انتهت الانتخابات. وكلفتها الباهظة على اللبنانيين لها توابعها وتوابلها ايضا.. لكن لا بأس، فالحرب الاهلية انتهت، او هكذا قرر احد ما. وها هو انطوان زهرة يحظى بأفضل مراجعة انتهت الى مسامحته على كل ما فعله سابقا. لم يكن سعد الحريري يعرف اصلا ما الذي فعله زهرة سابقا، ولا حتى محمد الصفدي وربما نايلة معوض. وحده وليد جنبلاط يعرف ما الذي حصل. إنها مصالحة المتحاربين بعضهم مع بعض. بهذا المعنى يصبح زهرة مثله مثل اكرم شهيب أو علاء ترو او الياس عطا الله الذي ادركه »المهدي« هذه المرة، عند لحظة خروج »المهدي« من »خلية حمد«. وبعد، حطت الطوائف رحالها عند اكبر عملية تعبئة تتصل بالعقل المضمر لكل منها. الشيعة بايعوا القيادة الجديدة بعد الحقبة السورية والمتمثلة بالسيد حسن نصر الله ومعه »حزب الله« وأعطوه ما يريده من اصوات وتصويت في الجنوب والبقاع والجبل، وصححوا له ما أراده من انطباع حول صدقية تحالفاته، ووافقوا معه على معاقبة العماد ميشال عون لقاء إرضاء بمفعول رجعي لكل من وليد جنبلاط وسعد الحريري. وبقي الرئيس نبيه بري عنصر التوازن السياسي في الطائفة التي تعيش قلق الدور الاقليمي الكبير والحجم المنفوخ داخل الدولة. أما الدروز فقد فتحوا الباب واسعا امام مغامرة جنبلاطية لا سابق لها، ووافقوا على معاقبة العائلة الارسلانية وأقفلوا في الطريق كل البيوت الدرزية الاخرى، علما بأن ما حصل في الجنوب، لم يكن إقرارا من جنبلاط بوضعية خاصة لأنور الخليل، بل كان الامر عبارة عن تسوية سياسية لم تفتح بيتا لغيره، ولكنها حسمت لأول مرة ان التمثيل النيابي الدرزي معقود لطرف واحد يديره بالطريقة التي يراها مناسبة، وحتى إشعار آخر. أما التجديد داخل الطائفة فهو رهن ما يراه الزعيم الآن مناسبا لهذا المشروع او ذاك. عند السنة، لم يكن سعد الحريري يتوقع ان يحصل على اكثر مما حصل. لقد ناضل والده الشهيد طويلا لانتزاع مبايعة بهذا الحجم، لكن أشياء كثيرة كان يحتاج إليها ولم يكن الامر بيده وحده. لقد حفظ سعد الحريري الدرس جيدا. ورث وضعية سياسية وشعبية نادرة الوجود في لبنان، وأدارها بما يتناسب والمناخ السياسي الجديد لسنة لبنان، حيث الاعتراض على الادارة السورية وآثارها شرط حيوي لمد النفوذ، وإبراز الخصوصية السنية في العاصمة والاطراف شرطا لاحترام قواعد اللعبة. وهو نجح في استثمار هذا النجاح في رسم تحالفات سوف تعيش لفترة طويلة. على ان الصورة الاكثر إثارة للجدل والمتابعة هي صورة الوضع في الشارع المسيحي، حيث لم يخالف الجمهور قواعد التعبئة التي قامت خلال الفترة الماضية. لم يذهب أي مسيحي للاقتراع خلافا لكل التعاليم والعظات التي ألقيت عليه من قادة الكنيسة ومن على بابها طوال السنوات الطويلة السابقة، وهم ادركوا ان خروج سوريا يعني بالنسبة لهم استعادة دور مفقود، وهم صوّتوا لمصلحة القيادة القادرة على إعادة الاعتبار إلى الدور المتقدم، وصوّتوا لمصلحة الندية في العلاقات مع الآخرين، وصوّتوا لمصلحة الخيار القابل للتفاعل والتعايش مع الآخرين، وبهذا المعنى فإن نجاح العماد ميشال عون في استقطاب غالبية اصوات الناخبين المسيحيين، يمثل نقطة التوازن الاساسية في استعادة تمثيل حقيقي، وفي قيام شخصية قيادية تمتلك الصفات التي اعجبت الجمهور المسيحي والتي كان وجودها لسنوات طويلة محصورا في قيادات الجهات الاخرى. هكذا كانوا يعجبون برفيق الحريري ووليد جنبلاط ونبيه بري وحسن نصر الله، لكنهم كانوا يحسدون ابناء الطوائف الاخرى على توافر قيادات لهم قادرة على النطق باسمهم وعلى تولي زمام امورهم، وها هم يحظون بالفرصة، ومعها فرصة التفاعل مع الطرف الآخر. وحتى الاصوات التي حصلت عليها »القوات اللبنانية« مثلت في جانب منها، الرغبة القوية في استعادة القدرة على مواجهة الآخر، مع تفهم كبير لفكرة الشراكة مع الآخر. لكن الفارق بين التصويت لعون او ل»القوات«، مثل في جانب آخر، النقاش الضمني الذي يجريه المسيحيون بين أنفسهم، وهو التصويت الذي يعكس مراجعة لم تحصل في الطوائف الاخرى، أي إن المسيحيين الذين لم تتوافر لهم فرصة مناقشة أوضاعهم ومحاسبة قياداتهم خلال الفترة المنصرمة، قد استفادوا من هذه الفرصة، للاحتجاج على امور عدة، من بينها رفض الشخصية التقليدية التي احتلت الشاشة طوال عقد ونصف ولم تنجح في جذبهم بصورة حقيقية، وهم احتجوا على صورة السياسي المسيحي التابع الذي تمثله »قرنة شهوان« بنوعية العلاقات التي تربطها بالآخرين من الشركاء في البلد. وصوّت ايضا اعتراضا على فكرة تثبيت الصورة السابقة عنه لجهة أنه فوّض امره إلى فريق له ماض صعب وقاس ومليء بالآلام، وهذا ما يعنيه التراجع الجدي لفريقي »القوات« والكتائب أمام التيار العوني. وإذا كان السنة والدروز والشيعة قد اختاروا حصصهم بصورة صافية، وتدخلوا في اختيار حصص الآخرين من اللبنانيين، فإن المشكلة تتصل بأمر اضافي عند المسيحيين، حيث هناك عقدة الشرعية السياسية العامة التي تتناقض مع الشرعية الشعبية بالمعنى الذي قامت عليه هذه الانتخابات. أي إن النواب الذين فازوا على لوائح جنبلاط والحريري او بدعم من »حزب الله« في الشمال والبقاع وجبل لبنان، سوف يواجهون معضلة التواصل مع الجمهور الأصلي الذي لا يزال في مكان آخر. والمعضلة لا تتصل برفض قواعد ذات ثقل مسيحي لهم كممثلين فازوا بأصوات الغير، بل في مقاربة الخطاب السياسي الذي نجح عون في جعله يجذب القسم الاكبر من هؤلاء الى برنامجه وبالتالي التصويت لمصلحة اللوائح المدعومة منه. وهذا يتطلب من هؤلاء مواجهة اختبارات ليست قليلة التعقيد. وإذا كانت »القوات اللبنانية« لم تقدم على خطاب انفعالي طوال الفترة السابقة والمرافقة للانتخابات، وحافظت على هدف واحد عنوانه إخراج قائدها سمير جعجع من السجن، فهي لم تقد حملة جدية في الوسط المسيحي ضد الآخرين من المنافسين، ولو انها بذلت شمالا جهدا جبارا لأجل حجز موقع شعبي منافس للآخرين ولا سيما للتيار العوني. لكن السؤال عن شخصيتها في المرحلة المقبلة، سيكون رهن ما سوف تقدم عليه من خطوات ازاء الشخصية المعنوية المسيحية في الحكم. وما نقل عن لسان جعجع في سجنه، يعكس نظرة الى التحالفات السياسية التي ينوي قيادة تياره على أساسها في المرحلة المقبلة. وهو بهذا المعنى ميز جديا بين تحالفات انتخابية وتحالفات سياسية، وليس صدفة ان كل زوار قائد »القوات« في سجنه لم ينقل عنه كلمة واحدة عن المقاومة او »حزب الله« لا سلبا ولا إيجابا، وما نطق به مرشح »القوات« في بعبدا عاليه ادمون نعيم لم يكن سوى قراءة لبيان جُمعت فقراته من بيانان وخطب أطلقها قادة القوى المشاركة في هذا التحالف، ولكنها ليست بندا رئيسيا على جدول اعمال هذا الفريق، الذي لم يغير في رأيه بأن طموحه ينحصر في تمثيل الغالبية المسيحية، وليس شانه البحث في مصير الطوائف الاخرى.. بهذا المعنى، لن تكون »القوات« عنصر قلق لقادة الطوائف الاخرى، بل سيجري العمل على تعزيز هذا المنطق بعد خروج جعجع من السجن، لأجل ان ينصرف بقوته المفترضة او الحقيقية إلى مواجهة من يعتقد المسلمون ولا سيما الاقطاب منهم، انه يحاول النطق الآن باسم المسيحيين، أي العماد عون، لكن مشكلة جنبلاط والحريري وربما »حزب الله« مع الاخير تكمن في انه لا يريد حصر نفوذه في الوسط المسيحي، بل يسعى إلى التمدد حيث يقوده خطابه الباحث عن توازن اجتماعي في بلاد محكومة وحتى إشعار آخر بتوازن الاقليات الطائفية!.