غيّب الموت، أمس، أقدم مصرفي عربي والمؤسس لأكبر مصرف عربي عبد المجيد شومان، الذي تحدّى عمره (94 عاماً) فظل يعمل إلى ما قبل فترة قصيرة، فيداوم في مكتبه في المصرف العريق في عمان، ويشارك في حضور المؤتمرات والاجتماعات الاقتصادية ويُدلي برأيه فيها. وتكاد حكاية عبد المجيد شومان أن تكون أسطورة، فهو ابن عبد الحميد شومان الذي نشأ فقيراً في بيت حنانيا قرب القدس، وبدأ حياته في تقطيع الصخور إلى حجارة بناء، قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة حيث زاول مهناً تجارية بسيطة سرعان ما نمت فجعلته صاحب ثروة. ولقد عاد إلى فلسطين عن طريق مصر حيث حاول إقناع أحد بناة الاقتصاد الوطني المصري، طلعت حرب، لافتتاح مصرف في فلسطين، فلما اعتذر افتتحه وحده برأسمال قدره 15 ألف جنيه استرليني. ولقد نشأ عبد المجيد في أحضان المصرف الذي شهد تطوراً عظيماً على امتداد السنين، إلى أن شهدت فلسطين إضراب الستة أشهر احتجاجاً على الاستعمار البريطاني الذي اتهم بالتمكين للإسرائيليين من فلسطين. خلال تلك الأزمة أبلغ شومان أصحاب الودائع أن ودائعهم في أمان، عارضاً على من يريدها أن يسحبها... وبعد نكبة فلسطين في العام 1948 كان المصرف الوحيد الذي أعاد الودائع لمن طلبها، في حين تذرّعت المصارف الأجنبية بالحرب لتمتنع عن ردها إلى أصحابها. ومعروف أن البنك العربي هو أكبر شبكة مصرفية عربية، وله فروع في مختلف الأقطار العربية، من المغرب وحتى الجزيرة والخليج ما عدا الكويت. ولقد صمد البنك العربي، الذي تمّ تأميم فروعه في العديد من الأقطار العربية (مصر، سوريا، المغرب، الجزائر)، حتى تمّ التراجع عن التأميم فاستعادها في سائر هذه الأقطار وفرعه في سوريا الآن قيد التأسيس مجدداً. كذلك فقد لعب المصرف دوراً مميزاً في دعم المشاريع في فلسطين بعدما قامت فيها »السلطة الوطنية« وإن كانت إسرائيل قد منعته من أن يعود إلى القدس، حيث كان الفرع الأول والمقر العام. ولقد رعى عبد المجيد شومان المصرف طيلة عمره، فلم يكن له همّ آخر... وهو كان يستغل أية فرصة لدعم رأسماله بمساهمين جدد ولدعم قدراته بكفاءات جديدة... حتى لقد قيل إنه كان يعرف كل الناس كما أن جميع الناس يعرفونه. ولا يمكن اعتبار عبد المجيد شومان مجرد رجل مصرفي يمثل البنك العربي فقط، فالرجل حمل ولأكثر من 75 عاما قضاها في البنك ملفات الاقتصاد العربي وهو يعدّ أحد رواد الصناعة المصرفية في العالم العربي. وأعلنت وفاة شومان في بيان أصدره البنك العربي جاء فيه ان »الأردن فقد صباح اليوم (أمس) الثلاثاء أحد أقطاب بناة الاقتصاد الوطني بعد رحلة طويلة في بناء وتأسيس القطاع المصرفي الأردني والعربي«. وأضاف البيان أن الملك الأردني عبد الله الثاني »أمر بدفن الفقيد في المقابر الملكية« في أعقاب الجنازة المتوقعة ظهر اليوم، وذلك تقديراً لمساهماته في دعم الاقتصاد الأردني. وكان شومان قد أدّى دوراً حاسماً في منع وقوع عدد من الأزمات الاقتصادية وتدخل لدعم العملة الأردنية خلال الأزمة المالية في العام 1989 وفي الفترة الانتقالية التي صاحبت وفاة الملك الأردني السابق حسين في العام 1999، كما كان له دور رائد في استقطاب أموال الفلسطينيين في الخارج. وترأس شومان مجلس إدارة البنك العربي والعديد من المؤسسات الأردنية والعربية، وكان من مؤسسي الصناعة المصرفية العربية كما شغل مقعدا في مجلس الأعيان الأردني لدورتين. كما أسس البنك شركات في الأراضي الفلسطينية حيث يستحوذ على حصة الأسد من 4 مليارات من ودائع المصارف الفلسطينية. ويشير مصرفيون عرب الى أن دور البنك في دعم صمود الفلسطينيين اقتصاديا، كان وراء دعاوى أقامها أميركيون وإسرائيليون في نيويورك اتهموا فيها البنك بدعم أسر استشهاديين فلسطينيين. وُلد شومان في بيت حنانيا قرب القدس في العام 1912، قبل أن يهاجر والده في الربع الأول من القرن الماضي الى الولايات المتحدة، حيث أنهى عبد المجيد دراسته الثانوية قبل أن يلتحق بجامعة نيويورك حيث حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الاقتصاد والعلوم المصرفية في العام 1936. عُرفت عن شومان وطنيته وتفانيه في خدمة المشاريع الوطنية والاجتماعية. فقد ترأس مجالس أمناء مؤسسات تنموية عديدة مثل مؤسسة ديانا تمارى صباغ في بيروت، ومؤسسة التعاون في جنيف والتي تعنى بتقديم العون للفلسطينيين بالإضافة الى الجمعية الأردنية للعون الطبي للفلسطينيين. وترأس شومان القسم المالي في أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى العام 1969، حين أسس لجنة القدس للاستثمار والتنمية التي عُنيت بتقديم المعونة المالية لدعم استمرار الوجود الفلسطيني في القدس. تسلم شومان منصبي مدير عام ورئيس مجلس إدارة البنك العربي في العام 1974 في أعقاب وفاة والده، وساهم بشكل كبير بتوسيع مساحات تحرك ونشاطات البنك، ليصل امتداده الى أكثر من 400 فرع في القارات الخمس. ويعود له الفضل في جعل البنك العربي خلال ثلاثة عقود الأوسع انتشارا بين المصارف العربية والأكثر مصداقية وثقة بين مؤسسات المال في العالم، وأصبح شريكا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العشرات من البلدان التي يتواجد فيها. وكانت للراحل علاقات مميزة مع الزعماء والشخصيات العربية البارزة التي كانت تحرص على المشاركة في مناسبات افتتاح فروع البنك العربي في العواصم العربية طوال العقود الماضية. واهتم شومان بدعم المشاريع العلمية والتعليمية والتربوية، وذلك من خلال رعاية المئات من النشاطات في هذا الاتجاه، ومن خلال مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافية التي تعد من أبرز المؤسسات الثقافية العربية. وفي نهاية العام 2003 قامت شركة »سعودي أوجيه« التي يمتلكها رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بشراء حوالى 15 في المئة من أسهم البنك العربي الى جانب مستثمرين عرب. وبلغت قيمة موجودات مجموعة البنك العربي في نهاية حزيران 2004 أكثر من 34 مليار دولار، بحسب الميزانية العامة للبنك.