منذ بدايات تشكل الدولة اللبنانية على أسس طائفية واضحة، طرحت قوى التغيير حلولا متفاوتة ترواحت بين »الطائفية الموقتة«، كما ورد في المادة 95 من دستور لبنان لعام 1926، و»التمثيل المتوازن للطوائف« على قاعدة الميثاق الوطني، و»الطائفية البناءة« على طريقة كمال الحاج، وغيرها. بالمقابل، تأسست بعض الأحزاب السياسية في دولة لبنان الكبير على أسس علمانية تتجاوز الولادة المأزومة للدولة الطائفية في لبنان. وقد تبنت تلك الأحزاب، وبشكل خاص الحزب الشيوعي، والحزب السوري القومي الإجتماعي، العلمانية كقاعدة ثابتة لإصلاح النظام السياسي، والجهاز الإداري، وترسيخ الوحدة الوطنية بين اللبنانيين. وقد أثبتت الممارسة العملية لهذين الحزبين أنهما بقيا وفيين لمبدأ العلمانية رغم الضمور الكبير الذي وصلا إليه في المرحلة الراهنة، وذلك لأسباب عدة لا تقدم الدليل على ان العلمانية كانت وراء الانهيار المريع لدورهما السياسي في المرحلة الراهنة بل لنقص فاضح في الممارسة الديموقراطية للمؤسسات القيادية. على العكس من ذلك، فالحل العلماني لمشكلات الدولة والمجتمع في لبنان يعطي الأحزاب العلمانية فرصة ذهبية كي تعيد نشاطها على أسس جديدة بعد القيام بمراجعة نقدية لممارساتها السابقة، إبان الحرب الأهلية وفي مرحلة الطائف. تجدر الإشارة إلى أن مقولات العلمانية، كما وردت في النصوص الأوروبية، أو كما طبقت في بلدان أخرى غير أوروبية ومنها اليابان ودول النمور الآسيوية وغيرها، تؤكد على أن نجاحها يعود، بالدرجة الأولى، إلى ربطها بمفاهيم أخرى كالديموقراطية، والعقلانية، والعلوم العصرية، والتكنولوجيا، ومبادئ التنوير، والحريات العامة والخاصة، والليبرالية، وحقوق الإنسان وغيرها. أما في لبنان، فقد استمر حوار ممل بين الطائفيين والعلمانيين من أجل »تعزيز العيش المشترك«، وتقريب وجهات النظر بين ممثلي التيارات الطائفية والعلمانية للوصول إلى تدابير عملية، وإصدار قوانين تبدل في بنية الدولة والمجتمع من الطائفية إلى المواطنة الصحيحة، واعتماد الكفاءة معيارا للترقي، ومحاربة الفساد، وبناء دولة قادرة على مواجهة تحديات عصر العولمة. ليس من شك في أن المسألة الطائفية قديمة جدا. وقد أفردتُ لها كتابا ضخما بعنوان » الجذور التاريخية للمسألة الطائفية في لبنان« أعيدت طباعته ثلاث مرات، وحللت فيه موقع الطائفية في المجتمع اللبناني، قبل وبعد قيام دولة لبنان الكبير. وأبرزت المراحل الثلاث للطائفية وهي: الطائفية المستقرة التي تشكلت عبر التاريخ وباتت سمة بارزة للمجتمع اللبناني، والطائفية المتفجرة التي شكلت إطارا عاما لنزاعات محلية كانت تبرز عبر مشاحنات زعماء الطوائف المسلحة على الدوام قبل أن تنفجر في ظروف إقليمية ودولية داعمة للتفجير، والطائفية المدمرة التي تجلت على شكل حروب أهلية متلاحقة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر. ومن أول الدروس المستفادة من الحوار بين الطائفيين والعلمانيين في لبنان أن عددا من المفكرين المتنورين فيه أظهروا حرصا شديدا على تنشيط حوار عقلاني وهادئ بين اللبنانيين يمنع الطائفية المستقرة من التحول إلى طائفية متفجرة تقود إلى حروب أهلية. وقد تبلورت الحلول المقترحة ضمن محورين أساسيين: الأول: يرى دعاته أن المجتمع اللبناني تشكل تاريخيا على أساس طائفي وسيبقى طائفيا إلى أجل غير منظور. لذا، فجل ما يستطيع عقلاء اللبنانيين فعله هو إبقاء الطائفية مستقرة. ومنهم من بالغ في التنظير لمقولة »الطائفية البناءة« التي تعطي صورة مشرقة للمجتمع الللبناني من خلال تعايش تسع عشرة طائفة تعيش على أرض واحدة. لكنها بحاجة إلى دولة عادلة تسوسها قوانين ديموقراطية، وتعمل على تحويل التنوع الطائفي إلى عنصر إغناء للثقافة اللبنانية. وتؤكد بعض الدراسات على أن نموذج الدولة المتعددة الطوائف والقوميات والثقافات قد يصبح النموذج الأرقى في منطقة الشرق الأوسط في ظل عولمة أزالت الحدود والحواجز بين الدول والشعوب. وبالتالي، في حال نجح لبنان في بناء دولة ديموقراطية عقلانية على أسس جديدة، فإن المسألة الطائفية قابلة للحل الجذري بعد تخليص الدولة من قبضة زعماء الطوائف، وذهنية الميليشيات. أي أن لبنان بحاجة إلى بناء دولة عصرية على أسس جديدة أبرزها المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، واعتماد الكفاءة والشفافية والمناقبية الخلقية في العمل السياسي والإداري، وتشجيع ثقافة المواطنة على حساب ثقافات الطوائف وليس العكس. الثاني: يرى دعاته أن الطائفية، باعتراف منظريها وواضعي الدستور اللبناني، شكلت معوقا أساسيا لقيام دولة لبنانية ديموقراطية عادلة وقابلة للحياة. فقد أشار إليها الدستور اللبناني في مادته الخامسة والتسعين على أنها مرحلة عابرة في تاريخ لبنان. وان إزالتها من النصوص والنفوس »ستكون ساعة مباركة في تاريخ لبنان«، على حد تعبير الرئيس رياض الصلح في أول بيان وزاري لحكومة الاستقلال. وتراوحت الحلول العملية للتخلص منها ما بين إلغائها بصورة فورية، أو بصورة تدريجية من النفوس قبل النصوص، أو باعتماد صيغ عقلانية ومرحلية تمنع تغلب طائفة على طوائف أخرى إلى أن تضعف الحاجة إليها، وغيرها. بقي أن نشير إلى أن النقاش العقيم حول العلمانية بصفتها مناهضة للدين قد تقلص بصورة واضحة بعد أن قدم العلمانيون أدلة قاطعة على أن الدولة العلمانية تحترم جميع الأديان، والمعتقدات، والحريات الخاصة والعامة. لكن سنوات الحرب الأهلية (19891975) وما أعقبها من اتفاق تم توقيعه في »الطائف« وقضى بوقف الحرب الأهلية ونزع سلاح الميليشيات وضم قسم منها إلى الدولة اللبنانية، أدخلت تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي في لبنان جعلته أكثر طائفية مما كان عليه في السابق. فقد تعززت ركائز الطائفية على مستوى السلطة وفي بعض مؤسسات المجتمع المدني. وتحولت الطائفية إلى نزعة مذهبية أحدثت شللا عاما في جميع مرافق الدولة اللبنانية. ونُشرت دراسات علمية موثقة تظهر محاصصة طائفية ومذهبية عبر تقاسم النفوذ بين ترويكا الحكم الممثلة بزعماء الطوائف الثلاث الكبرى، أي الموارنة والسنة والشيعة، مع إعطاء حصص جانبية لبعض الطوائف الأخرى في إطار محاصصة غير عادلة بين زعماء الطوائف في لبنان. وتزامنت النزعة الطوائفية مع بروز هيمنة ميليشياوية على أجهزة الدولة اللبنانية بحيث أفشلت جميع مشاريع الإصلاح الإداري في أي من مؤسساتها الكبرى. وبعد تعميم »ثقافة الفساد«، على حد توصيف الرئيس سليم الحص، بات من الضروري اختبار مدى صلاحية المقولات التي تضمنها البيان الوزاري لحكومة الرئيس السنيورة، ومقاربتها العملية لموجبات الإصلاح المرتقب في لبنان وآفاق نجاحه في المرحلة الراهنة. ليس من شك في أن بعض الأحزاب والقوى والشخصيات الثقافية في لبنان تبنت حلولا علمانية وحملت لواءها لعقود طويلة. إلا أنها فشلت في تشكيل جبهة علمانية قوية توقف زحف الطائفية وتحولها إلى مذهبيات تهدد مستقبل لبنان، وتذكر بنهاية ملوك الطوائف في الأندلس. فحلّت مصالح زعماء الطوائف مكان المصلحة العامة في لبنان، بعد أن تجاهلوا مشكلة بناء دولة ديموقراطية عادلة تشكل ضمان بقاء المجتمع اللبناني حرا وموحدا، على اختلاف فئاته وطوائفه. مع ذلك، دخل العلمانيون في جدال مثمر حول العيش المشترك، والتعايش بين الطوائف، وتقريب وجهات النظر بين رجال الدين من مختلف الطوائف. وعقدت لقاءات دورية مفيدة جدا للحوار الإسلامي المسيحي ساهمت في تنفيس الاحتقان ومنع تحول الطائفية المستقرة إلى طائفية متفجرة. وليس بالإمكان التنكر لما قدمته تلك اللقاءات من إيجابيات ساهمت في تخفيف لهجة الخطاب الطائفي من دون أن تؤثر في مضمونه، أو الحد من تأثيراته السلبية على المستوى الوطني. لكن أخطر ما يمر به لبنان اليوم أن الأحزاب العلمانية تعيش حالة تفكك داخلي أفقدها القدرة على توحيد اللبنانيين، وأظهر عجزها عن استقطاب القوى العلمانية الشابة التي تشكل طليعة التغيير الحقيقي والجذري في المجتمع اللبناني. وهناك إرباك واضح في تحديد مضمون المفاهيم التي تحفل بها دراسات بعض منظري الأحزاب العلمانية والطائفية على حد سواء. فالجميع يستعجل النتائج الإيجابية للتعاون والحوار بين مختلف فئات المجتمع اللبناني دون العمل الدؤوب لإقامة ركائز الحوار على أسس نظرية متينة ترتقي به تدريجيا من الطائفية المستقرة إلى رحاب الوطنية الجامعة. وذلك يتطلب برنامجا طويل الأمد يفضي بالحوار العقلاني الدائم إلى قيام دولة ديموقراطية عصرية تحترم شرعة حقوق الإنسان وتتلاءم مع طبيعة عصر العولمة. بقي أن نشير إلى أن تكرار بيانات التأييد للعلمانية لا تبني مجتمعا علمانيا في مجتمع عجزت فيه الدولة عن حماية نفسها، وعن اكتساب شرعيتها في نظر مواطنيها أولا. على العكس من ذلك، وصفها المفكر الحقوقي الكبير إدمون رباط بأنها »تجبر المواطن اللبناني على أن يولد، ويعيش، ويتزوج، ويموت طائفيا«، علما بأن مقولات ميشال شيحا عن التعايش أو العيش المشترك أو »الطوائف المتعايشة على أرض واحدة«، ما زالت أكثر صدقية من الذين نسجوا على منواله. كما أن مقولات إدمون رباط عن العلمانية، والديموقراطية، وعلاقات حسن الجوار بين لبنان وسوريا، ودور لبنان في محيطه العربي، لا تزال تحمل شحنة نظرية صادقة لما تضمّنته من ثقافة عربية وغربية موسوعية، في حين أن معظم منظري التعايش، والعيش المشترك، والحوار بين الطوائف في المرحلة الراهنة، يفتقرون إلى الدقة، وإلى الثقافة الشمولية التي كانت لدى رباط وشيحا، وبشكل خاص الاستفادة من المصادر الأوروبية الأصيلة لفهم الأسباب الموجبة التي تجعل من العلمانية حلا عقلانيا لمشكلات مجتمع متعدد الطوائف كالمجتمع اللبناني. أخيرا، ليس صحيحا القول بأن الحل العلماني هو الفانونس السحري الذي يضيء ظلمات المجتمع اللبناني وينقذه من الضلال الطائفي المستشري والمقيم. فالعلمانية صيغة حضارية مرنة لإنقاذ تركيبة سكانية معقدة. وهي من أفضل الحلول المقترحة لإخراج لبنان تدريجيا من دائرة الطوائف المتصارعة إلى دائرة الوطن الموحد. إلا أن هذا الحل لا يستقيم إلا بالارتباط الوثيق مع تطبيق الديموقراطية السليمة على المستوى السياسي. فإصلاح قانون الانتخاب، والتمثيل الصحيح، ووضع ضوابط للغرائز الطائفية، ومنع أحزابها من تهديد الوحدة الوطنية، ومراقبة المؤسسات الطائفية العاملة ضمن المجتمع المدني في لبنان، وغيرها، تشكل خطوات أساسية لإنجاح الحل العلماني. كما أن نجاحه رهن باعتماد ليبرالية مراقبة على المستوى الاقتصادي وليس إطلاق العنان للمبادرة الفردية المنفلتة من كل القيود والتي تقود إلى تضخم أرباح بعض الأفراد والبنوك والمؤسسات المالية والتجارية على حساب المصلحة العليا للمجتمع اللبناني. ختاما، دلت تجارب علمانية ناجحة على أن الحل العلماني رهن بالممارسة الديموقراطية السليمة وبتنفيذ مبدأ المساواة التامة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بين اللبنانيين على المستوى الإداري، وتحرير القضاء من تدخل السياسيين، وإعطاء صلاحيات كاملة لأجهزة الرقابة. فالإدارة مرآة الشعوب، وهي العمود الفقري لنجاح الحلول العلمانية والعقلانية. لكنها بحاجة ماسة إلى محاربة الفساد، وتحويل الإدارة إلى وسيلة ناجعة لخدمة المجتمع اللبناني وليس أداة قمع للبنانيين ونهب أموالهم. ويحتاج الحل العلماني كذلك إلى إصلاح نظام التعليم على مختلف الصعد مع إعطاء أولوية لإصلاح الجامعة اللبنانية من حيث هي الحاضن لأكثر من نصف طلاب لبنان، من مختلف الطوائف والمناطق والفئات الاجتماعية. (*) مؤرخ وأستاذ جامعي