As Safir Logo
المصدر:

عبد الناصر: الأمة والدور والقائد

المؤلف: قاسم جميل التاريخ: 2005-07-23 رقم العدد:10151

هل انتهت فرنسا بعد موت ديغول؟ كلا! لماذا خمدت »الثورة العربية« بعد موت عبد الناصر إذاً؟ انطوى كتاب »فلسفة الثورة« وهو مؤلف عبد الناصر الوحيد المكتوب على تصور تحرري (شبه ليبرالي، واشتراكي دولوي، اشتراكية الدولة) وهو النموذج الذي كان سائدا في حقبة الستينات من القرن العشرين. يشبّه الكاتب عبد الناصر خواطره في مقدمة كتابه، بنوع من التحليل النفسي للذات، »بمحاولة لاستكشاف نفوسنا لكي نعرف من نحن وما دورنا في تاريخ مصر والعرب ومحاولة لاستكشاف الأهداف والطاقات، والظروف المحيطة« (فلسفة الثورة، دار الأنوار، ص 25) يشعر الضابط العسكري برهبة أمام العنوان »فلسفة الثورة« ويحاول التجريد فيقول بأن »ثورة 23يوليو« هي تحقيق للأمل الذي راود شعب مصر منذ العصر الحديث في أن يكون حكمه بأيدي أبنائه، وفي ان تكون له نفس الكلمة العليا في مصيره«، (المرجع نفسه ص 29) ألا تعني الديموقراطية حكم الشعب؟ يشخّص عبد الناصر في فلسفته الانتفاضة او »التمرد« او »الثورة« بالقول »اننا ككل شعوب الأرض نعيش في ثورتين وليس في ثورة واحدة: ثورة سياسية يسترد بها الشعب حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فُرض عليه، أو من جيش معتد أقام في أرضه دون رضاه، وثورة اجتماعية تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن. ولئن كانت الثورة السياسية تتطلب لنجاحها وحدة عناصر الأمة وترابطها في سبيل الوطن فالثورة الاجتماعية، من أول مظاهرها، تزلزل القيم وتخلخل العقائد، وتصارع المواطنين مع أنفسهم، أفراد وطبقات.. وهكذا يوم سار عبد الناصر ورفاقه في طريق الثورة السياسية وخلعوا الملك فاروق عن عرشه ساروا في خطوة مماثلة في طريق الثورة الاجتماعية فقرروا تحديد الملكية. ورأى عبد الناصر، حينها انه ينبغي على »ثورة 23 يوليو« ان تحقق السير في ثورتين في وقت واحد، بل في عدة ثورات في ثورة واحدة (او ثورة متعددة) تجمع الاستقلال والحرية والوحدة والتنمية الاقتصادية في آن معا. وهو الأمر الذي فعله ماركس قبلا في نظريته الاشتراكية، لاستنباط نظرية في السياسة تقوم على أسس عملية علمية في الانسان والمجتمع قوامها: أ كشف طابع ونتائج الاستلاب السياسي في المجتمع الرأسمالي الذي يفصل الانسان العاجل (المنتج) عن عمله وإنتاجه. ب القضاء على الاستغلال (والاستثمار) ونتائجه في علاقة الإنسان بالإنسان. ج الكشف عن أساس هذا الاستغلال والاستثمار اقتصاديا وصياغته لقانون فائض القيمة الذي يقوم عليه التراكم الرأسمالي، واستغلال الانسان لجهد الإنسان الآخر. ظهر عبد الناصر »وثورة 23 يوليو« في حقبة محو الاستعمار Dژscolonalisation كرد تاريخي على اخفاق مشروع النهضة العربية في اقامة حداثة بنيانية تمحورية Autocentrژ في ظل حالة التخارج السياسي والاقتصادي، فحلت مقولات »الثورة« و»الوحدة« و»التنمية« محل »النهضة« في البحث عن مشروع يضفي المشروعية على العرب وينقلهم من حالة القدرة الى حالة القوة، او بالأحرى من حالة الوجود الى حالة الكينونة (الوجود الفعّال). وقد حاولت مصر، بقيادة عبد الناصر، تعويض الاخفاق التاريخي في مجال النهضة بالتنمية، أي بإقامة تنمية صناعية ذاتية كفافية، متساوقة القطاعات الانتاجية (الزراعية، والصناعية، والتجارية)، تكفل الأمن الاقتصادي الذاتي، في تجربة تنموية تقترب في صيغتها من مفهوم التنمية الشاملة (بمعنى التعديل التاريخي لوضعية الإنسان على مختلف أصعدة الحياة) منها الى مفهوم التنمية الاقتصادية، بمعناه الحصري. وقد حققت مصر والعرب بقيادة عبد الناصر مكانة عالمية وإنجازات كبرى، في مجالات السياسة العربية المشتركة، والسياسة الدولية (مجموعة عدم الانحياز) فماذا جرى يا ترى؟ ولما هزت هزيمة حزيران كل البداهات واليقينيات، بحيث صار اليقين كما يقول نيتشه أخطر من الريبة؟ لماذا عجزت الأمة العربية في انتقالها من مرحلة الاستعمار او محو الاستعمار الى »الاستقلال« عن إنجاز مشروع يؤكد مشروعيتها كأمة وسطى؟ هل يمكن أن تقوم تجربة تحررية بدون تجربة ليبرالية تحررية بنيانية على أساس الحداثة العصرية، ومقوماتها العصرية (التنوير وقيمها كالديموقراطية والعقلانية والعلمانية، والمواطنية الفردية)؟ لقد أظهرت هزيمة حزيران إحباط الأيديولوجية العربية في الانتقال من النهضة الى الحداثة وربطته بالتأخر الفردي والجماعي، السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري، البنياني ولم تعد الأفكار والنظريات القومية (الوحدوية) كافية بحد ذاتها، وذات دلالة وصارت هي بذاتها بحاجة الى مراجعة دلالية بحثا عن منطق المعنى، ومنطق السلطة وإرادة القوة المحددة للخطاب، لا سيما ان النوائب والهزائم المتكررة في مصر، وفلسطين، والعراق، قد كشفت عن الطابع الدولوي والشخصوي والأيديولوجي الخطابي، والحزبي الأحادي لمنطق السلطة. وسلطة المنطق تفيد بأن لا سلطة حديثة فوق سلطة النقد، ولا سلطة بدون ديموقراطية (بما تعنيه الديموقراطية: سلطة الشعب). والنقد (القائم على حرية الفكر وحرية الرأي والرأي الآخر بمنظور فلسفة الاختلاف) هو الذي من شأنه ان يخضع السلطة لارادة الشعب والأمة، وليس لارادة القوة (السلطة (Power. لقد فسر النقد الذاتي لهزيمة حزيران إحباط الأيديولوجيات القومية (واليسارية) بغياب تراث تحرري (ليبرالي) إنساني، أدى غيابه الى نشوء حداثة مفوتة. كما رأى ان مصر ما قبل عبد الناصر كانت متقدمة على مصر الناصرية من الوجهة التنويرية، رغم تقدم مصر الناصرية على المرحلة السابقة أيديولوجيا (من الوجه القومية) الأمر الذي كشف عن ايديولوجيا شمولية ضعيفة فكريا وبنيويا في مجال بناء الفرد والجماعة، رغم قوتها الايديولوجية (الميديائية والخطابية). إذ كانت الدولة العربية ومنها الدولة الناصرية دولة شمولية، تقوم على سلطة الحزب الواحد، والأيديولوجيا الأحادية والشخصوية وعبادة القائد (الواحد والوحيد). ويلاحظ ان سياسات عبد الناصر واستراتيجيته رغم شعبيته المنقطعة النظير كانت »بسماركية« لا تقوم على مبادرة الشعب السياسي وفعله وفعاليته، وإرادته وإنما على انفعاله، ومشاركته السلبية. هل يمكن ان تقوم الوحدة بدون حرية ومشاركة، والحرية بدون ديموقراطية؟ وكانت الدولة ديوانية (بيروقراطية) متضخمة تقوم على سلطة الأجهزة والاعلام لا على سلطة العلم والعمل. وفي العالم الثالث، عالم التأخر والتخلف والأمية والجهل، والتراث السلفي والبطركي، وأخلاقية التقليد الاتباعية والماضوية لا يمكن للديموقراطية (حكم الشعب) ان تنفصل عن الحداثة وقيمها الأنوارية. كما ان ممارسة العمل الوحدوي كانت أقرب الى منطوق العمل الانقلابي منه الى مفهوم العمل الثوري الديموقراطي، وبدل استثمار الطاقات والامكانات الجماهيرية والشعبية الحزبية التعددية القائمة على منطق الاختلاف والتعددية قامت التجربة الحزبية على التطابق والأحادية الأيديولوجية، ومنطوق التضاد والتناقض (من هو مختلف فهو مضاد للثورة) وشتان بين الخلاف والاختلاف، والتعددية والأحادية. لا بل رفضت الحزبية باعتبارها رديفا للبدعة والفرقة (بل الخيانة) والحال فالديموقراطية الحقة هي التي تعبر عن تعددية الآراء والأهواء والملل والنحل والعقائد ولا يمكن الحديث عن ثورة ديموقراطية بدون تعددية حزبية وعقائدية وإيديولوجية. كما كانت الناصرية مناوئة للعلمانية (حتى بمفهومها الايجابي المحترم للقيمة الدينية، كما هو الأمر في تركيا الحديثة، وماليزيا وغيرها من الدول الديموقراطية). وقامت الناصرية على مفهوم ديني تقليدي، ولم تحاول إحداث إصلاح ديني، مرادف للاصلاح السياسي بالعودة الى اسلام لا سلفي، تعددي يستمد من الفرق الحية كالمعتزلة والمرجئة والمتصوفة والفلاسفة، رغم وجود محاولة إصلاحية سابقة في مصر (غير مستكملة) تقوم على الجمع والتقريب ما بين المذاهب (الإمام محمد عبده). لقد كانت الطموحات الوحدوية والتنموية لمصر الناصرية كبيرة بإجماع الأعداء والأصدقاء (ها نحن نتحدث بلغة »الاجماع« السلفية أيضا)! وقد حاولت في طروحاتها وصياغاتها ان تكسر حلقة التخلف والتأخر والتبعية بمختلف أشكالها، وكانت التنمية الاقتصادية كما ذكرنا، أقرب الى مفهوم التنمية الشاملة منها الى مفهوم الإنماء الاقتصادي الحصري، من هنا لم يكن النكوص في تجربة التصنيع في مصر سببه النموذج اللارأسمالي او الاشتراكي الشمولي، كما قيل، إذ برهنت التطورات اللاحقة عن امكان لأنماط من اشتراكية السوق، او بالأحرى الاشتراكية الديموقراطية الاجتماعية المتعددة القطاعات، وإنما كان سبب الاخفاق الطابع التلفيقي والتوفيقي، والتجميعي للتنمية الاقتصادية. إذ قامت استراتيجية التنمية على نمط الاحلال محل الواردات والصناعة التجميعية. وقد أسفرت التجربة الناصرية ومفهومها للدولة عن نكوص سياسي في مجتمع متأخر ومتخلف وبنى اجتماعية نصف اقطاعية، عشائرية وبطركية (أبوية) جعلت الدولة في نهاية المطاف أقرب الى المؤسسة السلطانية، ومن الأمر السياسي شأنا من شؤون الطبقة الحاكمة (وليس علاقة تبادلية بين الحاكم والمحكومين). وكل هذه الأمور تؤكد كما لاحظ ماكس فيبر في كتابه الشهير »البروتستانتية وروح الرأسمالية« أن الحداثة ليست عملية سياسية واقتصادية مجردة بل هي عملية ذهنية وثقافية وروحية تنطوي على مفاعيل سلوكية وآدابية (أخلاقية) ومناقبية تتأسس عليها الحداثة كالعمل والمبادرة والمسؤولية والعقد والعهد والوعد والائتمان والانتاجية والدقة والتداول والتراكم والجهد الخ. وقد أظهرت التجربة الناصرية والتجارب القومية الأخرى أن هذه المفاهيم كانت ولا زالت تصطدم بمعوقات البنى والذهنيات العصبية والعائلية والعشائرية. ولا شك في أن هذه البنى والذهنيات (الطائفية والعائلية والعشائرية) من شأنها ان تؤثر على الفعالية السياسية والاقتصادية الأدائية، ومن شأنها ان تكبح التقدم وتمنع التطور في علاقة الانسان بالآلة (بما فيها آلة الدولة وآلية الحكم) والفرد بالجماعة، والمجتمع بالمجتمع الإنساني. في مؤلفه الوحيد ولكن الفريد »فلسفة الثورة« يتحدث جمال عبد الناصر عن دور تائه يبحث عن بطل يقوم به، وقد حدد في هذا المؤلف الدور وملامحه ومكانه وقد قام عبد الناصر فعلا لا قولا بلعب هذا الدور، فهل يمكننا كعرب ان نلعب الدور الذي لعبه ولم يستكمله عبد الناصر في المكان عينه (الوطن العربي) والزمان الجديد، ما بعد عبد الناصر: ذلك هو السؤال الذي يبحث عن دور وبطولة وأمة تلعب دورها الإنساني على مسرح الحياة من جديد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة