As Safir Logo
المصدر:

شيلر الألماني، شيلر العربي في ذكرى وفاته المئتين حاضر إلاّ حيث يجب أن يكون

المؤلف: جريس سمير التاريخ: 2005-08-05 رقم العدد:10162

لمناسبة مرور 200 عام على وفاة فريدريش شيلر تحتفل ألمانيا طوال هذا العام بالشاعر والمسرحي الكبير، الذي يمثل إلى جانب يوهان فولفغانغ فون غوته القطبَ الآخر للأدب الكلاسيكي الألماني. وإذا كان غوته هو أمير الشعراء وشاعر الأمراء الألمان، فإن شيلر هو الشاعر الفقير الثائر على البلاط والأمراء. ورغم تباين ظروف حياة الشاعرين تباينا كبيرا، وكذلك حظهما من الشهرة والمجد اللذين حظي بهما المقرب من الأمراء ونعِمَ بهما، بينما عاش الآخر معدما، ومات مريضا بالسل الرئوي ولما يتجاوز السادسة والأربعين رغم ذلك فإن صداقة عميقة فريدة في الأدب الألماني كله ربطت بينهما إنسانيا وأدبيا. ولكن ماذا يتبقى من شيلر الآن؟ هل ما زالت مسرحياته صالحة لتقديمها على خشبة المسرح؟ وهل تتمتع أعماله بالراهنية في العالم العربي؟ لعل اسم شيلر ما زال يرتبط في أذهان الألمان بباكورة أعماله المسرحيته »قُطّاع الطرق« (أو »اللصوص«). كانت هذه المسرحية هي الترجمة الأدبية لمشاعر شيلر الكارهة للطغيان، وعندما عرضت أول مرة في مدينة مانهايم عام 1781، لاقت نجاحا جماهيريا فائقا. ولما علم الدوق الذي يعمل شيلر في جيشه أن الطبيب يؤلف المسرحيات، وأنه سافر لحضور عرض الافتتاح بدون إذنه، أصدر أوامره باعتقاله ومنعه من كتابة تلك »التفاهات«. كان هذا الحادث بمثابة الزيت الذي أُلقي على نار شيلر الثائر، فهرب من خدمة الدوق، ورحل من شتوتغارت إلى مانهايم حيث عاش متخفيا مطاردا وفقيرا، ولكن دون أن تخبو داخله جذوة التمرد والإبداع. تدور »قطاع الطرق« حول المكائد والمؤامرات التي حاكها فرانتس الحقود والتي أدت إلى خلاف مع شقيقه كارل ووالدهما العجوز مور حول الميراث. يقع كارل في شباك اليأس، ويشعر بالظلم حيال المؤمرات التي يحوكها أخوه له والتي نجحت في إقناع الأب بأن يحرم كارل من الميراث، فيقرر الأخير أن يتزعم عصابة من قطاع الطرق ليقيم ميزان العدل المختل، لكنه يكتشف في النهاية أن مجرد القضاء على النظام السائد لا يخلق نظاما بديلا، وأن المجتمع لن يصلح باستبدال الفوضى بالقانون. النبرة الثورية غير المألوفة آنذاك في المسرحية جلبت لها نجاحا أسطوريا، وما زالت حتى اليوم من أكثر مسرحياته تمثيلاً. كما شهدت المسرحية إقبالا كبيرا في أعوام الستينيات، إبان الحركة الطلابية في ألمانيا، حيث وجد فيها الشباب تعبيرا عن رغبتهم في التمرد على جيل الآباء وقلب نظام المجتمع الجامد في رأيهم. آنذاك ردد الطلبة بعض عبارات كارل، مثل: »إن القانون لم يلد يوما رجلا عظيما، لكن الحرية هي التي تنجب العظماء والنوابغ«. كانت اللصوصية بمفهوم كارل هي البحث عن مكان مُتخَيل على هامش المجتمع الفاسد. ولكن هل »روبين هود« هو الحل؟ وهل ينجح كارل في إصلاح المجتمع عبر تكوين عصابة من قطاع الطرق؟ لا شك في أن شيلر يصور قطاع الطرق تصويرا رومانسيا حالما، لا علاقة له بالواقع الذي كان يعيشه المجتمع في القرن الثامن عشر حيث كان قطاع الطرق وباءً يشيع الفوضى ويعيث فسادا بين الناس. لم يكن ذلك غائبا عن شيلر، ولذلك يفشل كارل في نهاية المسرحية، ويسلم نفسه للسلطات التي اشتكى من فسادها. لم يسكر شيلر ولم ينتش من نجاح مسرحيته جماهيرياً، وهنا تتجلى قدرته على نقد الذات بصراحة أدهشت معاصريه من القراء والأدباء. فبعد أسابيع قليلة من العرض الأول ل»قطاع الطرق« نشر شيلر نقدا لمسرحيته، في حين كان معاصروه يغرقونه بالمديح والثناء. انتقد شيلر شخصيات مسرحيته، لأنها كانت تعبيراً عن أفكار فلسفية أكثر منها تجسيداً لأشخاص من لحم ودم، ولذلك لا يفهم المشاهد دوافع فرانتس الغيور الشرير، كما لا يقتنع بتحول كارل إلى مجرم. ظهرت مسرحية »دسيسة وحب« بعد عامين من مسرحية »قطاع الطرق«، وقد استلهمها الشاعر من خبرات شبابه مواصلا فيها صب جام غضبه على النظام القطاعي. وتدور المسرحية حول حب تملأ العقباتُ الطبَقية طريقَه، بين لويزه، الفتاة ذات الستة عشر ربيعا، والأصول المتواضعة، التي تقع في حب فريدناند الشاب الارستقراطي والضابط. كان كل من فريدناند ولويزه سجينا لطبقته، لذلك كان من المستحيل أن تنتهي علاقتهما بالزواج. وقد هاجم شيلر في مسرحيته كلاً من الطبقة الاقطاعية الحاكمة، والطبقة البورجوازية، الأولى لظلمها وفسادها، والثانية لضيق أفقها وتحجرها. وقد أصابت »دسيسة وحب« نجاحا كبيرا، واعتُبرت قمة رائدة في الكتابة الثورية لم يصل إليها المسرح البورجوازي من قبل. وجدير بالذكر أن السينما اهتمت بهذه المسرحية وتناولت موضوعها في خمس معالجات مختلفة. كما ترجمت الى الانكليزية والفرنسية، مما ساهم في شهرتها خارج حدود ألمانيا. ولا شك في أن قرار منع عرض المسرحية الذي أصدره دوق فورتمبرغ كان له نصيب في نجاحها وانتشارها. وتظل فكرة الحرية والثورة من الأفكار الملحاحة على شيلر، فيعود إليها في مسرحية »دون كارلوس« التاريخية، و»ماريا ستيوارت«، و»ثلاثية فالنشتاين« التي تتناول حرب الثلاثين عاما الدينية في ألمانيا، ومسرحيته الشهيرة »فيلهلم تل« (الشائعة في العالم العربي باسم: »وليم تل«) التي تعتبر أهم أعماله المسرحية وتمثل ذروة المسرح الكلاسيكي، وفيها يظهر الشعب لأول مرة على خشبة المسرح الألماني كبطل جماعي يناهض الاحتلال والطغيان. تطرح »فيلهلم تل« سؤالا عن إمكانية حصول الفرد على حريته وحده بدون معونة من الجماعة. فيلهلم تل يجد نفسه مجبرا على قتل الطاغية، ويصبح رغم أنفه بطلا في عيون شعبه ومحررا لهم. ولا عجب إذن أن يمنع أدولف هتلر تمثيل هذه المسرحية في سنواته الأخيرة، ويُقال إن هذه المسرحية أثرت في عديدين حاولوا الاقتداء بفيلهلم تل وقتل الديكتاتور الألماني. شيلر اليوم في ألمانيا لكن المفارقة كبيرة ودالة: في ذكرى مرور 200 عام على وفاة شيلر شهد سوق الكتاب الألماني طوفانا من الإصدارات لشيلر وعنه: فأعيد طبع أعماله الشعرية والمسرحية والنظرية، وصدرت أكثر من سيرة جديدة عن الشاعر والمؤلف المسرحي، من أبرزها السيرة الضخمة التي كتبها رودغر زافرانسكي في أكثر من خمسمئة صفحة بعنوان: »شيلر أو اختراع المثالية الألمانية«. كما تناولت كتب كثيرة كل كبيرة وصغيرة في حياة شيلر، ويكفي أن نتصفح بعض العناوين: »شيلر وناشروه«، »شيلر وشقيقتاه«، »على طريق شيلر«، »شيلر للأطفال«... إلخ. أيضا تنظم احتفالات عديدة في ألمانيا بمناسبة ذكرى شيلر، لا سيما في مدينة فايمر التي أقام فيها الشاعر سنواته الأخيرة عاقدا أواصر صداقة فريدة مع شاعر ألمانيا الأشهر يوهان فولفغانغ فون غوته، كما لا يكاد يمر يوم دون أن تطالع وسائل الإعلام المشاهد والمستمع والقارئ بجديد أو قديم عن شيلر إلا أن المفارقة تتمثل في ابتعاد خشبات المسارح الألمانية الكبيرة الآن عن تقديم أعماله، إلا في ما ندر. هل فقدت »قطاع الطرق« و»دسيسة وحب« و»فيلهلم تل« راهنيتها، ولم تعد صالحة لتقديمها على خشبات المسارح؟ وماذا تبقى من شيلر بعد قرنين على وفاته؟ »أنشودة البهجة« التي خلدها بيتهوفن في سيمفونيته التاسعة تلك الأنشودة التي كانت سبباً في شهرته شاباً، لكنه كان يخجل في ما بعد من سذاجة معانيها؟ صداقته الأسطورية مع غوته؟ حفنة من العبارات المأثورة التي يستشهد بها المثقفون في أحاديثهم؟ هل من سوء حظ هذا الشاعر أن يوافق مرور قرنين على وفاته الذكرى الستين على انتهاء الحرب العالمية الثانية؟ هل لهذا امتلأت الصحف في يوم ذكرى وفاته (التاسع من أيار/ مايو) بالمقالات عن نهاية الحرب و»ساعة الصفر« في الأدب الألماني، وتوارت أخبار الاحتفال بالشاعر؟ أم أن شيلر رغم كل الهالة التي تحيط به لم يعد يخاطب الألمان اليوم؟ إذا أخذنا مسرح »بوخوم« العريق مثالاً، فسنجد أنه يقدم هذا الموسم ثلاث مسرحيات لوليم شكسبير (»روميو وجوليت« و»حلم ليلة صيف« و»ما يشتهيه القلب«)، كما سقدم أعمالاً لكتاب كلاسيكيين مثل تشيكوف وموليير وأوسكار وايلد وكارل تسوكماير، ولكنه لا يقدم عملاً واحدا »لرائد المسرح الألماني« (على حد وصف توماس مان للشاعر شيلر)، رغم حلول ذكرى وفاته المئتين. ولا يمثل مسرح بوخوم هنا استثناءً، وكما يؤكد ميشائيل شيندهلم، مدير مسرح بازل، الذي يعقد مقارنة في هذا الصدد ويقول إنه خلال تسع سنوات قاد فيها مسرح بازل، تم إخراج »قطاع الطرق« لشيلر مرة واحدة، بينما كانت إحدى مسرحيات شكسبير تقُدم في كل موسم. ليس معنى هذا أن مسرحيات شيلر لم تعد تُقدم على خشبات المسارح، فالإحصائيات التي نشرها اتحاد المسارح الألمانية تبيّن أن بعض أعماله تجد طريقها بانتظام إلى العرض، لا سيما »قطاع الطرق« و»دسيسة وحب« (وهي من الأعمال المقررة على تلاميذ المدارس). ولكن هناك أيضا مسرحيات لم تعد تُمثل إلا نادراً، مثل »ثلاثية فالنشتاين« و»عذراء أوليان«. شيلر في العالم العربي رغم أن العرب اهتموا بغوته اهتماما كبيرا وترجموا له وكتبوا الدراسات عنه، فإنهم أهملوا القطب الآخر للأدب الكلاسيكي الألماني. بقي شيلر في الظل، ولم تترجم له سوى أعمال قليلة في فترة الخمسينيات والستينيات، وهي أعمال لن يجدها أحد اليوم معروضة في مكتبات البيع، إذ إن أحدثها يرجع إلى مطلع الثمانينيات. صدرت أولى الترجمات العربية لشيلر عام 1900، وكانت لمسرحية »دسيسة وحب«، وهي المسرحية التي شهدت بعد ذلك ترجمات عدة، كان آخرها عن الألمانية من إنجاز عبد الرحمن بدوي. وفي عام 1903 ترجمت أشهر مسرحيات شيلر »فيلهلم تل«، ثم أعيدت ترجمتها مرات عدة عن لغات وسيطة (غالبا بعنوان: »وليم تل«، وهناك ترجمة صدرت في دمشق بعنوان »غليوم تل«)، إلى أن أعاد عبد الرحمن بدوي في مطلع الثمانينيات ترجمتها. أما مسرحية »قطاع الطرق« (التي ترجمت أيضا بعنوان »اللصوص«) فقد ترجمت مرتين عن لغات وسيطة، قبل أن ينقلها بدوي عن الألمانية مباشرة. كما صدرت عام 1959 في بغداد ترجمة قام بها هاشم المعلوف وتضمنت مسرحيات »اللصوص، ومؤامرة وغرام، وفيلهلم تل، وفالنشتاين، ودون كارلوس«. كما ذكرنا، هذه الأعمال لن يجدها القارئ في أي مكتبة عربية اليوم. كما أن مسرحيات شيلر لم تحدث صدى كبيرا على خشبات المسارح العربية (على خلاف مسرحيات شكسبير، أو مسرحيات برتولد بريشت مثلا)، فإلى أي شيء يرجع ذلك؟ هل كانت ثورية شيلر حجر عثرة في طريق انتشاره في دول تحكمها أنظمة قامعة؟ هل تمثل اللغة الشعرية الجميلة التي كتب بها شيلر مسرحياته عائقا أمام ترجمتها ترجمة لائقة إلى العربية؟ أم أن موضوعات شيلر التاريخية تتطلب معرفة جيدة بخلفيات يجهلها المشاهد العربي، وبالتالي يجعلها غير صالحة للعرض؟ مَن يعرف مثلاً وقائع حرب الثلاثين عاماً الدينية في ألمانيا، وهي التي تكوّن الخلفية السياسية لثلاثية »فالنشتاين«؟ كل هذه أسئلة مطروحة عندما نتساءل عن محدودية التفات المترجمين والمسرحيين العرب إلى الشاعر الثائر شيلر. وهناك أسئلة أخرى لا بد أن تُطرح في ما يتعلق بما تُرجم حتى الآن إلى العربية: هل يصلح أسلوب عبد الرحمن بدوي، مثلاً، للعرض المسرحي؟ هل تلائم اختياراته اللغوية التي أقل ما تُوصف به أنها غير سلسلة مقتضيات التمثيل والإلقاء؟ هل تجذب هذه الترجمات القراء، ناهيك عن المشاهدين؟ إن شيلر ليس شكسبير. وفي ذكراه يجدر بنا أن نلتفت إلى بعض أعماله التي ما زالت تتمتع بالراهنية (»قطاع الطرق« و»فيلهلم تل« مثلا)، وأن نعيد ترجمتها ترجمة صالحة لتقديمها على خشبة المسرح. علينا أن ننظر بتقدير لدور شيلر في المسرح الألماني، ولكن دون تقديس أو تبجيل، لأننا إن فعلنا ذلك كما فعلت مئات المقالات الألمانية في ذكراه نظلم الثائر والناقد فريدريش شيلر الذي كان أول المنتقدين لأعماله، والذي لم تخل حياته وإبداعاته من تناقضات، لعل أبرزها أن هذا الشاعر الثائر على سلطة الاستبداد والاقطاع كان يعيش في بعض فترات حياته على منح وهبات من الاقطاعيين. (ألمانيا)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة