توّج تيار المستقبل، بالتضامن والتعاون مع الحلفاء الآخرين في الحكومة، العماد ميشال عون، عمادا للمعارضة، وأهدوه النصف الآخر من الديموقراطيّة، بحيث يصول ويجول في ساحة النجمة، وفي الساحات السياسيّة الاخرى، من موقع »القوي، المتحررّ من مركبات النقص، القادر على الانتقاد، والمواجهة، والتصدّي للخطأ، وتصويب الانحراف أينما وُجد على مستوى السلطة التنفيذيّة، لبلوغ الحكم الرشيد؟!. لم يأت هذا »الامتياز« من باب الصدفة، وهناك من يسأل دائما: أين السفير الاميركي جيفري فيلتمان من ذلك؟ وأي قطب مخفيّة حاكتها الحركة المتحفظة للسفير الفرنسي، برنارد إيمييه، حتى يسفر حلّ أحجية الكلمات المتقاطعة والأصح التحالفات المتقاطعة عن حكومة »الانسجام الاكثري«، المضمون، والمؤمن في المجلس النيابي، بدلا من حكومة »الاتحاد الوطني«، او »الوحدة الوطنيّة«، أو خلاف ذلك من الشعارات »التآلفيّة التوفيقيّة« الاخرى؟ لقد أمضى السفير فيلتمان يوما طويلا ومضنيّا، قبل ان تبصر الحكومة النور، بدأه في الديمان، وانهاه ليلا في القصر الجمهوري، مرورا بالرابيّة، ومحطات سياسيّة أخرى. ظاهريّا: كان ينفّذ وديعة نائبة مساعد وزيرة الخارجيّة الاميركيّة اليزابيت ديبل بعد زيارتها بيروت، حيث أكدت على الاسراع في تشكيل الحكومة، بعدما استهلت تحرّكها في لقاء »تبادل وجهات النظر« مع العماد ميشال عون. ضمنيّا: يتعدّى البحث الشكل الى الجوهر. لم تكن هناك على الاطلاق عقدة اميركيّة اسمها »مشاركة حزب الله في الحكومة«، بل على العكس »كان هناك إصرار على الجمع بين أطياف القوة الشعبيّة التمثيليّة التي تجلّت في انتفاضة رياض الصلح، مع أطياف القوة التمثيليّة التي تجلت في انتفاضة 14 آذار في ساحة الشهداء والساحات المحيطة، وان »الايدي السحريّة« التي احتضنت التطورات السياسيّة منذ صدور القرار 1559 عن مجلس الامن الدولي، كانت قادرة على الجمع بين »حزب الله«، وحركة »أمل« من جهة، مع حزب »القوات اللبنانيّة« من جهة أخرى، في حكومة واحدة، وان يبقى التيار العوني خارج هذا النوع من »الائتلاف الحكومي« الذي يضم أيضا الى جانب »تيار المستقبل«، قرنة شهوان ، واللقاء الديموقراطي بزعامة وليد جنبلاط... وتبقى معرفة الغرض من هذه »الجَمعة الوزاريّة« في حكومة الرئيس السنيورة، على الرغم من أن العديد من السفراء الغربييّن يؤكد أن هذه الحكومة ليست بحاجة الى بيان وزاري، وان البيان الوزاري الأصلي، والجدّي، الذي سيُعتمد، قد يكون غير المكتوب، والمدوّن، وهناك مظلّة دوليّة واضحة ضاغطة باتجاه وضع مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري الاصلاحي، والسياسي، والاقتصادي، موضع التنفيذ، وإن المتطلبات المرجوة من لبنان بدءا بباريس 1، وصولا الى باريس 2، هي من الاولويات، وان القرار 1559، هو من الفرع، لا الأصل، وجاء بما يحوي في بعض بنوده، ليخدم بعض التفاصيل الواردة، والمندرجة في سلة الاصلاحات المطلوبة، كي يحظى لبنان »بشهادة حسن سلوك دوليّة«، ويستعيد مكانته، في ضوء المعايير الغربيّة المطلوب تطبيقها، او التعاطي معها بمرونة، وإيجابيّة. خارج هذا الاطار المرسوم بعناية فائقة، و»بأنامل سحريّة فولاذيّة«، لا شيء يوحي بالاطمئنان، أو يستأهل معارضة شرسة يفترض ان يستعد لها العماد عون وحلفاؤه، لأن عناصر الفرقة في هذا »الكوكتيل الحكومي«، أكثر من عناصر الجمع والألفة، وعوامل التصادم والتباعد، أكثر من عوامل التفاهم والتناغم، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكفي القول إنها أول حكومة تشكل بعد انتهاء عصر الهيمنة السورية، لتواجه أخطر ازمة على الحدود اللبنانيّة السوريّة؟ لقد ولدت في حضن هذه الأزمة، لتواجهها، وبالتالي، لتنصرف فور نيلها الثقة من مجلس النواب، لتعالج أسبابها، وخلفياتها، ونتائجها، وتداعياتها، وهذا يعني ان »حكومة صنع في لبنان«، عليها مواجهة ازمة تصدير كلّ ما صنع في لبنان من منتوجات صناعيّة، او زراعيّة، وفتح الحدود كي تعبر هذه الصادرات الى سوريا، ومنها الى كافة الاقطار العربيّة الاخرى. لقد أصاب الرئيس السنيورة عندما أعلن أنه سيجتاح سوريا بالمحبة، وإظهار النوايا الطيبة، والاستعدادات الايجابيّة لبناء علاقات ثقة قائمة على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل. وأصاب أيضا عندما أعلن أنه سيزور دمشق بعد نيل الحكومة الثقة، وان أول تحرك خارجي له، سيكون الى العاصمة السورية لإصلاح ما »افسده الدهر.. والغدر؟!«، ولكنه أخطأ عندما استجار بالجامعة العربيّة، على الرغم من الحنكة السياسيّة الدبلوماسيّة الرفيعة التي يتميّز بها الامين العام عمرو موسى. إن زيارة موسى الى دمشق قد عقّدت الامور بدلا من ان تساهم في حلحلتها، وسمع كلاما واضحا وصريحا حول رفض تعريب ما هو قائم على الحدود اللبنانيّة السوريّة، وإصرارا على خصوصيّة المعالجة النابعة من خصوصيّة العلاقة، حتى قيل في بعض الاوساط ان تحرك موسى قد أفقد الزيارة المرتقبة للرئيس السنيورة بعضا من الوهج الكبير الذي كان مرتقبا لها؟ يضاف الى ما يقال عن »الولادة«، أن هذه الحكومة وجدت نفسها فجأة بين أنياب القرار 1595 الخاص بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبين تقاطع خطر كان مدار تداول امس في بعض الاروقة الدبلوماسيّة، من منطلق ان حقيبة وزارة العدل قد حجبت عن »التيار الوطني الحر«، لتسند الى الدكتور شارل رزق، الوزير المقرّب من رئيس الجمهوريّة، في وقت أشار فيه رئيس فريق التحقيق الدولي ديتليف ميليس، الى قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، في سياق الحديث الذي ادلى به الى صحيفة »الفيغارو« الفرنسيّة، الامر الذي أضفى الكثير من علامات الاستفهام حول تخلي »تيار المستقبل« عن هذه الحقيبة التي تمسك بها النائب سعد الحريري بقوة، ولضرورات تتصل بعملية التحقيق في جريمة اغتيال والده، والاسباب الخفيّة التي دفعت به للقبول بهذا التخلي، وتجييرها الى »حصّة« الرئيس لحود، والجهات التي شجعته على »القبول بهذه التسوية التي اسهمت في إنضاج طبخة الحكومة؟!«. قد لا يكون هذا الجديد الذي نضح عن لجنة التحقيق الدوليّة، هو بمثابة لغم في طريق الحكومة، ولكن في مطلق الاحوال هناك الكثير من الألغام التي تنتظرها، فهي بطبيعتها، ليست حكومة اتحاد وطني، ولا حكومة وحدة وطنيّة، الامر الذي دفع بالبعض الى طرح السؤال عن مصير الطائف، بعد ان انتهى عصر الرعاية السوريّة التي كانت بنظر كثيرين، عاملا سلبيّا معطّلا لتطبيقه، ولقيام هذا النوع من الحكومات التي نصّ عليها صراحة. ثم هل ستلتزم هذه الحكومة في تطبيق هذا الاتفاق نصّا وروحا، ام أنها ستجد نفسها محاصرة في بحر من الأولويات، والمستجدات التي ستدهمها، وستفرض نفسها على طاولة البحث، والمعالجة. وفي مطلق الاحوال، يمكن القول ان حسابات الربح والخسارة القائمة على معايير المحاصصة، والغنم الذي تمكن كل طيف سياسي من تحقيقه في التشكيل الحكومي بالتنسيق والتعاون مع الاطياف المتحالفة في المجلس النيابي، قد انتهت، وغدا يوم آخر، ولن يكون بريقه حصرا بهذه الحكومة، وأدائها، وطريقة تعاطيها مع التحديات، والملفات الساخنة، بل ان المعارضة بقيادة العماد عون سوف تخطف الكثير من وهجه، إذا ما عرفت كيف ترتقي بالأداء السياسي الديموقراطي من الزواريب الطائفيّة، والفئوية، والمصلحيّة، الى المستوى الوطني، وما تقتضيه المصالح الوطنيّة العليا. ومن المفيد القول بأنه ليس فؤاد السنيورة وحكومته، وحدهما، أمام الامتحان، بل ميشال عون، وحلفاؤه، وتحالفاته أيضا؟!