As Safir Logo
المصدر:

يحاول أن ينقل الطفل من العالم المعلب إلى الحقيقي علي حجازي: الحداثة ألغت روح الجماعة

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2005-08-30 رقم العدد:10183

علي حجازي أستاذ جامعي وكاتب قصصي للكبار والفتيان، وباحث في التراث الشعبي. عن »دار الكتب الحديثة« ثمة إصداره الجديد المعني بقصص الاطفال »النعاس وأمير العواصف« وهو الصنف الأدبي النادر في حياتنا العربية الإبداعية بما هو مختص بالتوجه الى الاطفال. عن إصداره حاورته »السفير«. في عصر »الانترنت« وسواه من الحداثات، هل تعتقد بإغراء استلهام التراث الشعبي وتحويله الى قصص للفتيان؟ ثمة براءة في السرد والمعاني تقصر عن حيويه العصر وصخبه... ما رأيك؟ ؟ الايمان بقضية ما يدفع المرء الى التضحية بالغالي والنفيس من أجل تحقيقها وانتصارها. الساعون الى السيطرة الالكترونية على الجبل الحاضر والاجيال القادمة، يعملون جاهدين، وبالوسائل المتعددة من أجل تحقيق هدفهم. أما الكتّاب الملتزمون بتقديم صورة ثانية لهذه الحياة فيعملون على نشر ما يغني روح الجيل الحاضر والاجيال القادمة، بالقيم الجمالية والتربوية، وبالقيم النفسية التي تربي الفتى على العزّ والكرامة والشهامة. ويلفتون نظر الفتيان والفتيات الى الناحية الروحية من الحياة، والى التعامل الاخلاقي. أجل، فالحاسوب Computer أضحى مع شبكات الاتصال (Internet) يمثل العالم المفضل للاطفال. بل صارت عقولهم خاضعة، مسيّرة، ومسيطراً عليها، وأصبحوا مستعدين لتقبل أي صورة خاطئة للواقع، من خلال تقديم هذا الواقع عبر ألعاب الكترونية، وسأضرب هنا مثلا، الاطفال الذين يمارسون الألعاب الالكترونية Play Station Video Games ومنها سباق السيارات. فخلال اللعب، تصطدم السيارات مراراً وتكراراً، من دون وقوع أي عطل، وأية إصابات أو جراح. وعندما يحاول الطفل تقليد الصورة، يقع في المصيدة، ويصطدم بالواقع المر، وهنا، يشاهد تكسير السيارات، ووقوع العديد من الاصابات. فالواقع الحقيقي مختلف عن العالم المعلب التكرونياً. وأمام هذا الواقع أحاول أن أرجع مع الاطفال والكبار ايضا الى عالم حقيقي هو التراث، الذي تحمل أمثاله على سبيل المثال، تناقضاتت الحياة، وثنائياتها الضدية (الخير والشر، القوة، الضعف، الكرم، البخل، العزة والنذالة...) أعود لأنهل منه موضوعات قصصي. بل أسعى الى استعادة روحية عالم مضى، غني برموزه ودلالاته مشبع بصخب الحياة وهدوئها. وهذه أمور قلّما نجدها على شبكات الاتصال، اللهم اذا أدخلنا هذا العالم الى الشبكات وقدمناه للأطفال، وعندها نحقق هدفنا الذي نسعى اليه. أما البراءة في السرد والمعاني التي تقصّر عن حيوية العصر وصخبه، فأمر طبيعي، القصد منه رسم عالم الطبيعة الغني، وإظهار روحية الناس المتنوعة والمختلفة من خلال ممارساتها. وباعتقادي، انه كلما أغرق الانسان في عالم المادة، كلما هاج به الشوق والحنين الى عالم الروح والسّكينة. عودة الى العائلة هل من فنيات خاصة تحتاجها قصص الاطفال؟ ما هي؟ وما مدى صعوبة أو سهولة التوجه الى الاعمار الصغيرة وجذب اهتمامها الادبي والمعرفي؟ ؟ فضلا عن تقنيات السرد المطلوبة للقصة القصيرة، وهي التداعيات أو التذكر، والحلم، والتوقف عن السرد إفساحاً في المجال أمام الوصف، والزمان القصير، والمكان المحدد، والشخصيات القليلة، والحدث الواحد... هناك صعوبة تتمثل في صنع الدهشة التي تستميل الطفل، وفي التشويق. من هنا كان توجهي لنقل عالم الطبيعة والارض، وهما عالمان مجهولان لأطفالنا، اليوم، الذين باتوا غرباء عن الريف. أما عملية التوجه الى عالم الطفولة، فأمر يستلزم براعة في تقديم المادة التراثية الغنية بقيمها، وبالأهداف المرجو غرسها في أذهان الناشئة. ومع الدرب، تصبح الكتابة للاطفال سهلة نظراً للاندماج الذي يحصل بين الكاتب والطفل الى درجة الانصهار، فعندما يستلهم الكاتب فكرة تفيد الاطفال، فإنه يعكف على هضمها، واستخلاص العبرة منها، وتقديمها الى الناشئة. في إصدارك الجديد »النعاس وأمير العواصف« عن »دار الكتب الحديثة«، استغراق أسري في مفهوم العائلة: الجدة، والأم، والاطفال، واستغراق، ايضا، في عناصر الطبيعة وموجوداتها. ألم نبتعد بقوة الوقت عن هذه الامثولات؟ وهل من جدة الآن تحكي الحكايات للاطفال؟ وهل من أطفال أصلا يتحلقون حولها؟ ؟ هذا السؤال يعيدني في الحداثة، التي تكلمنا عنها في مستهل حديثنا، وبما أن الكاتب مسؤول وهادف في كل عمل أدبي يحمل بصمة تفكيره، فإنني خائف على العائلة التي تشظت، اليوم، ولم يعد أي رابط يجمع بين أفرادها، فاستغراق الطفل في عالم الحاسوب (Computer) وشبكة الاتصال (Internet) يبعده عن عالم الوالد المنشغل بهموم تأمين لقمة العيش، وتكاليف الدراسة، وغير ذلك من أمور وظيفية أو سياسية، أو اجتماعية، أو أدبية. والام باتت كذلك منهمكة، فضلا عن تدبير أمور المنزل أو الاشراف عليه. في وقت ضاقت سبل العيش، وغدت وسائط الحياة أصعب، وفي زمن أوكلت فيه أمور تربية الطفل الى الخادمات، اللواتي يلقنّه لغة ركيكة، وعادات غريبة فضلا عن فقدان الحنان والعاطفة... من هنا صار لزاماً على الكاتب أن يرمي بذرة الحب في قلب الطفل وذهنه، ليلتفت الى أسرته وليشاركها همومها. وبهذا نعيد أو نستعيد روح الجماعة التي غربت مع شروق تقنيات البناء واللباس والمأكل... فالبيت الذي كانت تبنيه هامات وسواعد الشبان والشابات صارت الآلة تصب له الباطون، بأقل من ساعة. الحداثة ألغت روح الجماعة. وأنا لا أرثي تقنية البناء القديمة، إنما أقصد الى التذكير بالتعاون الجماعي، وبالتحاب الذي كان، وبالروابط التي تمكنت الحداثة من إلغائها. أما عناصر الطبيعة فهي الجنة المفقودة اليوم، وفي المدن، استعيض عنها ببعض الحدائق التي، إن وجدت، لا تشكل عالماً موازياً لعالم الطبيعة الذي تمارس فيه الحيوانات حياتها، بعفوية مطلقة. وهذا العالم لا يمكن تقديمه للاطفال إلا عبر قصص مشبعة بروحية عالم الغابة، بكل تناقضاته، ورموزه ودلالاته ومعاييره. فالثعلب محتال، والضبع جبان، والذئب غدار، والسبع قوي، والنسر عاشق ارتفاع وعلوّ، والنملة عاملة مستغرقة وقتها كله في العمل، وزيز الغابة يستغرق وقته في الغناء... أما الأرض الموجودة بقوة في نصوص هذا الكتاب، وفي نصوص »وفاء الزيتون« الذي تُرجم الى أكثر من لغة، وسيصدر قريباً باللغة الفارسية، فشكلت محور نصوص الكتابين، وشكل التراب مادة غنية بالقيم الخلاقة المبثوثة في الشجر والصخر. عملت على بعثها فيهما وفي الكتاب الذي سيصدر قريبا بعنوان »الوردة البيضاء« لأبيّن أهمية التراب في عناصر الطبيعة في حياة البشر. وصحيح أننا ابتعدنا عن هذه الامثولات، وصحيح أن الجدة صمتت عن الحكي. والاطفال توزعوا عن مجلسها وتفرقوا، إنما وسط هذا الدمار النفسي، ووسط هذا التشظي العائلي الكبير، وعند حد هذا الابتعاد عن قلب الطبيعة، أسعى جاهداً، وبالتزام كلي، الى رأب صدع هذه العلاقة، والى التقريب بين الطفل والعوالم المحيطة به. وخلال نصوص هذا الكتاب القصصي الرابع، حققت بعض نجاح ملحوظ، وسأذكر هنا، كيف دفعت فكرة موجودة في قصة »وفاء الزيتون«، وهي قائمة على نقل مشاهدتي لحبيبات الزيتون التي تكون ضعيفة في شهر آب، لأنها منحت ماءها لأمها الشجرة، التي تُعيده اليها، بعد المطرة الاولى في أيلول. عبر هذه القصة، يتعلم الطفل أن الحياة ليست أخذاً كلها، بل هناك ما هو أجمل، أقصد لذة العطاء. عندما قرأ السيد »وانغ قوي فا«، المترجم والمستشار الثقافي السابق، هذه القصة، خلال رحلتنا الى الصين، طلب مباشرة الاذن بترجمة الكتاب وذكر في المقدمة التي كتبها يقول: سيقرأ هذا الكتاب قرابة ثلاثمئة مليون صيني... إن هذا الكلام بعث السعادة في كياني، أنا الذي كنت متشائماً حيال ندرة المطالعة، في عصر الانترنت والالعاب الالكترونية. فالفكرة الصالحة كالبذرة تماماً، ستنمو، شرط أن تتوافر لها مؤهلات كافية. أجل، فالاطفال يمكن الوصول الى اهتماماتهم عبر المدرسة التي تنبهت الى مخاطر عدم المطالعة، وراحت تفرض أنماطاً معينة من القصص والروايات والحكايات، لعلّها تسد الفراغ في هذا المجال. لغتك السردية جميلة ومتينة، وتتفوق على القصة التي ترويها. هل تحتاج قصص الاطفال الى متانة وشاعرية اللغة، أم تقتصر على بساطتها دون الركاكة؟ ؟ فكرة القصة قد تكون بسيطة، أو عميقة، وفي الحالتين، على الكاتب أن يقدم أجمل ثوب سردي لها، لتظهر بالمظهر اللائق. وقد تشف اللغة الى مستوى الشعر، وتتكئ على رموز ودلالات، عند ذاك، يقع الطفل الفهيم على وجبة دسمة، معنى ومبنى، ومنذ ذلك الحين، يصبح متابعاً نتاج الكاتب الأدبي. ولأضرب مثلا هنا، جبران خليل جبران، أو مصطفى لطفي المنفلوطي، أو غيرهما، من الكتّاب الذين اهتموا بالاسلوب، أسس كل واحد منهم مدرسة خاصة به، وصرنا نقول هذا النص لجبران، من خلال الاسلوب الذي يكسوه ثوب الشعر في كثير من الحالات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة