يقول الناقد الكبير وأستاذ علم الجمال د. رمضان بسطاويسي: السؤال عن الحركة النقدية في مصر شبيه بالسؤال عن الحركة السياسة للأحزاب السياسية في مصر الآن، حيث نجد أحزاباً سياسية متشابهة البرامج وتفتقد الحضور الفاعل في الحياة اليومية، كذلك الحركة النقدية مثل الحياة السياسية تحتاج إلى مساحة من الحرية الفاعلة التي تمكنها من التأثير في مجري الحركة الثقافية، وتحتاج أيضا إلى مؤسسات تمكن الناقد من ممارسة دوره، فالناقد وحده دون المؤسسات لا يمكن أن يمارس دوره، والسبب الثالث الذي يؤثر في غياب الحركة النقدية في مصر هو سيادة مفهوم ضيق للنقد يقوم على نقد وتحليل النصوص الأدبية والأعمال الفنية دون توسيع مفهوم النقد ليشمل كل ظواهر الحياة في الوطن وكل ما ينتجه الإنسان من أفعال إلى جانب النصوص والأعمال الفنية، والنقد المتاح الآن في مصر، شأنها شأن الدول العربية، هو النقد الأكاديمي الذي يقدم في الجامعات من أجل الحصول على درجات علمية، وهو مرتبط بنموذج للبحث العلمي لا تكتمل دائرته بشرح استجابات الواقع الثقافي لهذه الاطروحات الجامعية، ومقالات الصحف وبرامج الإعلام في التلفزيون والفضائيات لا تقوم بتغطية عادلة لما يصدر من كتب وإنما يغلب عليها جذب الانتباه دون التحليل العميق والاعتماد على أسماء بعينها في تحليل الأعمال الأدبية والفنية دون محاولة كشف أسماء جديدة. وهناك مفارقة عجيبة في الحركة النقدية في مصر لا مثيل لها في الدول العربية، حيث يمارس النقد في مؤسسات إعلامية لا تصل للمشاهد أو المستمع مثل النقد المكثف في برامج إذاعة النقد الثقافي التي لا يتجاوز إرسالها القاهرة، والمؤتمرات الأدبية التي تعقد في معسكرات مقفلة بعيدة عن التأثير في الناس بينما كان يمكن أن تقوم بمهمة رائعة في الحوار بين الأجيال وملء الفراغ الوجداني لدي الشباب مما يساهم في مقاومة الانحراف في السلوك السياسي والاجتماعي. والمجلات التي تصدر في مصر تفهم النقد لا بوصفه تجربة نقدية ذات طابع إنساني وسياسي ولكنها تفهم النقد في إطار تبرير النصوص والاحتفاء بها. العمل بالنقد لم يعد مشرفاً ويرى الناقد د. مجدي توفيق أستاذ النقد الأدبي الحديث أنه خلال السنوات الأخيرة لم تظهر أسماء جديدة كثيرة في ساحة النقد، وأعتقد أن هذا القصور يرجع أساساً إلى ضعف الحاجة إلى الفعل النقدي في بلادنا، وتصوره عملاً هامشياً، وتصور النقاد كائناتٍ طفيليةً تعيش على هامش الأدباء. وفي تقديري أن البلاد لا يؤرقها إنشاء حركة نقدية جيدة. الأصوات تحب أن تدين النقاد، ولا تبذل جهداً لتطوير حركتهم. ويقول: من أكبر علامات القصور في حركة النقد قلة الجهد النقدي الذي يتابع الأعمال الأدبية الجديدة، وهي قلة ترجع إلى تزايد رهيب في أعداد كتاب الأدب، وانفراج واسع قد يكون مسرفاً في نشر الأدب. وهذا القصور معناه أن الشباب لا يشعرون بالرغبة في دخول عالم العمل في مجال النقد الأدبي، ويفضلون أن يستثمروا مواهبهم في أشياء أخرى. ولكني لا أعرف أحداً يشعر بالفزع الواجب لأن الشباب يترددون في الاشتغال بالنقد. لم يعد بالهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة مخصصة للنقد الأدبي، والسلسلة الوحيدة في مصر تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بأعداد قليلة جدا، وتعاني طوال الوقت من صعوبات هائلة في الحركة. ومن خبرتي مع دور النشر الخاصة قال لي أكثر من ناشر إنه يفضل طباعة عمل أدبي على كتاب نقدي، وقد اضطررت شخصياً إلى أن أدفع لبعض الناشرين تكلفة الكتاب لكي يطبعه. هل يمكن أن يصنع هذا الوضع حركة نقدية صحيحة؟ بكل أسف لم يعد العمل في مجال النقد مشرفاً لأحد. كيف يكون مشرفاً إذا كان النقاد موصومين بالفساد، وبأنهم مرتشون، تشتريهم بوجبة، وتسيطر عليهم الشللية؟ لا يقلق أحد لأن إطلاق هذا الكلام بغير استثناء، وبغير تحديد المتهم الحقيقي، يصيب كثيراً من الشرفاء في سمعتهم. وعندي مئات من الحالات التي سمعت فيها من يطلقون هذه المقولات. كل من لا يتقتنع بكتاب لا يحترم وجهة نظر الناقد المتخصص الذي يرى فيه شيئاً آخر واعدا، ويسارع باتهام الناقد في ضميره. ولا يتحرك ضمير أحد ليشعر بأنه يجرح أحداً بغير دليل. وما إن يثور الناس على مشهد جنسي في رواية يطالبون بمصادرتها حتى تجدهم يسخرون من أي ناقد يوضح أن العمل الأدبي أكبر من مشهدٍ جنسي، أو يرى أنه يمكن فهمه على نحوٍ مختلف، وحينئذٍ ينطلق الجميع في رفض السلطة النقدية. وأحيلك إلى عشرات الكتابات إبان أزمة حيدر حيدر وما شابه، يستوي فيها محمد حسنين هيكل، ومحمد سليم العوا، وحسين أمين، فكلهم كتبوا يرفضون أن يكون لرأي الناقد أهمية يعوّل عليها في هذه الأزمة. ولا يشعر أحد بأن تحطيم مصداقية النقد بسباب غير مهذب، أو بجدل يرفض سلطة النقد، يعني تحطيم جزءاً مهماً من عقل الأمة، مهمته أن يعمل على بناء الحس الجمالي عند الناس وتطويره. لقد أصبح الوضع مخزيا، إنني لا أرى شيئاً جديداً مقبلاً على النقد في السنوات القليلة المقبلة، اللهم إلا ظهور بعض الأسماء القليلة الشابة، أو تزايد حضور البعض الآخر. ويقول الناقد د. يسري العزب (أستاذ للأدب الشعبي في كلية آداب بنها جامعة الزقازيق): تسببت الصفحات الأدبية بالصحف المصرية بعد غياب المجلات المتخصصة وعدم انتظام مجلة النقد الأدبي الوحيدة (فصول) في الصدور، في إحساس المتلقي بغياب حركة نقدية قوية، تواكب الإبداع العربي الغزير في جميع المجالات (الشعر، القصة والرواية، المسرحية، الدراما الإذاعية والتليفزيونية.. إلخ )، ففي الصحف لا تجد غالباً إلا تغطيات إخبارية لآخر الإصدارات أو رؤى انطباعية تغلب عليها المجاملة يقدمها العاملون بالصحافة أو أصدقاؤهم عن بعض محبيهم من الكتاب، أما من لا يعرفونهم فلا يقدمون عن أعمالهم شيئا.. لكن الحقيقة التي تختفي تحت هذا السطح أن الكثيرين من النقاد يعملون بدأب في متابعة الإبداع الجديد عبر الندوات والصالونات الأدبية ويصدر بعضهم دراساته النقدية على نفقته الخاصة، وتستطيع بعض الكتابات الجادة أن تتسلل إلى السلسلة المهتمة بالنقد الأدبي (كتابات نقدية) التي تصدرها هيئة قصور الثقافة بشكل غير منتظم أيضا، كما يحدث أن تتسلل بعض الدراسات النقدية الجادة إلى صفحات الصحف، ولا أنسى الدور الهام الذي تقوم به سلسلة عالم المعرفة الكويتية حيث تهتم غالباً بالدراسات النقدية الجادة والجيدة في هذا المجال وغيره من المجالات الثقافية وأذكر منها هنا دراسات جادة وهامة جداً ظهرت عبر هذه السلسلة من أهمها كتابات د. عبد العزيز حمودة في كتب(المرايا المحدبة المرايا المقعرة الخروج من التيه) وكتابات د. شاكر عبد الحميد عن علم الجمال النفسي وعن فلسفة الضحك، وكتاب د.مختار أبو غالي عن المدينة في الشعر الحديث وغيرها... ويؤكد الناقد د. محمود الضبع أن الإجابة بالنفي أو الإيجاب ليست هي المحك، ذلك أن النقد موجود ما دام الأدب موجودا، وسوف يختفي النقد عندما يغيب الأدب وهو أمر يستحيل. ويقول: أما كيفية اشتغال هذا النقد فهو الأمر الأهم، فالحركة النقدية في مصر وغيرها من الشعوب العربية تعاني من أزمات عديدة، ربما ليس منشؤها الطريقة أو الآلية التي يمكن بها تحليل النصوص الإبداعية، وإنما لأن النقد والأدب كلاهما جزء من سيرورة حياة، ومن نسق منظومي للعالم وما يكتنفه من تحولات وتحديات يخصنا منها هنا الجانب الثقافي، فالسؤال المؤرق دوما: ما مصير الثقافة العربية بماضيها وحاضرها في ظل التحول إلى أنماط جديدة من الثقافة، وإلى آليات تواصل مغايرة عن تلك التي درجت عليها الثقافة العربية. من هنا تتحدد أزمة النقد المصرية والعربية فيما يمكن تسميته النقد الانطباعي، الذي غدا يحتكم إلى تحليل جماليات الخطاب، غير عابئ مثلا بآليات البناء، وآليات اشتغال العقل المنتج، وهي أمور غدت تمثل مرتكزاً ومنطلقا لبناء ثقافة معاصرة، فالنقد يجب ألا يكون عملية منفصلة عن صياغة المشروع الثقافي لأية أمة، وهو أيضا يجب ألا يركن دوما لتبعيته المطلقة للنص، وإنما على المشتغلين به أن يبحثوا عن متسع لهم ليوجهوا الحركة الأدبية في مسارات تتوجه لصالح الهوية العربية المهددة بكثير من التحديات. وعليه فالنقد موجود، ودوما سيكون موجودا، ولكن بأية آلية تلك هي القضية التي يجب الاحتكام إليها. ويقول الروائي والناقد سيد الوكيل: آمل أن النقد فى مصر الآن يعيش لحظة انتقال، وأظنها ستطول قليلاً لأنها ليست نقلة تقليدية من جيل يسلم فيها الراية لجيل آخر، بل نقلة نوعية.. هناك جيل قديم من النقاد ما زال يعمل بنفس تقاليده التى تتراوح بين النزعة الأيديولوجية والذهنية الأكاديمية أو تجمع بينها في أحسن الأحوال، يطرحون على النص الأدبي أسئلة ذات مرجعيات سياسية من قبيل، ما الأدب، الدور الاجتماعي له، علاقة الأدب بالأيديولوجيا، الأدب بين الحرية والالتزام، وهي كلها أسئلة تقليدية كما ترى. هناك عدد من النقاد الشباب أكثر استيعاباً للمتغير الثقافي الذى اجتاح العالم في ربع القرن الأخير، نتيجة لتطور وسائط الاتصال وسهولة نقل وتبادل المعلومات والمعارف، كما أننا نعيش الآن عصر الصورة، التي سوف تنتج لغتها وجمالياتها المختلفة عن الكتابة، وستغير كثيراً من المفاهيم عن النص والقراءة، ومن ثم مفهوم الإبداع نفسه الذى يتحول من الاستاطيقا التقليدية إلى نوع من المهارات التقنية التي سوف تنتج بدورها فنوناً جديدة عبر برامج الغرافيك وتقنيات الصورة، وسوف يؤثر ذلك بالتأكيد على النص الأدبي على نحو ما تسعى إليه الرواية الرقمية ورواية المعلومات، والنص المتعدّد الوسائط (الهيبرتكست)، وهذا موضوع شرحه يطول وأكبر مما نتصور، ولكن علينا توقع جيل من المبدعين والنقاد شديدي الاختلاف عما هو موجود الآن، أظن أن بعض ملامحه تتشكل الآن وربما تحتاج إلى وقت، ومع ذلك يمكن الإشارة إلى أسماء تمارس النقد فى سياق ثقافي جديد، وهم ليسوا بالضرورة من الأكاديميين، كثير منهم من المبدعين أنفسهم، بل سيكون للمثقف العام الدور الأكبر في هذا المضمار، دعنا نذكر أسماءً مثل، هيثم الحاج علي، محمود الحلواني، حمدي سليمان وفؤاد مرسي، وهكذا نرى أنها أسماء غير معروفة وهذه مسؤولية الإعلام والمؤسسات الثقافية الراديكالية، ومع ذلك فبعضهم نجح في فرض صوته النقدي مثل أحمد الخميسي ومثلي. الكرة الآن فى ملعب الإعلام الذي يعاني مشكلة مهنية وأخلاقية خطيرة، لكنه الآن يتحكم بمقاليد الشأن الأدبي، ومن ثم فإن كثيراً مما يصدر للقارئ من إبداع ونقد يمر عبر الإعلاميين، وهم بدورهم يفتقدون الخبرة النقدية، ومع ذلك فهم يؤثرون في الذائقة القرائية، ويشكلون وعي الناس من خلال أحكام احتفالية متسرعة كل هدفها ملء الصفحات، ومن ناحية أخرى فإن عدداً كبيراً من المبدعين والنقاد المتخصصين يتحولون إلى الإعلام، فهو يضمن لهم بعض الدخل الذي يعينهم على تكاليف الحياة، كما أنه يضمن لهم الانتشار السريع والواسع، ولكنهم في الغالب، ومهما كانت خبرتهم، يخضعون لشروط الإعلام، فيقعون في أحكام القيمة المتسرعة لمواكبة حركة النشر الواسع، وربما يخضعون لتوجهات الجريدة أو المجلة فيفقدون شرط الموضوعية، ولا أريد أن أتكلم عن النقد الذي يتم في إطار المصالح والصفقات والعلاقات الشخصية، لكن الأخطر في الأمر أن النقد الإعلامي يخضع لنمط الاستهلاك، فبعد فترة لا يبقى منه شيء في الذاكرة فلا يؤثر في الحراك الأدبي ولا يوجهه، وإذا فقد النقد تأثيره يمكننا أن نقول إنه لا يوجد عندنا نقد. ويؤكد الروائي فتحي إمبابي أن النقد الأدبي متخلف كلية عن المهمة المنوطة به تجاه الأدب، بل على العكس فإنه يقوم بدور سلبي، شديد السلبية عندما يقدم نصوصا متهافتة ومتهالكة باسم الحداثة، وعندما يلقي الضوء على عدد محدود من المبدعين والمبدعات العديمي الموهبة، وأيضا عندما يقوم بتزييف الواقع الأدبي لصالح مفاهيم إبداعية منفصلة عن الواقع، ومبدعين ذوي قدرات محدودة. ويضيف: إن الرواية المصرية والعربية مثلا بلغت شأنا يجعلها شجرة وارفة تمس مناحي الحياة كلها وتتميز بالتنوع الخصب والممتد زمنيا وجغرافيا، وهي بحاجة إلى اهتمام أقسام الأدب في الجامعات لتصنيفها وتبويبها والخروج منها بملامح كاملة عن عصر مضى وزمن نعيشه، ويحدد ملامح خاصة من التقنيات المتميزة للرواية العربية. ولكن كيف يتم ذلك والنقاد يركزون أقلامهم على الأدب بوصفه شذرات تتراوح بين هنا وهناك؟ وطبقا للمصالح والمنافع التي ترتبط بكتابتهم من دون أن يخلّ هذا باحترامي لعدد واسع من النقاد الذين يبذلون جهودا واسعة في قراءة الحركة الإبداعية. لا نعرف النقد في مصر ويرى الكاتب والروائي عزت القمحاوي أن السؤال عن النقد لم يكن من بين الأسئلة التي يحب أن يجيب عنها عادة؛ لأنه يرى فيها شبهة تحرش بالنقاد، ويضيف: المبدعون أيضا لديهم أمراضهم، ومن بينها سب النقد مع التحفظ المفيد: (باستثناء قلة قليلة) وهذا التحفظ الأخير من شأنه أن يوقع (كثرة كثيرة) في شباك المبدع، لأن كل ناقد سيسعى لتأمين جانب هذا المبدع الشتام والفوز برضاه! ولكنني قطعت اليوم شوطا في تحديد علاقة نصي بالنقاد، وأستطيع أن أتكلم دون حساسية أو دون أن أكون في موضع شبهة، حيث لا أبادر يالسعي إلى ناقد، وفي الحقيقة يتمتع النقاد المصريون بفضيلة قد لا تتوافر لغيرهم، إذ إنهم لا يبادرون إلى إزعاج نص لم يحمله إليهم كاتبه. بعد كل هذه التحوطات أستطيع أن أجيب بأن شيئا اسمه »النقد« لا نعرفه في مصر، وهذا ليس بالشيء الغريب، ولا بالخسارة الكبيرة، فالنقد جزء من آلية اجتماعية وسياسية تعمل في تناغم وانسجام. ولا يمكن أن يكون هناك كل هذه العتمة التي نراها في السياسة، وكل انعدام الشفافية في الاقتصاد ونطالب بطينة خاصة نخلق منها نقادا للأدب والفن، يرتفعون حول حاجاتهم الشخصية ورغباتهم. تلك الحاجات والرغبات، لا تستبعد نصا وتقدم الآخر فقط، بل إنها تفرط في العاطفة تجاه ما تختار، بحيث تصبح أوصاف العظمة والريادة والسبق مبذولة للجميع حتى تفقد اللغة معناها، تماما مثلما اعتبر كل تفريط في السياسة بطولة، وكل تجويع جديد حلقة في مسيرة الرخاء! وفي رأيي أن هذا الإفراط في إهانة اللغة والخروج بها عن الاستخدام الرشيد هو السبب في مقتل النقد، أما مقتل النص فيكمن في انتظار النقد. ومن محاسن المصادفات أن المبدع مثل المزارع يستطيع أن يطمئن على أحوال بستانه أو حقله بالنظر إلى بساتين الآخرين دون حاجة إلى مهندس يستشيره فيما يجب عليه فعله، كما أن هذا المهندس لن يكون بمقدوره إقناع المارة بأن ذلك الزرع العليل هو الأفضل بين ما رأوا بأم أعينهم. ويقول القاص والروائي منتصر القفاش: أحيانا أجد أهم إشكاليات النقد التطبيقي طول المقدمات ولست اقصد فقط المقدمات النظرية التي تتصدر الدراسات بل تأجيل الحوار مع النص الى ابعد حد وتفضيل إعلان الناقد ما يهواه ويميل إليه في الكتابة بشكل عام دون ان نلمح إمكانية ان تتخلخل ثوابته او ان يعاد فيها النظر من خلال الحوار والاشتباك مع النص. وبالإمكان أيضا العثور على الكثير من الدراسات التي رغم تعاملها من النصوص من اول سطر فيها لكن نجدها تطمح الى التأكيد على أنها تساير الإبداع الجديد من خلال ترديد الشائع من مقولات دون ان نتعرف على القراءة الخاصة للناقد أو كيفية حواره مع النص. أسباب كثيرة لهذه الحالة منها على سبيل المثال انغلاق جامعاتنا على نفسها وعدم انفتاحها على ما يحدث في الواقع الأدبي، فنادرا في مصر مثلا ما يدعى مبدع ليتحاور مع الطلاب عن أدبه والتيارات الأدبية المختلفة بالإضافة الى ان ما يدرس في تلك الجامعات ما زال يتحصن ضد الكتابات الجديدة ويجدها لم تبلغ سن الرشد بعد مما يفضي الى تخريج أعداد من حاملي الدكتوراه يصطدمون بما يحدث في خارج الجامعة ولا يجدون سوى ان يطيلوا المقدمات وترديد ما هو معروف وقتل بحثا. يحضرني هنا مثال مناقض وأعني به يحيى حقي، وبغض النظر عن تصنيف كتاباته النقدية الا ان اهم سمة فيها كشفه لكيفية ارتحاله في النص سواء مكتوب او مرئي او مسموع النقد عند يحيى حقي ان تقدم تجربتك مع ما تنقده وأن تجذب القارئ الى مشاركتك هذه التجربة على مسؤوليته الخاصة دون ان تفرض عليه وصفة مضمونة ومجربة من قبل. وهذا ما نحتاج إليه بشدة الآن. ويؤكد الشاعر جرجس شكري أنه لا توجد حركة نقدية في مصر، وأن هناك حالات فردية متميزة أحيانا وهي أيضاً حالات قليلة جداً، لكن حركة نقدية بمعنى حركة تؤسس اتجاهاً فهذا غير موجود أبدا، ويقول: لأنه على الأقل لكي تقوم وتنشأ مثل هذه الحركة لا بد من ظروف وشروط، الأمر غير المتوفر في اللحظة الراهنة في مصر، أبسط الأمور أننا لا نمتلك مطبوعة ثقافية واحدة لها معايير ومبادئ كما كان من قبل في مجلات الكاتب والطليعة والقاهرة (برئاسة غالي شكري)، وهذا ربما يحدث للمرة الأولى، إن من يقرأ الواقع الثقافي المصري سيواجه بسؤال: أين المجلات الثقافية؟ هناك مطبوعات ربما تعتني بشؤون الأدب ولكن لا يمكن أن نراها كمطبوعة ثقافية فأغلبها للنميمة والمجاملات، منذ سنوات تم إلغاء المجلات الثقافية في مصر، أيضاً إذا نظرنا للصورة كاملة لا يمكن الحديث عن حركة نقدية إذ إنها جزء من واقع ثقافي عام غير موجود، هنا في مصر كل شيء يوجد ولا يوجد في الوقت ذاته، على سبيل المثال هناك عشرات الكتب الأدبية تصدر وكأنها لم تطبع، هناك عشرات المسرحيات تكتب وتنتج ولا يشاهدها أحد، وإذا ذهبت إلى هذا المسرح أو ذاك ستجد أنك أمام مسرح لا معنى له ولا يطرح قضية أو رؤية أو تقنيات فنية أو اتجاه مسرحي أو حتى يطرح سؤال اللحظة، هناك أشياء كثيرة جداً تبدو موجودة وهي في حقيقة الأمر غير موجودة وهذا ينسحب على كل المجالات الفنية والأدبية. إن اللحظة التي نعيشها فاسدة وأدق توصيف لها أن كل شيء فيها عشوائي، وللأسف المؤسسات الرسمية تشجع على ذلك بكل الوسائل والطرق بدءا من وجود مسؤولين على رأس كل ما يتعلق بالثقافة والأدب والفن أدق توصيف لهم أنهم جهلة وضمائرهم فاسدة... إن الحركة النقدية تحتاج لكي تكون إلى مناخ صحي تتوافر فيه بعض الشروط وجود حالة شعرية تقدم الجديد والمختلف، بالطبع هناك شعر لكن أيضاً حالات فردية، وكذلك الأمر في المسرح، إن توافر الإبداع أولا هو الذي يؤسس حركة نقدية. دور مخرب للصحافة الأدبية يقول الشاعر فارس خضر: الباحث عن تيار نقدي وسط هذا العبث الإبداعي كمن يبحث عن دليل الصحراء بعد ضياع، لكن الراجح أن شذرات نقدية هنا وهناك تتناثر على خريطة المشهد الإبداعي كالبثور الناشفة على وجه ملتبس، فمع نهاية جيل الستينيات سقط تماما جيل نقدي لم يعد قادراً على مواكبة التغيرات الراديكالية في جماليات القصيدة العربية، حتى إن جيل السبعينيات استعاض عن ضحالة المتابعة النقدية الواعية لإبداعاتهم بالتنظير لأنفسهم، ومنذ الثمانينيات وحتى الآن تشكل ما يمكن تسميته بجيل الزمن الضائع، فإذا كان الستينيون وجدوا أحلاماً يتغنون بها ورؤى جمالية ينحازون إليها ونقاداً يدافعون عن قناعاتهم، فإن السبعينيين شهدوا انهيار هذه الأحلام والجماليات والرؤى، وردوا عبثهم الشعري إلى عبث الواقع السياسي والاجتماعي، أما نحن جيل التسعينيات الشعري الذي تربت ذائقته خلال فترة الثمانينيات فلم نشهد أحلاماً ولا انهيارات، ووقعنا في المنطقة الرمادية الباردة، المنطقة الصفرية سياسياً واجتماعياً، فجاءت انحيازاتنا الجمالية مغايرة وصادمة لنقاء أصحاب الأطر والقوالب الجاهزة، حتى إنهم انسحبوا من الساحة مدّعين التجاهل، وهم في الحقيقة غير مؤهلين لتناول القصيدة الجديدة بعدتهم البالية وذائقتهم المتربة، وإذا ما اجترأ أحدهم على محاولة الولوج لهذا العالم الجديد فإنه ينتقي الأسماء الأكثر لمعاناً وبريقا، وإن لم يكونوا الأكثر شعرية ليتكلموا عنهم كلاماً فخيماً فضفاضاً يبدو للوهلة الأولى مقنعاً لكنه خال تماماً من النفاذ إلى جوهر الروح الشعرية، وللأسف الصحافة الأدبية تلعب دوراً مخرباً ومناهضاً للقصيدة الجديدة وذلك بالإصرار على تقديم النماذج الرديئة لأن كثيراً من مسؤولي النشر لا يقدرون على التفرقة بين النص الجيد والنص الرديء، ويكفي أن نذكر أن مجلس د. جابر عصفور (الأعلى للثقافة) لم يتذكر أن تياراً شعرياً يتسيّد المشهد الإبداعي منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما دون أن يحاول من قريب أو بعيد الاقتراب منه، في الوقت الذي يصدع أدمغتنا بمؤتمراته الحنجورية المتكررة والسقيمة. وترى القاصة والروائية نجلاء علام أن الحركة النقدية فى مصر انقسمت إلى نقد نظري وآخر نقد تطبيقي وبالنسبة للنقد النظري فقد انطوى وراء النظريات النقدية المستوردة مع ملاحظة تأخره في ملاحقتها ولهذا تظهر عندنا دائما نظريات (بايتة) إذا جاز التعبير، هذا بخلاف أن هذه النظريات تكون صنعت وفق منظومة في الكتابة مختلفة عن كتاباتنا نحن، وفي الغالب يقوم الناقد بتطبيق هذه النظريات المستوردة على الأعمال الأدبية المكتوبة في مصر والعالم العربي دون ان يدخل عليها أي تعديلات تتوافق مع الكتابة التي ينقدها، وفي هذا السياق اذكر مجهودات دكتور سيد البحراوي في ما يخص التبعية الثقافية لدينا للغرب أما النقد التطبيقي اي الذي يتناول الأعمال الأدبية بالنقد والتحليل الموضوعي فهو في الغالب لا يرى سوى نسبة بسيطة من الأعمال التي يكون حظها من الترويج الإعلامي جيد أو أن أصحابها صادفوا حظا من الشهرة السابقة وعلى هذا لا يتم الانتباه لأعمال جيدة ومختلفة بالفعل، ولكن أملي في النقاد الشباب الذين يجب ان ينتبهوا لجيلهم ويولوه اهتمامهم فمنذ الخمسينيات ونحن نجد جيلاً من المبدعين ينشأ وينشأ معه جيل من النقاد يتناول أعماله بالتحليل أما الآن فقد حدثت فجوة بين الإبداع والنقد، وأعتقد ان على كليهما ان يعبر الى الآخر حتى تتلاشى هذه الفجوة. (القاهرة)