نوري الراوي ابن الثمانين يتجول في لبنان، مستعيداً ذكريات الأيام الخوالي مع عدد من فنانيه. هي إذاً واحدة من محطات عمره المكتظ بالإنجازات والتعب. فهو أول من خصص صفحة للفنون في الصحف العراقية، وأول من قدم برنامجاً تلفزيونياً عن الفن التشكيلي، استمر ثلاثين سنة، وهو الناقد التشكيلي المؤسس لرابطة النقاد العراقيين، ومؤسس أربعة متاحف فنية في العراق، وهو فنان من جيل الرواد بما تبقى من الوقت. تنقلنا معه بين واحات العمر وصحاريه، وكان هذا الحوار: أنجزت منذ أيام ثلاث لوحات في ثلاثة أيام، من خلال مشاركتك في سيمبوزيوم إهدن. كيف تفسر هذه الغزارة التي لم تكن تتمتع بها أيام الشباب؟ { أنا أنفعل بالجو اللطيف الذي عشته في إهدن، وأنسجم في الصحبة الجميلة، وأؤخذ بالطبيعة... كلها محفزات للإنتاج. لأول مرة أنا أخرج من عالم المرسم إلى عالم الطبيعة والفضاء الواسع. نحن في العراق لا نخرج إلى الطبيعة، إضافة إلى أن التوجه العام لدى الفنانين العراقيين هو عدم الخروج من المرسم والابتعاد عن الطبيعة. فالموضوع والانفعالات والتكوين التجريدي هي منسوج اللوحة الحديثة. وأنت تعلم أن الفنانين العراقيين خزين من الانفعالات والعواطف والأحاسيس، تأثراً بالحياة والأجواء، واستلهاماً لقضايا الناس، وانسجاماً مع الحداثة. كنت أظن أنها الغزارة التي تأتي أحياناً مع الشيخوخة لتعوض ما ضاع أيام الشباب؟ { لا. هي في الحقيقة تأتي بعد الانفلات من المسؤوليات التي كانت تكبلنا في السابق، فأنا ساهمت مساهمة فعالة في الحياة الثقافية العراقية. حقول الفن والثقافة المتواشجة كانت من مهمتنا. أنا مختلف عن الفنانين العراقيين الذين كانوا منصرفين إلى أعمالهم في الإستديو. في العام 1951 ابتكرت لأول مرة صفحة متخصصة بالفنون في جريدة »الزمان«. كيف تطلعت إلى ذلك في تلك المرحلة؟ { كانت أول صفحة للفنون تنفرد بها الصحافة العراقية. لا أدري إذا كانت هناك صحيفة عربية أصدرت مثل هذه الصفحة. لم يكن عندنا في الصحافة ما يشبه ذلك. بقيت هذه الصفحة مستمرة حتى ثورة تموز 1958، التي أوقفت كل الجرائد وأطلقت جرائد جديدية. كنت تقف بين جمهور غريب عن الفن التشكيلي وطفرة نظرية وتيارات تجتاح الفنانين العراقيين. كيف استطعت أن تكون وسيطاً بين الطرفين؟ { بالفعل كانت في تلك المرحلة بدايات التطلع إلى الفن والبحث عن مدرسة عراقية. كانت تدور الكثير من الأحاديث والنقاشات حول هذه المواضيع وحول الفن التشكيلي المستجد على عالم الثقافة. كانت البدايات محتدمة والأساتذة مندمجين مع الطلبة. كنت حينها موظفاً في القسم المسائي. كنت دخلت معهد الفنون سنة 1940، أول تأسيسه، لكنني لم أستطع التوفيق بين المعهد والوظيفة، فانقطعت عن المعهد ودخلت معترك الحياة السياسية مع حزب الشعب بقيادة عزيز شريف. ثم في العام 1954 عدت ودخلت المعهد، وتخرجت منه العام 1959. وكانت دفعتنا من أميز الدفعات، وهي التي صارت في ما بعد الأساس لأساتذة معهد الفنون. كان في دفعتنا كاظم حيدر وشاكر حسن آل سعيد. في العام 1957 قدمت برنامجاً تشكيلياً في التلفزيون العراقي استمر ثلاثين سنة. إلى أي حد استطعت أن تسخر التلفزيون في توصيل الفن التشكيلي إلى جمهور عريض؟ { الوصول إلى التلفزيون كان صعباً، لأننا لم نكن نستطيع أن نُدخل السيارة إلى مركز التلفزين. كان عليّ أن أنقل اللوحات التي أود عرضها في الإستديو بنفسي. كانت مهمتي شاقة، ولا من يعاونني. كان التلفزيون وقتها بسيطاً، وقد تركته شركة إنكليزية كانت تقيم معرضاً تجارياً في بغداد هدية للعراق. كان الجهاز موضوعاً في غرفة مركبة تركيباً، لا في بناء مجهز. وكان البث حينها مباشراً. الفنيون شبه عراة من شدة الحرّ، وأنا ألبس قميصاً بيضاء. كانت الإضاءة القوية تزيد الحر حراً. كنت أقدم في كل حلقة فناناً عراقياً، وخلال ثلاثين سنة استطعت تقديم حوالى أربعمئة فنان. كان جمهور البرنامج من جيل الشباب، ومتعة التلفزيون تبعدهم عن السينما وتجعلهم أكثر ألفة مع البيت. وكان جمهوره أيضاً من المثقفين والفنانين والذين يطمحون إلى تعلم الفن أو من هواته. وقد أقمت فريقاً من الهواة الذين كنت أقدمهم في إحدى فقرات البرنامج، وأعرض أعمالهم وأسائلهم، والعديد منهم تحمسوا ودخلوا معهد الفنون. ثلاثون عاماً بأية عبقرية استطعت أن تستمر ثلاثين عاماً، متجاوزاً كل الأنظمة المتناوبة على حكم العراق من دون أن يوقف برنامجك أحد؟ { في يوم من الأيام قدمت ثلاثة من طلاب الكلية الطبية وهم رسامون، منهم علاء حسين بشير الذي صار فناناً كبيراً في ما بعد. وكانت لوحاته تحمل أجواء صوفية، حيث في الصورة شيخ جليل وأمامه شمعة. قدمت إضاءة على اللوحة وموضوعها، وأثناء كلامي ورد أن الأنبياء لم يكن لهم صور في الفن، وذكرت أنه في مجلة »الكاتب المصري«، التي كان يرأس تحريرها طه حسين، قرأت مبحثاً لبشر فارس ذكر فيه أنه رأى صورة يعتقد أنها للرسول. ذكرت ذلك على سبيل المثال، وكان احتجاج بعض الجماعات المتدينة، فصدر قرار بإيقاف بث برنامجي الذي كان اسمه »آفاق الفن«، وطُلب مني تقديم اعتذار رسمي في الجريدة، ففعلت. ألم تتعرض لك الأنظمة؟ ألم تتعرض لمضايقات من المحسوبين عليها؟ { لا. لم يحصل ذلك أبداً. في يوم من الأيام ، وبينما كنت أقتطع صوراً من الكتب وأعلقها على صبورة سوداء في الإستديو، لأقدم شواهد وأدلة عن المدرسة الانطباعية، قال لي أحد وزراء دولة إشتراكية »أنت تزرع الورد في بستان الشوك«. كلهم كانوا يحترمون البرنامج. حدث أمر آخر، في العهد الملكي، عندما كان فريق من المعماريين الشباب المتخرجين حديثاً يقيمون نشاطات جدية، وفي إطار الكلام عنهم أتيت على ذكر رفعت الجادرجي، وهو ابن كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديموقراطي في العراق، ولم تكن حينها توجد وزارة ثقافة، بل مديرية الدعاية العامة التي استفزها ذكر الجادرجي، وبعث لي مديرها باحتجاجه طالباً مني ألا أذكر اسم الجادرجي مرة أخرى، وكان هذا المدير من الذين يعتمد عليهم نوري السعيد في ذلك الوقت. كنت من المنتمين إلى جماعة الرواد التي يتزعمها فائق حسن، وكانت هناك جماعات تشكيلية أخرى. هل كنت تستخدم برنامجك للترويج لأفكار جماعتك، خصوصاً أن اهتمامك برأسها كان بارزاً؟ لم أدعُ إلى أي اتجاه. اهتمامي بفائق حسن مرده أنه كان أستاذي وصديقي. لكن اهتمامك به تعدى ذلك إلى الاهتمام بإقامة متحف له، ما يعني انتماءً فنياً له. { بعد وفاة جواد سليم بسنوات قليلة، فكرت وزارة الثقافة بإقامة متحف له، فخصصت قطعة أرض لهذا المشروع، ورسمت الخرائط، ومضت فترة دون أن ينفذ المشروع. بعد ذلك استولت وزارة الدفاع على الأرض ولم يُقم المعرض، فأسفنا كثيراً لخسارتنا المبادرة الأولى. أما متحف فائق حسن فله ظروفه الخاصة، ولا علاقة له بالدولة، إنما بالورثة، وقد عهدت لي الوريثة الوحيدة، وهي حفيدة شقيقه، بإقامته. ومعروف أن حسن توفي في باريس العام 1992، وحينها كانت الحرب في العراق محتدمة، فبقيت جثته في العاصمة الفرنسية. وكان بيته في بغداد الذي تشرف عليه وزارة الثقافة والإعلام قد استبيح عدة مرات، ولما آلت التركة إلى الوريثة عهدت إليّ الإشراف على المتحف، فبقيت سنة ونصف السنة أبحث في الركام والقمامات عن أوراقه حتى جمعت ما يقارب أربعة ألبومات. وأعتقد أنني استطعت أن أحفظ أرشيف الرجل وما تبقى من اللوحات التي رممت بعضها، خصوصاً أني مختصّ بالترميم لمدة سنة في المتحف المركزي بلشبونة. وأنا الذي كنت أرافق فايق حسن في بغداد وفي سفراته، أما جواد سليم فكان رفيق المعهد. أنت، إذاً، فنان بما تبقى لك من الوقت؟ { نعم. ركزت على موضوع القرية خصوصاً قريتك راوة، واتخذت من القباب ما يشبه التوقيع الشخصي للوحتك. لماذا؟ { عثرت على قول لابن عربي،:»ما القبة إلا وصف المتناهي«. يقصد أن فيها بعداً وعمقاً ما يشبه تصغيراً للتكوّر الكوني. قبل ذلك كان مر بالعراق المعماري الأميركي فرانك لويد رايد، وكانت الحكومة تزمع إقامة جامعة بغداد، فصمم أن يقيم قبة في جزيرة من جزر دجلة وسط بغداد، على أن يقيم مباني الجامعة على الضفتين. لم تكن الميزانية تسمح بذلك فلم يتم المشروع. وأثناء زيارته ألقى محاضرة في جمعية المهندسين العراقيين التقطت منها عدداً من الجمل والكلمات الحلوة، فهو كان مسحوراً بالمباني العباسية المتأخرة، وقد أنحى باللائمة على المهندسين المدنيين الذين بدأوا يأخذون من العمارة الحديثة أسوأ ما فيها ويطبقونها في بغداد، فتذهب الروح الشرقية. كان يقول في المحاضرة: »لكل أمة عبقرية، وعبقرية الشرق القبة«. وبين محيي الدين بن عربي وفرانك لويد رايد ألف سنة، وهما يُجمعان على هذا الرمز المعماري. لهذا اتخذت القبة كرمز فلسفي أو كمجتزأ كوني. ولم أرد أن تكون لغة التشكيل كتلة ولوناً وسوى ذلك، إنما المعاني الشعرية المحملة بتأوهات الداخل والأحاسيس والأفكار وما يموج في داخل النفس. لماذا بقيت بعيداً عن التيارات الحديثة ولم تكن متنوعاً على طريقة أستاذك فايق حسن؟ { لا. أنا متجدد. طرقت التجريد الصافي منذ العام 1963. على سبيل القناعة أم التجريب؟ { على سبيل قناعتي بالحداثة التي أمارسها فكرياً وفعلياً. لكنك بقيت محافظاً على تلك الشاعرية الرومنسية التي تحرّك بها القبب. { يمكن أن يُطوَّع التجريد لتفاعلات الداخل، ويحمل الصوفية لا المشاعر العالية. أنا لم أرده تجريداً أوروبياً، فالتجريد الأوروبي خالٍ من الروح. لا أريد ما هو بعيد عن ثقافتي. يجب أن تنطلق اللوحة من عراقيتها. وهل هناك مدرسة عراقية، برأيك، في وقت تتراجع فيه المدارس في العالم، بل في عصر العولمة الذي نعيش؟ { من يعشْ الحركة التشكيلية في العراق يلمسْ العكس. المدرسة العراقية استمرت بأشكال متجددة، وبإيقاع جديد يتناظر وإيقاع العصر. لم يكن هناك تراجع، هناك عناصر شبابية تنجز أعمالاً مدهشة تحمل روحاً تعبيرية وأفكاراً جديدة وطرحاً جديداً بروح حداثية مبدعة. أنا متابع لأعمال الشباب. هل نستطيع أن نتحدث عن أصالة تشكيلية في العراق؟ { نعم. هناك إضافات حدثت، ففي الفن العربي الحديث استخدمنا الشكليات الغربية، لكننا أضفنا الروح. والانفعال العراقي ليس قليلاً، فأنا لا أنفعل مثل الفرنسي. نحن ناس تداركت علينا الأحداث. الفنون التشكيلية تحمل كل ذلك. انتهت المدارس في العالم وأنت تتحدث عن مدرسة أو تيار في العراق أو حتى لوحة عراقية. ألا تعتقد أن الأمور أكثر تعقيداً من ذلك؟ { لا. نحن صرفنا عمرنا في الكتابة والنقد الفني، وأول من أسسنا رابطة نقاد الفن العربي، وأنا واحد من مؤسسي رابطة نقاد العراق، ورابطتنا انتمت إلى الأيكا. إلى أي حد تعتبر أن الفنانين العراقيين منخرطون في الاتجاه الذي تسميه عراقياً؟ { حركتنا فيها تيارات واتجاهات عديدة، والفنانون العراقيون عددهم كبير ومستوياتهم مختلفة، وبالطبع المبدعون قلة، وهم لا يشتغلون بروح الفريق، لكنهم يستقون فنهم من المشارب والينابيع نفسها. فالتطورات تؤثر في الجميع، وهم تجمعهم رابطة الوطن الواحد والهم الواحد والفضاء والحرارة والجو الغاضب. خواء الروح قلتَ مرة إن الفن التشكيلي الأوروبي المعاصر يعيش حالة خواء. هل لا زلت مصراً على قولك؟ { الفنان الأوروبي لم تبق لديه هموم كبرى تشغله وتؤجج دواخله. الموضوع السائد هو تشويه الإنسان وتقذيره واللعب به بشكل مأسوي. هذا علامَ يدل، أليس على خواء الروح. فالينابيع الروحية يمتلكها الشرقيون لا الغربيون. التشويه يأتي في إطار التجديد والاتجاهات التعبيرية التي لها ظروفها. ما رأيك، إذاً، بالتيارات الجديدة التي تعتبر اللوحة كلها موضة جديدة؟ { أنا لست ضد أي إضافة جديدة، قد تكون غير مبدعة، الذهن البشري يبقى يتعامل مع الأفكار والمؤثرات الخارجية ويستخدم تقنيات جديدة، بحيث يستخدم الليزر والهواء واللوحة غير الموضوعية، بعض اللوحات تقام في الجو وتختفي. هذا إجراء يقتضيه الزمن وتقتضيه الحرية. أنا لست ضد هذه التجارب الجديدة. أنا لدي تجارب جديدة أيضاً، آتي بالمهملات من المزابل وأعيد تكوينها. آتي مثلاً بصينية مهملة أخرجها من كونها شيئاً مرمياً وأنظفها ثم أرسم عليها وأحولها إلى لوحة أو لقيا، أخرجها من عالم البشاعة إلى عالم الجمالية. ماذا يعمل الفنان، برأيك في ظل كل هذا التنوع السائد وغياب المدارس الجاهزة. ماذا تقول لفنان جديد؟ { على كل فنان أن يختط تجربته الخاصة. هذا هو الصراع في سبيل تكوين الذات والشخصية بأبعادها ومقاييسها واختلافها عن الشخصيات الأخرى. الفنان يجب أن يكون عنده طاقة وعبقرية تقودانه إلى إبداع أساليب جديدة. ما رأيك لو انتقلنا إلى الشعر، والكلام على صداقاتك مع السياب والبياتي والحيدري وسواهم من رواد الشعر الحديث. خصوصاً أنك كتبت الشعر؟ { علاقاتي بهم كانت أكثر من صداقة. علاقتي ببدر شاكر السياب كانت روحية امتدت سنين طويلة، وبالبياتي الذي استمر في الحياة استمرت أكثر. بالفعل أنا واكبت تلك المرحلة. وواكبت تحولاتها. كيف تصفها؟ { أستطيع أن أقول إن البياتي وصل إلى روحية شمولية، ونظرة عميقة للكون والكثير من القضايا التي تمت للإنسانية بصلة. ينابيع شعره تتدفق بالتآخي البشري وخلاص الإنسان من الشرور وما يشوه وجه البشرية. هو وصل إلى مرحلة التجلي التي وصل إليها شاكر حسن في الفن. ما قصة الصفعة التي وجهتها إلى بدر شاكر السياب ذات مرة؟ { في يوم من الأيام كنت وبدر وقحطان حسن المدفعي، والأخير فنان معماري منفتح النفس والذهن وذكي، كنا نجتمع في بيته ونستغرق وقتاً إلى ما بعد منتصف الليل، نسمع موسيقى ونقرأ شعراً ونتكلم على الفن، وكان إلهام المدفعي (أخو قحطان) يتمرن على البيانو. كنا نخرج بسيارة قحطان التي لم يكن فيها إلا مقعدين، فكنت أجلس إلى جانبه ويجلس بدر في حضني، وكان ضعيفاً فتنغرز عظامه في فخذيّ، وكان قحطان يقود بسرعة، فنقضي الطريق ضحكاً وممازحة. لم تكن همومنا كبيرة. كنا سعداء، ونحمل أفكاراً وطنية ومنفتحة على العالم ونتلقف أي جديد. كانت أمسياتنا طويلة إلى جانب أننا كنا نعيش أثناء النهار موظفين في دائرة واحدة. تأسست علاقتي ببدر في هذه الأجواء واستمرت حتى رحيله، ولم يحدث أي خلاف معه. يجوز أن أكون صفعته ممازحة، أكثر من ذلك مستحيل. مؤسس متاحف أنت أسست أربعة متاحف في العراق. ماذا حدث لها بعد جولات العنف التي تحدث في العراق؟ { المتحف الوطني للفن الحديث كان في بناية أنجزتها مؤسسة غولبنكيان، وهي مؤسسة عالمية تستمد ماليتها من نسبة خمسة في المئة من النفط العراقي، ينالها غولبنكيان لقاء وساطته بين شركات النفط والحكومات. وكان يقيم مشاريع خيرية إنسانية وثقافية، من جملتها بناء مركز للفنون أهداه لأمانة العاصمة في بغداد، وأمانة العاصمة لم تكن تعرف شيئاً في الفن. في العام 1961 التقيت بطريق الصدفة العلامة طه باقر مدير الآثار العام، وهو من الأفذاذ، وقد اقترح عليّ وضع اليد على مركز الفنون الذي كان في نهايات إنجازه. عانيت الأمرّين في سبيل إقامة هذا المتحف الذي افتتحه العام 1962 عبد الكريم قاسم، واستمررت أجمع لوحات نشتريها من عراقيين بشكل أساسي، إلى فنانين عرب وأجانب، والمجموعة تنمو سنة بعد سنة. بعد ذلك جمعنا المتحف الوطني مع متحف الرواد الذي كنا أسسناه في مكان واحد تحت إسم دائرة الفنون التشكيلية العامة مركز صدام حسين للفنون، في مبنى جديد مهيب وكبير، فُقدت كل موجوداته التي تقدر بحوالى سبعة آلاف لوحة وألفي منحوتة، وأحرقت المكتبة والأرشيف. وأنت أقمت متحفك الخاص. { كنا نبحث أنا وفؤاد حمدي الذي كان يصب تماثيل جبص. أوجدنا مكاناً لجمع أعمالي وأعماله، وهو لا يحتوي على كل الأعمال وإنما على مختارات لي نبدلها بين وقت وآخر، وهو له 35 تمثالاً ل35 فناناً وفنانة عراقيين موجودين في الساحة الفنية. أثناء الحرب الأخيرة أبعدنا الأعمال، وبعد ذلك طلب المؤجرون مبالغ كبيرة لاستعادة المبنى. كتبت للأونيسكو علّهم يساعدوننا، ولم أتلقَ رداً. لدي أرشيف يغطي ثمانين سنة من الفن التشكيلي العراقي معزز بالكتابات والرسائل والخطوط والصور الفوتوغرافية التي لا توجد عند أصحابها. وماذا يحدث اليوم؟ ما حجم العرض والطلب؟ { الإنتاج مستمر، خصوصاً لدى الفنانين الشبان، حيث تقام معارض أكثرها في صالة »حوار«، ولم تستحدث صالات جديدة بعد الحرب سوى »فضاء وفن« للفنان سلام عمر. حالياً لا يوجد أكثر من ثلاث صالات تشتغل بشكل فعلي. بعض موظفي السفارات يشترون، وكذلك من لديهم صلات بالخارج يشترون ويبيعون. لم تنخفض الأسعار خلال الحرب كما يشاع. أيام الحصار كانت هناك مشكلة في الاستحصال على المواد اللونية، وكانت هناك بدائل أحياناً. لم يتوقف العمل الفني في أصعب الظروف، وهذا دليل حيوية وعدم خمول. نسينا أن نسألك عن الفن الفطري في العراق الذي كان لك دور في إطلاقه وإطلاق أبرز فنانيه منعم فرات. { اعتبرتُ ذلك تياراً جديداً في الفن العراقي. الفنانون الفطريون عندنا كلهم نحاتون، وهذا دليل استمرار التراث بهم. حدث أن أقمت لمنعم فرات معرضاً في المركز الثقافي العراقي في بيروت، وأتيت ب60 أو 70 تمثالاً. أقيم المعرض لمدة شهر. لم يكن موظفو السفارة مخلصين عندما أعادوا إلى الجمارك في المطار ثلاثة صناديق بدلاً من أربعة، ما أوقف شحنها، وصادف أن اشتعلت الحرب اللبنانية العام 1975 واختفت التماثيل كلها. كنت أهتم بفرات والآخرين وأقيم لهم مشاركات في معارض دولية، وقد لقيت أعمال فرات اهتماماً كبيراً في الخارج، خصوصاً في معرض برتسلافيا في يوغسلافيا، وكنت حينها في لجنة التحكيم ومسؤولاً عن التعريف به وبأعماله، إذ كان متوفياً حينها.