As Safir Logo
المصدر:

»الصراع على الإسلام« لرضوان السيد خلية من التناقضات

المؤلف: عجمي حسن التاريخ: 2005-07-04 رقم العدد:10134

رغم أن كتاب الدكتور السيد »الصراع على الإسلام« يتسع لقراءة ممتعة، ما يُلفتنا الى عمله هو عبادته للوقوع في التناقض. يبدأ بالمطالبة بالتخلي عن وهمين: »وهم إمكان استخدام الاسلام لصالح النظام« ووهم »إمكان استبعاد الاسلام من دائرة التأثير الاجتماعي والسياسي في العالمين العربي والإسلامي« (رضوان السيد: الصراع على الاسلام. 2004. دار الكتاب العربي. ص 9). كما هو واضح يعتبر السيد أن الاسلام عامل اساسي في تحديد الظواهر الاجتماعية والسياسية في هذا الجزء من العالم. ويؤكد على ان الوعي الديني صار »عاملاً فاعلاً في السياسة وفي العلاقات الدولية« (ص 22). لكنه يناقض طرحه بالذات حين يقول إن المشكلات القائمة بين أتباع الاديان المختلفة في العالم المعاصر ليست دينية. فهدم تمثالي الباميان من جانب طالبان وتعليق الدالاي لاما على ذلك بقوله إن »المسيحيين والمسلمين المتدينين أناس سيئون«، وقتال المسلمين من أهل كشمير ضد الهندوس، كلها أحداث غير مرتبطة بالصراع بين الأديان بل هي ليست دينية (ص 22). كيف من الممكن ان يكون الاسلام والدين بشكل عام أساسيين في تحديد الظواهر الاجتماعية ولا صلة لهما بما يجري في الواقع من أحداث في آن معاً؟ ينقل رضوان السيد هذا التناقض إلى صراع الحضارات وحوارها. يعتبر أن الدين عنصر من عناصر الحضارة وبذلك تخبّطه في مسألة الدين يؤدي لا محالة إلى تخبّطه في بحث الحضارات. عندما يرفض مقولة صراع الحضارات ل هنتنغتون يقول »فالحضارات تقوم بينها علاقات في المَدَيات الطويلة، فيها الصراع وفيها التواصل والتقابس في الوقت نفسه؛ لكنها ليست فاعلاً حاضراً ومباشراً في التصرفات السياسية والاقتصادية والثقافية« (ص 2221). لكنه يناقض نصه بقوله: »فالحضارات لا تتصارع ولا تتحاور، وإنما يتحاور الأفراد وتتواصل أو تتقاطع الدول والجماعات« (ص 53). بالإضافة الى قوله المتناقض بأن الحضارات تتصارع وتتواصل وإنها لا تتصارع ولا تتحاور. لا ترحمنا جملته الأخيرة باعترافها بأن الأفراد والدول والجماعات تتصارع وتتحاور. فالحضارات تتكوّن من أفرادها ودولها وجماعاتها وبذلك بالنسبة إليه يوجد صراع حضاري عكس ما رمى به مما يوقع النص في تناقض آخر. ولكي يؤكد على اتجاهه النظري يقول: »إن الثقافات ليست عناصر فاعلة في الأحداث، وإنما تحضر وتؤثر وتتأثر في المديات الطويلة« (ص 40). إذا كانت الثقافة تؤثر في المدى الزمني الطويل، وبما أن الزمن الطويل يتكوّن من أزمان قصيرة تنقسم الى حاضر وماضٍ ومستقبل، إذاً الثقافة تؤثر في الأحداث القائمة في الماضي والحاضر والمستقبل. من هنا يستحيل على رضوان السيد القول بأن الثقافات فاعلة في المدد الطويلة وليست فاعلة في الحاضر وأحداثه وإلا وقع نصه في تناقض قاتل. من منطلق فرضيته يُستنتج أولاً أن المشكلات بيننا وبين الولايات المتحدة هي سياسية واقتصادية وليست ثقافية (ص 40)، وثانياً إن مشكلاتنا في العالمين العربي والإسلامي هي مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وليست مشكلات دينية (ص 245). لكن لا يوجد فصل بين السياس والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني. والدليل ظاهرة الصدقة المدفوعة للفقراء او للأئمة القائمين على العمل الاجتماعي والسياسي؛ هذه ظاهرة ثقافية ودينية بلا شك وتتضمن التكافل الاقتصادي والاجتماعي وتصل الى مستوى السياسة حين تُدفع كضريبة للدولة الإسلامية او للمنظمات السياسية الإسلامية. بالإضافة إلى ذلك، يُفصِّل السيد نظريته على النحو التالي: »تشكّل الثقافات إذن مجموعة او منظومة من الأعراف والنصوص والتقاليد والرموز المتّسمة بثبات نسبي. بيد أن ردات الفعل على الأحداث والوقائع، والقرارات المتخذة نتيجة لذلك تتمّ في الوعي، وليس في الثقافة، التي لا تتحوّل عنصراً فاعلاً وواعياً إلا في المديات الطويلة« (ص 43). فالذي يتحكّم بالأحداث والوقائع هو الوعي وليست الثقافة. وبذلك يصل الى نتيجة ان التأزم قائم في الوعي بالواقع وليس في الثقافة المتأصلة تاريخياً مما يعني ان الحل لا بد ان ينشدّ في الوعي وليس في الثقافة. من هنا بدلاً من الحديث عن ثقافة الهوية المتأزمة لا بد أن نتحدث عن وعي الهوية المتأزم نتيجة الواقع غير الملائم (ص 188). لكن الوعي جزء من الثقافة؛ فالثقافة كما حدّدها منظومة أعراف ونصوص وتقاليد ورموز، ولكونها كذلك لا بد أنها كامنة في وعينا او وعي بعض منّا ولاوعي البعض الآخر. وبذلك يتضمّن موقفه أن الثقافة تتحكّم بالأحداث والوقائع عكس ما صرَّح به، وهكذا يقع نصه في تناقض جارح. ويوضح لنا السيد موقفه بأن الأزمة قائمة في الوعي الإسلامي وليست في الثقافة الإسلامية قائلاً: »وما أردت الذهاب اليه أن المشكلة ليست في الثقافة، بل في وعي النخب الإسلامية بالواقع، وفي قراءة النصوص استناداً الى هذا الوعي« (ص 210). لكن هذا الوعي الخاطئ للواقع وللنصوص هو جزء من الثقافة الإسلامية بما أنه وعي لمسلمين وإلا قلنا إن الثقافة الاسلامية كائن متعالٍ لا يعلمه إلا الله! من هنا يصعب علينا أن نميّز بين الوعي الاسلامي والثقافة الاسلامية. من منطلق رفضه لفرضية صراع الحضارات يعتبر السيد: »أن الواضح هنا أن بيننا وبين المثقفين الأميركيين اختلافاً لا يتناول القيم الانسانية؛ بل يتناول الفهم لتلك القيم ومقتضياتها« (ص 50). لكن إذا اختلفنا على فهم القيم إذاً نحن حقاً نختلف على القيم؛ مثال ذلك أنه إذا فهم بعضنا قيمة السلام على أنها احتلال الآخر وتطويعه بينما فهم بعضنا الآخر أن السلام يتضمّن عدم الاحتلال، فنحن حقاً على خلاف حول قيمة السلام. من هنا قوله بأننا نختلف على فهم القيم وليس على القيم قول متناقض. من جهة أخرى، لقد رأيناه يرفض القول بصراع الحضارات ورغم ذلك يقول: »وتشنّ دوائر استرايتجية وثقافية عديدة إذن، وفي الغربين الأميركي والأوروبي، حرباً على العرب، وعلى الإسلام العربي بالذات« (ص 249). أليس هذا سوى القول بصراع الحضارات؟ ومن وجهة نظره، المشكلة ليست كامنة في الإسلام السياسي، وبذلك الإصلاح ليس هو المقدمة للحل؛ »فقد لا يكون من المفيد الاستمرار بالطرائق التحليلية نفسها؛ أي طرائق اعتبار الاسلام السياسي هو المشكلة، وان الإصلاح أياً يكن معناه هو المقدمة لحلها« (ص 244). ورغم ذلك يناقض نصه بالقول: »فلا شك أننا محتاجون، والآن قبل الغد، لنهوض شامل وإصلاح شامل: في المجال التربوي والتعليمي... وفي المجال السياسي... وفي المجال الثقافي، للوصول لإصلاح ديني...« (ص 250). فكيف يرفض الإصلاح ويقبله في الآن معاً؟ وهل من الممكن رفض الإصلاح مهما كان ميدانه؟ بمعنى آخر، عندما يقول بأن الاصلاح ليس هو الحل، فهو حقاً يناقض ذاته لأن معنى الإصلاح هو أنه حل للمشكلات. مشكلتنا ليست مع هذه الفكرة او تلك بل المشكلة في قبول التناقض. وهذا القبول سبب كل هزائمنا. الشعوب التي تقع في التناقض الذاتي تنهزم دون قتال. وآخر مثل سقوط بغداد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة