في بهو »الفندق الكبير« المطل على كورنيش طرابلس، كانت عازفة البيانو تؤدي بعض الألحان الكلاسيكية الناعمة في ذلك المساء، والى جانبها وعاء بلاستيكي يتلقى قطرات الماء المتساقطة من السقف المثقوب. كان مشهدا متنافرا حقا: الفن الرفيع والكسل الإداري جنبا الى جنب. فقسم الصيانة في هذا الفندق الراقي ربما لم يجد أن من الضروري الإسراع إلى إصلاح الأعطال إبان النهار. ولماذا الإسراع؟ هكذا تبدو صورة الأحوال في ليبيا اليوم. ثمة رغبة جدية في الوصول الى المستوى الأمثل من الأداء الفعّال، لكن الجهاز الإداري ينقصه الكثير الكثير من الخبرة والبدهية والمبادرة والاتقان والسرعة في التنفيذ. وفي ما يتعدى رمزية هذا المشهد، فإن واقعيته تتيح لنا الاستنتاج أن هذا الكسل الإداري، وهو شائع في ليبيا، يعوّق الكثير من الطموحات والمشاريع والأفكار بطريقة باتت تثير حنق الليبيين بالدرجة الأولى ممن صح منهم العزم على التقدم لكن الدهر يأبى أحيانا ويستجيب حينا. المركزية المشرقية ثمة التباس بين ليبيا ودول المشرق العربي، بل بين ليبيا وبعض العرب بالتحديد. فالمشارقة لم يفهموا ليبيا والليبيين كما يجب أن يفهموا. وفوق ذلك، لم يفهموا المغرب العربي الفهم الصحيح قط. ولعل خير مثال على ذلك هو الأدب وحتى الفكر أيضاً. فقد ظل المشرق العربي يمثل المركزية الفكرية والأدبية والثقافية للبلدان العربية قاطبة. وهذه المركزية »مسحت« الجميع في المغرب العربي وفي شبه الجزيرة العربية معا. لكن هذه الحال التي دامت طويلاً، من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، آذنت على الأفول حينما ظهر مفكرون كبار وأدباء عظام من عيار عبد الله العروي ومحمد أركون والصادق النيهوم والطاهر بن جلون وآخرين. ومع ذلك فإن جورج طرابيشي الشامي »مسح« محمد عابد الجابري المغربي في منازلة فكرية قل نظيرها منذ أكثر من خمسين سنة. كانت ليبيا جزءاً من ثقافة المشرق العربي، ولا سيما في المرحلة الناصرية. والذاكرة المشرقية تحفظ بقوة اسم عمر المختار مثلما تحفظ بزهو اسم عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وأحمد بن بله. ومع أن ثورة الفاتح من أيلول 1969 اعتبرت في المخيلة المشرقية استمرارا للناصرية، وشيئا من الرد على هزيمة 1967، ومع أن ليبيا احتلت في الذاكرة القريبة للقوى السياسية في المشرق العربي مكانة مرموقة ولا سيما في دعم المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعلى الرغم من أن ليبيا استقبلت مئات الألوف من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والمصريين. علاوة على »التوانسة«، والعراقيين مؤخرا، إلا أن هؤلاء المشارقة لم يجلبوا معهم من ليبيا، فضلاً عن المال، إلا كلمتين: »قعمز« و»الله غالب«. فهم، في هذه الحال، كأنهم كانوا يديرون جيوبهم نحو الثروة الليبية، ويديرون ظهورهم للمجتمع الليبي. ليبيا والعرب والعروبة ليس صحيحاً أن ليبيا أدارت ظهرها للعرب، فالليبيون عرب أولاً وأخيراً. وهم يعرفون تماما أن لا مستقبل لهم من دون العمق العربي. لكن، ثمة مرارات كثيرة من الأنظمة العربية. ولمَ العجب؟ ألسنا نحن المشارقة في كل بلد مفعمين بالمرارة، بل بالكراهية، حيال الأنظمة العربية إياها التي استباحت الفرد العربي وكرامته وحريته ولم تنسَ تدمير المجتمع، وأوغلت في الدمار ولسان حالها يقول: سأحلب الضرع حتى إذا انقطع فسأحلب الدم؟ فكيف نسمح لأنفسنا بالجهر في الشكوى ولا نبيح لليبيين أن يمارسوا هذا الحق نفسه؟ نعم. هناك شكوى ومرارة من بعض العرب. ولعل السبب كامن في أن ليبيا كانت سخية جداً في المساعدات التي ذهبت إلى الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والمصريين والتونسيين والمغاربة والسودانيين، لكن لم يقابلها أحد حتى بالوفاء. في ليبيا اليوم مجموعات سياسية ونخب فكرية لا ترغب أبدا في رؤية الإيطاليين والإنكليز والأميركيين يحلون محل العرب. ولهذه المجموعات صوت عال في هذا المجال. إلا أن ثمة مجموعات أخرى نيو ليبرالية بدأت تجهر بحضورها وتنشر أفكارا إصلاحية ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى. وتبدو »مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية« كأنها تدير حوارا مع الغرب يتعلق بالإصلاح الإداري والاقتصادي والحريات. لكن القول الفصل في جميع هذه الأمور يعود، بلا شك، الى مؤتمر الشعب العام والى العقيد القذافي في نهاية المطاف. وقد قطع العقيد القذافي أي تأويل في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية حينما هاجم بشدة السياسة الاستعمارية للولايات المتحدة وإنكلترا (من دون أن يسميهما) في ذكرى الجلاء في حزيران 2005. إن ظهور أفكار نيو ليبرالية في ليبيا أمر طبيعي تماما. ولماذا لا يكون الأمر كذلك؟ ففي سوريا على سبيل المثال، وهي »قلب العروبة« هناك من يتحدث، ويا للعجب، عن »الاحتلال السوري« للقامشلي (قامشلو)! وفي العراق، وهو »أبو العروبة«، ثمة من يرفع عقيرته بالقول إن العراق غير عربي. وفي مصر »أم العرب« قاطبة هناك من يرفض عروبة مصر ويعتبرها مصرية فقط، أو متوسطية في أقل تقدير. والأمر نفسه في لبنان، بل أدهى. إن هذا الجدال غير موجود في ليبيا على الإطلاق، لأن ليبيا عربية بلا مجادلة. أما السجالات فتدور على السياسات الخارجية والاقتصادية. وفي هذا الحقل من الأفكار يمكن التماس اتجاهين في السياسة والاقتصاد: الأول يركز اهتمامه على الاستثمار والمنفعة والتحديث الإداري، وينظر بعين العطف الى التعاون مع الأميركيين والإنكليز والإيطاليين... إلخ، والثاني يركز على الاستقلال والعروبة بالدرجة الأولى مع انهماكه في شؤون التحديث والتنمية والإصلاح الإداري. والاتجاه الثاني أقرب الى الناصرية والى العروبة التقدمية الإنسانية والديموقراطية معا. مهما يكن الأمر، فإن هذين الاتجاهين يشتركان في شؤون محددة ويفترقان في شجون غير محددة. لكنهما لا يختلفان أبدا على مستقبل ليبيا. وهذا البلد يمكنه أن يحتل مكانة مرموقة بين دول البحر المتوسط؛ فهو بلد ثري وقليل عدد السكان ويمتلك شاطئا طويلا ونظيفا، وفيه إمكانات زراعية مهمة. الانتقال الناعم في المشرق العربي، وفي المغرب أيضا، يخيط المسؤول جلده بجلد كرسي المنصب، فلا ينفك عنه إلا بالموت، ولا يحول عن الكرسي إلا بعجيبة. لكنني رأيت في ليبيا أن الأشخاص ينسابون بنعومة بين المواقع القيادية العليا. ومن الناحية الشكلية فإن هذا الانتقال الناعم يفسح في المجال أمام أوسع مشاركة للكفاءات المتعددة. لكنني لا أعلم هل أن ذلك يؤثر تأثيرا سلبيا في استقرار الإدارات وفي نمو الخبرات وتراكمها. وعلى سبيل المثال فإن الدكتور احتيوش فرج احتيوش، وهو أحد الأطباء اللامعين في ليبيا، خلّفته قبل سنتين وزيرا للصحة والبيئة، والتقيته اليوم وهو يتنكب مسؤولية أول مركز طبي في ليبيا لزراعة الأعضاء. أما الدكتور مهدي امبيرش الكاتب والمثقف المعروف فقد أصبح وزيرا للثقافة. وعلى الرغم من الأعباء اليومية التي تنزل على أي وزير في منزلته، إلا أن مهدي امبيرش ما برح منهمكاً في مشروعه الفكري لفهم الحضارة العربية استنادا الى منهج لغوي توليدي، وما زال يعتقد أن العرب قادرون، لو توفر لهم مشروع سياسي، أن ينطلقوا كالصاروخ الى المستقبل. من أكثر الأمور مدعاة للحبور في ليبيا أن تكون السياسة الخارجية الليبية في أيد ذات ثقافة عالية، وذات تطلع رفيع وطموح راق. ولا ريب في أن وجود الأستاذ سليمان الشحومي في ثناياها يمنح هذه السياسة بُعداً ثقافياً وميلاً نحو العروبة ونحو المشرق العربي في آن. وهذا الميل مكفول في وجود ثقافة عربية راسخة جداً في الأوساط القيادية ذات الشأن ولدى المستويات المسؤولة من طراز أحمد إبراهيم وعبد الله عثمان وسامي لطيّف وغيرهم بالطبع. وهذا الميل العروبي يبدد الكثير من متاعب السفير الفلسطيني في طرابلس بسام الآغا الذي ينوء بالكثير من مشكلات الجالية الفلسطينية في ليبيا. ويخبرني السفير بسام الآغا أن ليبيا قدمت الكثير من المنح التعليمية للفلسطينيين الذين يتلقى أبناؤهم التعليم والطبابة مجانا مثل أبناء الليبيين. وبهذا المعنى فإن الفلسطينيين مميزون من بين الجاليات العربية الأخرى. أما مشكلاتهم فتنحصر، عموما، في الإقامة والمغادرة واستقبال الزائرين من الأهل وبعض مشكلات العمل والسكن التي يقف الجهاز الإداري عائقا جديا أمام حل هذه العقبات. أي أن السياسة العامة تفرض على الإدارات معاملة الفلسطيني معاملة جيدة، لكن البيروقراطية وانعدام الخبرة الإدارية يترجمان هذه المعاملة الجيدة »ترجمة هندية« بحسب تعبير السفير الآغا، فتتحول إلى غمّ وهم وكرب في ما لو اضطر الواحد منهم إلى إنجاز معاملة في هذه المصلحة أو في تلك الإدارة. ولعل في عبارة »الله غالب« حكمة خفية.