عينا مريم، عاملة السنترال، المبللتان بدموع لا تملك إيقافها. ارتجاف الأمين العام خالد حدادة وهو يجلس لتقبّل العزاء كجسد اقتطع منه شيء لم يعتد غيابه بعد. جفون كريم مروة المتورمة من بكاء لا يمنعه من الابتسام لذكرى الأمسية الأخيرة مع رفيقه. دموع »أبو حبيب« المقاتل الموشوم الصدر بالمنجل والمطرقة. كلها كانت أجزاء ضرورية لاكتمال صورة وقوع خبر اغتيال جورج حاوي على الحزب الشيوعي. »من الحزب الشيوعي إلى كل الوطن«، يقول الملصق الذي يرفع صورة القائد الشهيد فرج الله الحلو والمرفوع هنا الى جانب ايقونات الحزب. لم يصدق أحد بعد شيئاً من ذلك الذي تعرضه الشاشات دون توقف. »ها هو جورج« يقول خالد خداج عضو المجلس الوطني وهو يهم بالنهوض من الكنبة باتجاه التلفزيون الذي كان يعرض صوراً لحاوي متحدثاً في مقابلة. يقول »ها هو جورج« ثم يغرق في الكنبة التي كان يجلس فيها كمن تنبّه الى أن الخبر الذي يعرفه هو صحيح، ويجهش بالبكاء. لا يبكي الناس بسهولة هنا. لقد أعتاد المكان وأهله هذه الجملة المؤثرة التي لا تكاد تستر حزناً »من الحزب الشيوعي الى كل الوطن«. »انتهت الانتخابات وفتح ملف المقاومة« يقول عضو المكتب السياسي علي غريب مضيفاً »جورج حاوي أول من أطلق رصاصة للمقاومة. كل مَن أطلق رصاصة واحدة على أميركا وإسرائيل سوف يُحاسب«. يفد الرفقاء واحداً تلو الآخر. كان المكان شبه خالٍ عند الحادية عشرة من قبل الظهر. الجميع إما في مكان الجريمة او في المستشفى او في منزل »ابو انيس«. يقولون لنا إن المكتب السياسي سيجتمع بعد الظهر. في الطابق الثاني تسمّر شباب وصبايا أمام جهاز التلفزيون. محطة »نيو تي في« هي المفضلة هنا. يجري نقاش حول طريقة التفخيخ. يقارنون بينها وبين حادثة اغتيال الزميل سمير قصير. يقولون إن سيارة الشهيد مصّفحة. يعرض التلفزيون صوراً لعمال سوريين خمسة قبض عليهم مختبئين فوق سطح أحد المباني القريبة. يتحمّس الشباب للخبر. بعد هنيهة، يسخر شاب »هلق بدها خمسة حتى يكبسوا زر الريموت يعني؟ حرام. بيكونو عرفوا انهم اول المتهمين وقت سمعوا الانفجار«. يبدو كلامه مقنعاً لهم. تسود ضجة أحاديث ثمّ تهمد فجأة. الجميع يحاول تقبل الفكرة. الشخصيات التي توالت على التلفزيون في ردود الفعل الاولى تستفز الرفاق. تبكيهم صور المرافق الشخصي ثابت بزي وقد أصيب بنوبة من الهستيريا نقلتها الشاشات. أما صراخ خالد حدادة الامين العام كمن وجد صوته بعد أن أضاعه من هول الصدمة، فقد جمّدهم تأثراً في أماكنهم. تخبرنا ماري دبس عضو المكتب السياسي أن دانييل سييرا مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي الفرنسي اتصل. يسألونهم عن الاتجاه الذي يجب أن يكتب فيه بيان الشقيق الفرنسي. الشيوعيون اللبنانيون في كندا وفي فرنسا يتصلون ايضاً. قطاع الشباب يدعو إلى إضاءة شموع في مكان الجريمة عند الثامنة مساء. يتوافد الرفقاء: موريس نهرا، فاروق دحروج وجورج بطل. على السنترال، يأخذ عباس مكان مريم. يصيح بالشباب أنه يجب ان يرسلوا أعلاماً للحزب الى منزل المغدور. الثانية عشرة والنصف يفتح العزاء. يصل محسن ابراهيم وميشال اده. يهجم المصوّرون الصغار على اده يصوّرونه. محسن ابراهيم كاتب بيان جبهة المقاومة الوطنية ورفيق درب الشهيد حاوي. المصوّرون لا يعرفونه تقريباً. يبدو الرجل بعضاً من نفسه. كأنما قوقعه المصاب في جسده. في الطابق السابع حيث صفت الكراسي البلاستيكية البيضاء، يخبرنا المحامي فؤاد شبقلو أن الرفقاء كلّفوه بإخبار سوزي، زوجته بمقتله. يُخبرنا انها بادرته »بعدو طيّب؟« فأجابها أنهم نقلوه الى المستشفى. ويكمل قائلاً إن ابنتهما نارا الحامل والساكنة في القاهرة اتصلت »عرفت أن نارا ستخبرها أنه قتل فقلت لأم زوجته: يمكن جورج توفى وبدنا مساعدتك«. تمتلئ عيناه بالدموع. وهو يضيف »يبدو أن سوزي سمعتنا فقالت لي: مات جورج؟ ولما لم أجب قالت لأبنتها نارا: أبوك بدو اياك قوية يا ماما. ديري بالك على يللي ببطنك«. عندها تشجّعت وقلت لها »كوني شجاعة مثل جورج. بحياتو ما كان ضعيف. أنا عم خبرك انو جورج توفى«. يغصّ ثم يقول »داخت وتهاوت على كرسي«. يصل أحد الرفقاء ويُخبرنا انه كان اول الواصلين لمكان الحادث. ثم يصف حال الشهيد وانه سمعه يقول »ساعدوني« ثم شهق وهو يسلّم الروح. يخبرنا علي محي الدين، المناضل النقابي، أنه سمع الانفجار الذي حصل فركض ليرى السيارة لا تزال تسير في الشارع بقوة دفعها الذاتي ثم تتوقف وينزل منها المرافق ثابت وهو يصرخ »اغتالوا جورج حاوي«، ويلطم وجهه. يُخبرنا أنه اقترب من السيارة ليرى جورج وقد ألتوى رأسه الى الخلف »كان يلفظ انفاسه الاخيرة، ومن هون.. ما في شي« يقول وهو يشير الى النصف السفلي من الجسم. ثم يغصّ بالدموع. يقول علي إنه أخذ يصرخ هو الآخر قتلوا جورج حاوي طالباً الإسعاف قبل أن يتنبّه إلى أن يتصل بنفسه بالرقم 112. أما حسين عيسى، وهو شاهد عيان آخر فقد روى عن لسان ثابت المرافق الذي كان معه ان هذا الأخير قال للناس إن أبو أنيس قال له فور الانفجار »أخرج يا ثابت«. الشباب يحاولون بمشاركة الآخرين ما رأوه التخفيف عن انفسهم. أحدهم يخبرنا ان حواجز للجيش تفتش عن سيارة تويوتا حمراء. في الطابق الثاني حيث التلفزيون، بث لحلقة »زيارة خاصة« وضيفها جورج حاوي. يمرّ الخبر أسفل الشاشة بأن لجنة التحقيق الدولية استجوبت رئيس الحرس الجمهوري مصطفى حمدان وفتشت منزله. حماس مفاجئ لا تقطعه إلا جملة يقولها حاوي للزميل سامي كليب عندما يسأله إن كان قد قتل شخصياً أحداً من الاعداء »لم أقتل شخصياً لكن خططت لمقتل إسرائيليين«. يضحك المقاتلون ويلتفتون لبعضهم كمَن سمع نكتة. عند الثانية والنصف، تظهر اول الصور للشهيد. من الطابق الاول الى السابع، الرفاق يصعدون وينزلون الأدراج وكل يسعى في مهمة. الفاكسات والبيانات الى »الإذاعات أولاً ثم التلفزيونات ثم الجرائد«. يقول منغستو. يصل كريم مروة. يرتمي على عناق الأصدقاء وجسده يرتجف بنوبة بكاء. كانت السهرة الاخيرة مع الرفيق جورج. يخبرنا أنه حلّل كل السهرة موضوع الاغتيالات مستعرضاً احتمالات الأسماء التي قد يستهدفها الاغتيال. يقول »استنتج أن المنطق الذي يجمع الاغتيالات هو الرغبة بأن لا يكون لها منطق. وقال إن الهدف منها إحداث فتنة. مستخلصاً أن الاغتيال الذي سيرمي الفتنة في البلاد هو اغتيال الجنرال ميشال عون«. يبتسم كريم بعيونه المتورّمة. في الطابق السابع، وعلى خلفية العلم اللبناني المطعّم بالرمز الشيوعي، وقد ثبتت عليه صورة ظهّرت للتوّ من الارشيف للمغدور، جلس الامين العام خالد حدادة والى جانبه كل من رئيس حركة الشعب نجاح واكيم، وفاروق دحروج وموريس نهرا وعلي سلمان وجميعهم من المكتب السياسي. »ينعى الحزب الشيوعي اللبناني وجميع الشيوعيين اللبنانيين في التنظيم وخارجه وفي أي موقع كانوا قائدهم التاريخي الكبير الرفيق جورج حاوي الأمين العام الأسبق ومطلق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وقائدها والركن البارز في الحركة الوطنية اللبنانية ويدعون جماهير الشعب اللبناني التي عرفته قائداً وطنياً وركناً بارزاً في حركة التحرر العربية إلى المشاركة بتشييعه وإدانة الجريمة النكراء بحق الوطن«. يتلو الأمين العام بيانه بعد دقيقة صمت »احتراماً لروح شهيد الوطن والشعب والامة«. لا يعكر صفو الصمت إلا قتال المصورين الفوتوغرافيين ومصوري التلفزيونات على المقاعد. الى جانب حدادة ابن الفقيد رافي مادايان. يبدو وجه الشاب مقفلاً بالغضب والتأثر. يردّ على سؤال صحافي عن الإشاعات التي اتهمت وليد جنبلاط بالضلوع في مقتله بالقول بحدّة »نحن ووليد جنبلاط حالة واحدة« بعد أن ردّ حدادة على الشاب بقوله »لا أظن إننا حزينون أكثر من وليد جنبلاط«. في نهاية المؤتمر الصحافي شاب يتساءل بعد انصراف الصحافيين »لماذا لم يعد أحد يجروء على التساؤل عن مسؤولية إسرائيل؟«.