Sam Harris The End of Faith: Religion, Terror and the Future of Reason (نهاية الايمان: الدين، الإرهاب ومستقبل العقل) 533 Pages - 4002 يشكل الإرهاب إحدى سمات عصرنا الراهن. يسود سجال عالمي حول تصنيف الأعمال الإرهابية والأسباب المؤدية اليها. هناك من يراها أعمالاً مشروعة لإزالة ظلم او تحرير أرض، فيما يراها آخرون إرهابا عبثيا. كما تتفاوت التفسيرات حول الأسباب، يعتبر البعض ان العوامل الاقتصادية والاجتماعية والفقر والتحلّق سبب اساسي، فيما يجنح كثيرون الى ربط هذا الإرهاب بطبيعة الايديولوجيات والافكار السياسية التي تتوسل العنف وسيلة رئيسية لتحقيق أهدافها. بعد الحادي عشر من أيلول 2001، جرى تسليط الضوء على الدين والايمان الديني كمصدر رئيسي للإرهاب والعنف. صدرت دراسات متعددة حول هذا الموضوع، منها ما ركّز على الإسلام فقط، فيما حاول آخرون ان يقرأوا العنف كأحد المكوّنات التي تطبع جميع الأديان. من هذه الدراسات كتاب »سام هاريس«: نهاية الايمان: الدين، الإرهاب ومستقبل العقل. يهجس هاريس بفكرة مركزية ترى ان ما نؤمن به وكيف نفهم ايماننا ونترجمه في الحياة هو المحدد لممارستنا، ومنها السلوك الإرهابي. والمقصود هنا هو الإيمان الديني بشكل أساسي، مما يعني أن الكاتب يرى في الدين مصدر الإرهاب الأول. يعطي التاريخ الماضي والقريب شواهد متعددة على ان الكثير من الحروب والمذابح بين الأمم وداخلها تجد جذورها في الدين. تحوي الكتب المقدسة (الانجيل والتوراة والقرآن) كلاما متعددا حول هذا الموضوع ومنها إشارات مناهضة للرحمة، بل داعية الى العنف، وهو أمر يشكل مرجعية أساسية لمنفذي الأعمال الإرهابية. إن الدين حالياً يشكل مصدر عنف في عدد من مناطق العالم، (البلقان، ايرلندا الشمالية، السودان، فلسطين، العراق، نيجيريا، الهند..)، حيث تحوّل الدين الى ايديولوجيا سياسية تحمل داخلها طاقات هائلة في تجييش ملايين الناس. أحد جذور الإرهاب الديني يكمن في الطريقة التي تقدم الأديان فيها نفسها. تكاد جميعها تجزم في ان كتبها ونصوصها المقدسة مكتوبة من قبل الله، مما يضع سلفاً نوعاً من الحَجْر على نقدها او معارضتها، كما تجعل كل مخالف لها عرضة للاضطهاد. يترافق ذلك مع خصوصية تميّز كل دين عن سائر الأديان. فاليهود، صنّفهم التوراة بأنهم »شعب الله المختار« ووصايا النبي موسى أنزلها الله عليه، وهو تصنيف يضع سائر الأديان ومعتنقيها في مرتبة أدنى. في المسيحية، المسيح هو الله، متجسداً، وأن المسيحيين هم »ملح الأرض«. إن إسباغ صفة الألوهية على المسيح تحسم في تفوّق وتميّز هذه الديانة. اما الإسلام، فالخصوصية فيه أكثر وضوحاً. فالقرآن كتاب الله القائل »إن الدين عند الله الإسلام« والذي يصف المسلمين: »كنتم خير أمة أُخرجت للناس..«. ألوهية النص مما لا شك فيه أن الإيمان الراسخ بهذه الخصوصيات من معتنقي كل دين، إضافة الى تحوّل هذه الخصوصية الى عقيدة سياسية ملزمة، كان وراء اندفاع الكثير من المؤمنين في الحروب الطوائفية بين بعضهم البعض او مع الطوائف الأخرى. في هذا السياق تقرأ الحروب الدينية بين الطوائف المسيحية (بروتستانت وكاثوليك...)، والصراعات بين السنة والشيعة في الإسلام، والحروب الصليبية وحروب الفتح الإسلامي، وحروب الحركة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية. ان الإصرار على ألوهية النص الديني راهناً تتعارض مع الكثير من التطورات العلمية التي فسرت ونقضت العديد من المفاهيم والمعتقدات الواردة في الكتب المقدسة. إلا ان ما تحويه هذه الكتب من دعوة الى العنف لا يقلل أبداً من النصوص الغالبة فيها المتسمة بقيم روحية عالية ودعوات إلى الحب والخير والتسامح. مما يُوجب قراءة هذه الكتب بوصفها نصوصاً ظهرت في لحظة معينة من التاريخ، وفي بيئة اجتماعية محدّدة، وأجابت على مشكلات ذلك الزمن. إن القراءة التاريخية للنص الديني والشروط التي ظهر بها تسمح بفرز نصوص لم تَعُد متلائمة مع الظروف الراهنة عن نصوص تتّسم، بحق، بديمومة وصلاحية لكل زمان ومكان. في هذا السياق يطرح تساؤل حول كيف ينظر المؤمن الى نفسه، وكيف يتحكّم الإيمان الديني أحياناً كثيرة بالحياة السياسية وبنظرة المؤمن نفسه الى الآخرين؟ بالتأكيد يساعد الإيمان، دينياً كان أم غير ديني، على مواجهة الإنسان للصعوبات الكثيرة في حياته، كما أثبت العلم صحة نتائجه الحسية على الجسم في حالات المرض او مواجهة الموت. إلا أن المشكلة تكمن في الإيمان الديني الأحادي الجانب القائم على معتقدات يسندها نص غير قابل للاجتهاد، فيتحكّم في نظرة المؤمن الى العالم والآخرين، ويملي عليه سلوكاً معيناً. وفي هذا السياق أيضاً تقرأ الدوافع التي تجعل المؤمن يقدم على تنفيذ عملية انتحارية. إن ما يقوم به المؤمنون سواء في صيغة إرهاب عبثي كما هو بالنسبة الى تنظيم القاعدة والمنظمات المشابهة لها، او ما يقوم به مقاتلون تحت عنوان القتال للخلاص من الاحتلال (فلسطين، العراق..)، ان ما يفعله هؤلاء يبدو منطقيا لهم ومتوافقا مع ما يؤمنون به. إن »الجهاد« ينص عليه القرآن، وإن معبر المجاهد هو الجنة التي تحقق للمؤمن ما لا يمكن تحقيقه في الحياة الدنيا. هكذا، عندما نؤمن ان مبادئنا الدينية او الروحانية او الأخلاقية تقول لنا كل شيء عن الوجود وتُعطينا أجوبة مباشرة على كل مسألة، فإننا نصبح مُجبرين على الاعتراف بصحة وفائدة هذه المبادئ وقدرتها العملية في إرشاد ممارستنا وسلوكنا. قراءة عقلانية تبقى الإجابة عن السؤال المقلق: هل يمكن تجاوز او تفادي الإرهاب؟ وما الشروط لتحقيق ذلك؟ ليس هناك من جواب بديهي او مبسّط. فالأمر يتصل بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، كما يتصل بالروحانية وبعض مظاهر التعصب. من المؤكد ان الإنسان لا يستطيع ان يعيش بالعقل فقط؛ لأن المشاكل التي يواجهها وعلى الأخص المرض والموت إضافة الى عالم المجهولات اللامتناهي، تضع هذا الإنسان رغماً عنه أمام سؤال الروحانية وسؤال الله. هذه الحقيقة تفرض البحث عن الشروط التي توفق بين العقلانية والروحانية. ليس المدخل الصحيح دعوة الى رفض الدين او الابتعاد عن الإيمان، فالدين لم ينته كتساؤل وقلق ميتافيزيقي او وجودي او تجربة روحانية وأخلاقية وبحث عن اللامرئي في التاريخ والحياة البشرية، بل إن المدخل الصحيح يبدأ من إعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية. إن التأويل العقلاني وفهم النص في سياقه التاريخي والظروف التي نشأ فيها قد يؤدي إلى أفق أكثر رحابة في فهم الأديان وإزالة ما هو زائف ووهمي منها منعاً لوقوع العالم في البربرية وظلامية الماضي. إنها دعوة إلى إيمان حر متفلّت من قيود الإيمان الأصولي الساعي الى سيادة منطقه والمؤدي الى نشر الأحقاد بين البشر تحت اسم »المشروعية الإلهية«، والمتجسد حالياً في الأصولية المسيحية المتحكمة بالسياسة الأميركية وبالحركة الصهيونية التي تضطهد الشعب الفلسطيني وبالأصولية الإسلامية ذات الاتجاه السياسي العدمي القائم على العنف والإرهاب. ستظل المسألة الرئيسية تتمحور حول كيفية استعادة الدين بوصفه قيماً روحانية وأخلاقية، وكيف نفصل بين هذه القيم المتجاوزة للزمان والمكان وبين الطقوس والشعائر التي تحوّلت أيديولوجيات تفرز التعصب والحقد، بما يتناقض مع جوهر الدعوة الدينية؟ كما تتصل هذه المسألة أيضا بالوجهة والامكانية التي تجعل الإيمان عاملاً مساعداً في استخراج المكنون الجيد من أعماق الانسان من أجل ان يسير في رحاب الحضارة والمدنية ويبتعد عن الهمجية والتعصب. في هذا المجال، تشكل ولادة مجتمعات مدنية وتطورها واحتلالها موقعاً أساسياً في المجتمع، تشكل أحد العناصر الضرورية للوصول الى مثل هذا الهدف. إننا أمام تحدّي الوصول الى اعتناق وتحقق إيمان قائم على الحرية، ملتزم بالنزعة الإنسانية والحضارية، مستظل بالعقلانية في فهم النص وقراءته ووضعه موضع التجربة.