتابة، في حين أن هدف الكتابة أن تجعل الحياة أكثر إنسانية وأكثر حساسية، بمعنى أن نعيشها بصورة أعمق. ولذلك فإن الشعور الذي ينتابني باستمرار خارج لحظة الكتابة هو أنني لم أعد أستطيع الكتابة. ولذلك يعاني معظم الكتاب من رهبة السطر الأول، ويهربون طويلاً من الورقة البيضاء ويؤجّلون المشاريع شهراً بعد شهر وأحياناً عاماً بعد عام. ولذلك لا أتأكد من حقيقة كوني كاتباً إلا بعد أن أُنهي العمل الذي أكتبه، وبمجرد أن أنتهي منه يعاودني الإحساس بأن من الصعوبة أن أصبح كاتباً مرة أخرى. ما هي الأسئلة الإبداعية تواجه بها ذاتك بين حين وآخر؟ { ما دمت تعيش خيار الكتابة فإنك عرضة دون رحمة لفيض متجدد من الأسئلة، سواء أكانت هذه الأسئلة حول مشروعك الفني ككاتب وسط هذا البحر العظيم مما ينتج من إبداع في كل أنحاء العالم، أو الأسئلة المتعلقة بالجوهر الإنساني، ولذلك فبالقدر الذي تبدو فيه الكتابة من خارجها، ومن وجهة النظر المُبَسَّطة إجابة، إلا أنها في الحقيقة فن ابتكار أسئلة جديدة. لو لم تعدّ أية رسالة جامعية عن إبداعك هل كنت ستشعر بالإهمال، وهل أنصفتك تلك الرسائل نقدياً، أم أنك تنظر إليها من زاوية أخرى؟ { من المفاجئ أن أول رسالة جامعية قدّمت عن أعمالي كانت خارج الوطن العربي، فرنسا، ثم جاءت رسائل كثيرة أخرى في غير بلد أوروبي، وكانت إيطاليا هي الأكثر اهتماماً في هذا المجال، وهذا بالطبع أمر يسرّ، وكذلك الأمر بالنسبة للرسائل الجامعية في الوطن العربي، سواء رسائل الماجستير أو الدكتوراه، وبعض هذه الرسائل على درجة عالية من الأهمية. أما إن كنت سأشعر بالإهمال خارج هذا الاهتمام، فذلك لا بد أن يراود الكاتب؛ لأن فكرة العمل على دراسة نتاجه فكرة جميلة، لكنني أصارحك أن ما يسعدني أصلاً هو تلك العلاقة القائمة بين القارئ وكتاباتي، سواء الشعرية أو الروائية، وإعادة طباعة هذه الأعمال باستمرار أمر جميل وأعتز به. لست مغنّي أعراس سمعنا منك في مشاركتك في المهرجان الشعري الذي شاركت فيه مؤخراً في مدينة حمص قصائد قديمة وكنت قد قرأت قصائد أحدث منها في مشاركتك السابقة، ما هي أسبابك، وهل من الضروري أن يقرأ الشاعر في المهرجانات قصائد منجزة حديثاً؟ { أحبّ بين حين وآخر أن أختبر قصائدي بالزمن، فبعد ربع قرن من كتابة قصيدة ما، يحلو لي أحياناً أن أعود وأقرأها من جديد، لأن هذا يعلّمني الكثير عن الشعر وعن نفسي، عما كتبته وما يمكن أن أكتبه مستقبلاً. وهذه القراءات أقدّمها بين حين وآخر في العالم العربي وخارجه أيضاً، وقراءتك في مهرجان أي مهرجان، ليس لها سوى مبرر واحد أن تكون أنت أنت، بعيداً عن أي فكرة مسبقة عما (يريد) الجمهور أن يسمعه، وإلا فإنك في النهاية ستتحوّل إلى مغني أعراس.