حملت بداية القرن الماضي أحداثاً كثيرة والحقيقة، أن وقع هذه الأحداث كان مؤلماً. لم يكف الناس العسكرية الإجبارية، التي حصدت الرجال جميعاً وجمعتهم في »شمايل«، لتحملهم السفن إلى البعيد ليقاتلوا شعوباً و أعداءً لم يكونوا يرون فيها خصوماً لهم من قبل. ليأتيهم الجراد بعيد سنين من المحل ومن نهب الدولة التركية لأغلالهم باسم تموين العسكر فيرتفع الجوع الى مستوى مجاعة. وهذا ما تزال ذاكرة الكثيرين من أهل الجنوب تنبض به منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا. و كما بدا واضحا فإن الجميع اجمع على أن وجهتهم الأولى كانت في أيام الجوع والمحل هي حوران. حيث كانوا يذهبون للقط أي جمع سنابل القمح القليلة التي كان يتركها »الحصادة« وراءهم والتي كانت بمثابة كنز بالنسبة للكثيرين من العالم العربي حولهم ومؤونتهم للسنة القادمة. وحيث كانت كل عائلة تعود بمقدار يساوي المد أو المدين من القمح يعينها على الجوع، والمد يساوي حوالى20 كلغ. وأما أهل الجنوب فقد كانوا يذهبون في جماعات يقطعون طريقهم باتجاه الجولان عبر مرجعيون ومن ثم نهر بانياس في الجولأن ثم ينزلون إلى دمشق ومنها يتجهون باتجاه حوران وسهولها ليعملوا في بقاع متعددة من سهول حوران الواسعة التي تمتد من جبل العرب شرقاً حتى فلسطين والجولأن غرباً وتشتهر هذه السهول بخصب أراضيها البازلتية ذات التربة الحمراء و التي تعتبر من افضل أنواع التربة التي ينمو فيها القمح الحوراني الشهير. إلا أن مواسم السهول هناك كانت تعتمد على مواسم الأمطار. فإذا جاءت أمطار غزيرة كان الموسم وافراً وإذا امحلت ضعف الموسم حتى كاد يتلاشى. فمناطق الشرق الحورانية التي تتجه باتجاه جبل العرب تندر فيها مياه السقي حتى تكاد تنعدم، بينما مناطق الغرب التي تتمركز فيها عدة قرى مثل تل شهاب والمزيريب واليادودة ونبع الفوار فتوجد فيها ينابيع مياه غزيرة وهناك بحيرة في المزيريب وشلالات مياه في كل من تل شهاب واليادودة، فالمياه تبقى جارية فيها على مدار العام. وكانت حوران تدعى في ذلك الوقت »بأم الفقير« وكانت تستقطب العاملين المزارعين والفلاحين من مناطق عدة مثل مناطق الجوف ويدعى أهلها »بالجوفية« والذين كانوا يأتونها من شبه الجزيرة العربية ومن لبنان بكافة مناطقه وخاصة البقاع والجنوب وجبل لبنان، ومن مناطق الضفة الشرقية الأردن حالياً و حتى من فلسطين فموسم الحصاد كان مصدراً لرزق الكثيرين وكانت حوران مركزاً لعمل اليد العاملة. هذا عدا عن طبيعة أهل حوران، إذ كانوا معروفين بكرمهم وبأن هناك بيوتات لشيوخ القرى والمناطق فيها توقد فيها نيران الطعام الذي يقدم مجاناً لجميع الجائعين أو المسافرين أو عابري الطريق. وأما حول ما يقوله أهل الجنوب فسنبدأ مع ما لدى عطا الله مارينا عن الهجرات إلى حوران: »راحت في 1914 كم عائلة إلى حوران، و أهل جبل لبنان هاجروا اكثر مما هاجرنا، أما هنا فقد بقينا في رميش لأن أرضها خصبة واتجهنا نحو طبريا وصفد. لم يمت أحد من الجوع في رميش، إذ كان هناك اللبن و كانوا يصنعون منه المخيض ويشربونه، كما انه عندما امطرت الدنيا وخلصنا على العلف، فكانت خيرات الأرض كثيرة، وقبل الحرب كان موسم العدس »مليح« فخف القمح وصاروا يعملوا »طحين عدس«، وطحين العدس مات منه كثير ناس لأن لقمة الخبز منه ناشفة كثير وإذا كانت كبيرة فإنها تخنق، وجريس بوسبعين مات منها لأنه كبّر اللقمة. العائلات التي ذهبت إلى حوران عادت ثانية، ولكن هناك أسعد فارس الذي تزوج من فتاة حورانية وهرب معها إلى حيفا وسكنوا فيها. إذ أن أهل حوران جاعوا أيضا وذهبت ناس من حوران إلى حيفا وكذلك من أهل رميش ومنهم من تزوج من حوران عن طريق التعرف على بيت السمراني و الحوراني«. أما ادما خوري وهي حفيدة الخوري جريس »الذي كان يلقب بالخوري محمد«. فتقول انه من الجوع: »كان صاحب الغلة يبيع مرس ارض (يعني دونم أو دونمين) لقاء رطل طحين لصنع الخبز وكان يبيعه لأهل البلد وكان يبيع أرضه من لم يكن زرع القمح«. وادما خوري تقول ما لم يقله غيرها عن حوران. فالبنسبة للجميع حوران كانت مقصد أهل بنت جبيل وعنياتا وقلة فقط وأما باقي الضيع فكان اهلها يذهبون لشراء القمح وليس من اجل الحصول على القمح أيام الجوع والجراد، وفي هذا مغالطة يوضحها البعض الآخر. وفي هذا قالت أدما: »كانوا يذهبون إلى حوران من الجوع فمن يستطيع العمل كان يعمل ومن لم يستطع كان يشحذ، فحوران كانت غنية، وقد كان لنا قريب في عين ابل ذهبت زوجته، وكانت أرملة، إلى حوران ومعها ولد وبنت، فكانت تفرش القش على البيادر وتنام عليه مع أولادها وهناك مرضت الأرملة وماتت فوجدها رجل عنده زوجتان واحدة عندها ولدان والثانية لا أولاد لها فقال لها خذيهم وربيهم، وقد آتى الأولاد إلى هنا وتعرفنا عليهم ووالدهم هو ابن خالة أمي«. وتكمل: »كان الناس يشتغلون في حوران »بالحليشة« والحصيدة، يعني شوبدهم يشتغلوا غير هيك وادما اعلم بكفاءات أبناء بلدتها و كانوا يجيبوا معهم قمح فحوران كانت بلاد غنية«. ومن الجوع ذهب ناس إلى حوران إذ يقول رجل من صربين: »يوجد ناس من هنا في حوران، فجدي (والد آبي) وأخوه راحوا على حوران ولكن جدي لم تطب له القعدة في حوران ولكن عمي (أخو جدي) محمد غازي بقي في حوران وكان في بلد اسمها »كفرحتا« بمحاذاة القنيطرة وسكن عند صاحب مزرعة فيها »عفاش الهودجي« وكان عند عمي شباب والأمير عنده بنات فأعطاه بنت لابن عمي أي زوجها له وكذلك أعطى عمي بنت لابن الأمير، ولكن ابنة عمي بعد أن رزقت بابنتين أرادت العودة إلى لبنان ولم تقعد مع زوجها، اما بنت الأمير فبقيت مع ابن عمي وأنجبت 11 صبي وبنت واحدة. لكن في أيام الوحدة مع مصر وزعت أراضي الأمير حسب الإصلاح الزراعي وحصل أولاد عمي على أراض وهذا أدى إلى خلاف مع أولاد الأمير فباع عمي هذه الأراضي وعاد إلى لبنان وسكن منطقة الغبيري في بيروت«. ذهبوا ولم يذهبوا يصر بعض أهل عين ابل على رفض فكرة أن هناك من ذهب. في حين يقول أبو مارون أن احداً لم يذهب إلى حوران لكن زوجته تقول: »بلى فيه يلي ماتت أمه وهو ضاع، هذا واحد هرب هو وأمه وأخته إلى حوران وهم راجعون ماتت الأم على الطريق وجدهم الاخوين رجل رأى الصبي يرضع من أمه وهي ميتة، فأخذهما ورباهما فعرف أخاهما عندها ذهب إلى حوران وأتى بأخته، وعندما وصل أصيب بالعمى، حيث أن الطريق طويلة من حوران إلى هنا. جاء مشياً وهو يحمل أخته على ظهره وحين كان يجلس في الفي ضربه الهواء. بقي الولد عند الحوراني الذي قسم أرضه بينه وبين أولاده، وقد جاء الولد إلى هنا فسموه الغريب فافتكر أخواه بأنه جاء ليقاسمهم أرضهم، فقال لهما بان من رباه أعطاه 300 دونم وبأنه عاد من حوران ليراهم، وأن أخته قد ذهبت إلى فلسطين وتزوجت من أرمني وسافرت إلى أمريكا. وسمي الولد بغريب وهو موجود الآن في خبب، وعندما جاء إلى عين ابل كان عمره حوالى 75 عاماً«. يكرر أبو مارون »كلا، لم يذهب أحد » وبشكل قاطع في حين يأتي ثانية جواب زوجته حاسماً بان »فيه ناس راحت ورجعت«. أكد أبو مارون على أن الحوارنة قد جاءوا للعمل في الحصيدة في الجنوب عندما أمحلت في حوران وكان ذلك تقريباً في أول الثلاثينات. وأما حنا فرح وكيل الوقف في عين إبل فيقول: »تبهدلنا كثيراً في زمن الأتراك ونحن في الضيعة كلها فلاحون عائشون من الأرض كنا نزرع مواسم مواسم كالقمح وفي كل بيت كان يوجد أربع أوخمس رؤوس بقر وخيل. كنا نعيش مع الحيوانات ومن إنتاج الأرض، واذكر أن والدي كان عنده زوج بقر يسمى »فدان« كانوا يفلحون به الأرض وكان عنده دابة يركب عليها ويضع عليها عدة الفلاحة، وجمل لنقل منتوج الأرض على البيادر ومنها إلى البيت. تعذبنا في زمن الأتراك كثيراً ليس نحن فقط بل في المنطقة كلها لأن الأتراك كانوا مستبدين ويريدون شيئاً من لا شيء، وكانوا يأخذون من يبلغ ال 18 سنة وما فوق إلى العسكر كان الشبان يفرون«. ويتابع انطوان: »منذ فترة كنت جالس تحت الجوزة مع أبو إبراهيم فقال لي: انطوان وقت الجوع الواحد ما بيوفر شيء فالجوع يحلل الحلال والحرام. وقد تسبب ذلك بهجرة الناس إلى أمريكا وأفريقيا وروسيا، فأينما وجدوا مكاناً أو في أي باخرة يروحون فيه. كانوا يركبون الباخرة ولا يعرفون إلى أين هم ذاهبون، وحيثما تصل الباخرة كانوا يزتونهم يرمونهم. قد ذهب اغلبهم إلى أمريكا الجنوبية كالأرجنتين وكوبا وكلها بلاد فقيرة فراحوا وبقيوا هناك على طول وعاشوا هناك كما كانوا في الفلاحة، فالأراضي هناك شاسعة فكانوا يعطونها للناس لاستصلاحها. ثم يعود حنا فيقول: الجنوبيون دائماً بياكلوها، وكان في ناس كثير طلعوا على حوران واستوطنوها. ويردفه انطوان: حوران ارض واسعة وفيها قمح وغيره فكانوا يذهبون كأجراء ولكن عندما ينبسطون كانوا يبقون ولا يرجعون. وسكنوا حيث كان سلطان باشا الأطرش. حنا: سلطان باشا ذباح فرنسا كلها. انطوان: كان سلطان باشا كثير قوي وكريم على ضيوفه فقد كانت حالته جيدة. وكان من يذهب إلى حوران في البداية يأخذ عائلته معه وكانوا يعملون بالحصيدة، فأراضي حوران واسعة وكانوا يستغلونها ويزرعون القمح اكثر من سواه، وكانت تسمى »اهراء روما« والاهراء هو مكان كبير لتخزين القمح، وصحيح قد تعلمت كثير من الكلمات من الأتراك مثل »النعارة« وهي وعاء من الفخار و»الخاشوقة« وتعني الملعقة ولكننا كنا متعصبين للغتنا العربية ولم نتعلم التركية وظلينا نحكي عربي«. ويقول الحاج ابراهيم الحوراني من الطيري: »جاء »الجراد« إلى لبنان وأكل التين والزرع وما بقي غير الزنزرخت. ولذا كانت الناس تذهب إلى حوران للحصاد وذهبت أيضا إلى فلسطين وإلى الأماكن التي لم يصل إليها الجراد. وبسبب الجو الذي حصل صارت الناس تطبخ »الحلبى« وكانوا يأكلون خبز الحمص ويطحنون البلوط ويعملون منه »بقعات«. وكان يجمع الناس بسبب الجوع السليق النباتات البرية النافعة من الحقل ومن الارض وكانوا يذهبون الى الجولأن وحوران وكانتا بالنسبة لابراهيم مكاناً واحداً ويجمعون القمح من وراء الحصادة هناك ويدقونه. وكان ابي يقول كنا نذهب ونجمع القمح وكان اهل الجولأن يطعمونهم وكانوا يبقون هناك يومين او ثلاثة. والسبب في تسمية عائلتي هو انه ايام الجراد والجوع كان يذهب جدي ووالدي الى حوران واشتغلوا هناك، يعني حوالي الاربعة اشهر وجاء جدي الى هنا ولهذا السبب نحن من عائلة الحوراني«. ويقول أبو أحمد مرواني من السلطانية: »لا أحد يعرف من أين أتى الجراد ولكنه أتى في البداية طياراً وكان قليل العدد ولكن كل جرادة كانت تبيض 100 ألف بيضة في الساعة وعندما يخرج فإن كل شيء أخضر يصبح يابساً ولم يكن هناك مواد كيميائية لتكافح هذا الجراد. ولم يكن هناك أي مواد تقتل هذه الحشرة ولم يكن هناك أي سلاح لقتله، وبسبب الجوع صار الناس يذهبون إلى حوران في أيام »الحصيدة«. وجدي لم يكن عنده أرض وكان يذهب إلى هناك لمدة تقارب الخمسة أشهر وكانوا يأخذون زوجاتهم وعائلاتهم معهم لفترة أيام الحصيدة ثم يرجعون. وكان عم والدي علي مرواني الرجل الوحيد في الضيعة، فعندما كانوا يحملون الجنازة كان هو من يحمل النعش من الأمام والنساء تحمله من الخلف لأنه لا رجال في الضيعة فمن ليس في الجيش كان »هربان« منه. وكان في ناس كتير راحت وما رجعت وعندما جاؤوا لأخذ خالي كنت صغيراً وكنت عم »أدرس« القمحات عند خالي الثاني (الحاج محمد علي أحمد ياسين) وكان يتكلم مع جاره محمد اسماعيل ياسين. فقال له جاره: شو بيجي أحمد بعد؟ فقال له: وين يا أبو إسماعيل، لو بدو يجي كان بعث لنا شيء خبر، فقال له الجار: »بعلمي فيه بحوران أخت أحمد حسن قاسم وسمعت أنو بعده طيب، فقال له: »كلو كلام ما إلو معنى، ولم يرجع. هناك أيضاً الكثير من الرجال الذين هربوا إلى أمريكا عندما فتحوا باب الهجرة عام 1910 تركوا نساءهم هنا وذهبوا«. وفي حوران يقول حسن مرواني: »راح كثير ناس وقت الجوع على حوران وكانوا يجيبوا معهم قمح وقد بقي منهم هناك ناس كثير مثل »جدعة« أخت أحمد حسن قاسم وتزوجت هناك وأنجبت بنت سمتها »جدعة« كمان. وكان سهل أنو يروحوا على الشام من صوب الجولان. ومرة راح جدي ليشتري لحمة من عند عباس خواجا فقال له عباس »استنا« ثم » استنا« ثم »استنا« انتظر. »وبالآخر قال له جدي: ما بدك تعطيني، ... عليك وعلى لحمتك، وراح على الشام واشترى لحمة من هناك ورجع«. وأما عبد الكريم دقوق من عيتا الشعب فيقول: »كان الناس »لهداك« الوقت بيزرعوا »قمح« وهي زراعة شتوية مثل الفول والحمص والذرة، وبالنتيجة، لما اتى الجراد ما خلى إلا الشي المر مثل الجرود البرية. وما ظل شي وما أكلوه الجراد السنديان والعنب واللوز، كله أكله. وبسبب الجوع فقد راحت الناس إلى ارض حوران كلها سهول وحتى أنا رحت لهونيك والمسافة من هنا حتى الشام حوالى الأربع ساعات. ويلي كانوا يروحوا على حوران كانوا يجيبوا قمح وذرة وعدس وحمص. وبأرض حوران بيفلحوا على »تركات« ونحنا بنفلح على بقر وعلى حمير، وكان لنا صاحب راح على حوران ومات هناك وكان اسمه علي وسكن بحوران وكان أقرباؤه بيروحوا وبيجوا لعنده وأرضه واسعة وهذا اسمه علي عبيس وأخوه اسمه عبد عبيس وسألونا في حوران: كم تزرع من القمح قلنا لهم إذا زرعنا 70 مد مناخد 70 مد بينما في حوران إذا زرعوا 10 »مد« قمح فإنهم يأخذون 70 مد. نحن نزرع على الحمار ونتأخر وهم عندهم غنم ومواشي كثير«. ولننظر الآن في حديث السيد محمد علي الأمين من شقرا وهو رجل دين وهو يرعى مصالح الناس الدينية والمدنية فيها. وهو يعرف ما حدث من خلال والده وأهله الذين لم يغادروا شقرا ويوضح السيد أمين دور المرجعية الدينية في تلك الفترة من خلال شهادته وذاكرته التي نقلها السيد محمد علي الأمين وهو الذي ما يزال على علاقة جيدة جداً مع اللبنانيين الذين ما يزالون يقطنون حوران والشام. البقاء في حوران والآن ماذا يقول الذين هاجروا وبقوا في حوران من أهل الجنوب والذين أتوا كما قلنا سابقا من مناطق عدة. والجدير ذكره هنا أن أسماء بعض العائلات الجنوبية التي جاءت قد تغيرت بعد أن استوطنت المنطقة هناك والبعض الآخر أبقوا على اسم عائلاتهم الأصلية مثل عائلة بيضون وسعد ورسلان (وهذه سكنت في درعا المدينة الرئيسية) وهناك من تغيرت أسماء عائلاتهم لكن لسبب يرجع إلى غلبة اللقب. فالذين جاؤوا من ولاية صيدا سموا بالصيدلي والذين ينتمون لعائلة الأسعد من البكوات سموا بالبيك أو من سمي باسم أمه كالعذبات »العذبة« وهم من عائلة العباس في الخيام وما إلى ذلك. وفي سؤال أهل حوران عما يتذكرونه عن تلك الأيام »أيام سفر برلك« وعن اللبنانيين القادمين والذين هم »المتاولة« سواء كانوا مسيحيين أم مسلمين شيعه وعن أسباب قدوم المتاولة، يقولون وباختصار كلمتين الجوع والاضطهاد السياسي والديني. ويتذكر مجموعة من الناس جاءوا ليعملوا في اللقط والحليشة أيام الحصاد يحملون لحافهم ومخدتهم على كتفهم ليعودوا فيما بعد محملين بأمداد الشعير والقمح وبمؤونة السنة القادمة. وطبعا هناك من بقي منهم ومن عاد فرحل وهناك من بقيت بناته بعد أن تزوج منها إما المتاوله الذين سكنوا حوران أو غير المتاوله، ومنهم من مات بسبب الأمراض التي جاءوا بها. وإذا ما سألتهم ما الذي أحضره معهم المتاولة إلى حوران، كانوا يتدثرون به على الطريق إضافة إلى خبز الشراك الصاج والكبة النية. وأما غيرهم فيقول جاءوا بالحضارة: وهذا الكلام ينطبق على من هرب من الأحكام الفرنسية في العام 1920 هؤلاء هربوا من أحكام السجن والشنق بسبب حادثة عين إبل وتداعياتها. جاؤوا في تلك الفترة وكانوا عبارة عن حرفيين مهرة منهم صانعو الأحذية والنجارون والحدادون والذين جلبوا معهم مهاراتهم التي كانوا قد تعلموها وانتشرت في منطقة حوران. وأما الجوع فقد أصبحت أسبابه معروفه حتى الأن. ألا وهي الجراد الذي هاجم المنطقة ما بين19171916 وعلى دفعتين طائر وزحاف. وسحب الشباب إلى الجندية الإجبارية قبل ذلك بثلاث سنوات للمحاربة في صفوف الجيش التركي في حربه العالمية الأولى مما سبب كسادا في اليد العاملة الزراعية والتي تحتاج إلى قوتها منطقة جبلية وعرة كمنطقة الجنوب. وأخيرا حجم الضرائب الذي فرضته تركيا والذي أتى على ما تبقى ما كانت تسد به الناس رمقها. إضافة على قلة الموارد القادمة بسبب إغلاق البحر والذي منع من دخول البضائع إلى لبنان من جهة البحر. وأما الاضطهاد الديني والسياسي فقد كان سببه عدا عن كون الأتراك هم الحاكمين المطلقين للمنطقة لفترة تجاوزت الأربعمئة عام. ومحاولات التتريك التي بدأت منذ وصول جمعية الاتحاد والترقي بها 1908 إلى الحكم والتي وجدت حركة عربية مناوئة لها في المنطقة. كان المذهب السني هو مذهب الدولة التركية الرسمي. وبقية المذاهب غير قادرة على ممارسة شعائرها الدينية بشكل علني، وخاصة الشيعة الذين كانوا يقيمون مجالس العزاء الحسينية سراً بحسب الشهادات التي جاءت هذا أدى بدوره إلى إخفاء هوية المذهب إلى حين والشهادات اللاحقة ستروي لنا كيفية إعادة ممارسة مجالس العزاء الحسينية في منطقة حوران من قبل »المتاولة«. والأمر الآخر اللافت للنظر فيما يتعلق بإخفاء هوية المذهب وتغيير البعض مذاهبهم إلى المذهب السني خوفا من الغضب التركي وطمعا بالمكانة الرفيعة. فمن خلال البحث وهذا يحتاج إلى بحث بحد ذاته يظهر أنه 90$ من أهل حوران هم فعليا وبالتأكيد من أصول لبنانيه جنوبية أو منطقة البقاع والكرمل جاءوا عبر الهجرات المتتالية للمنطقة للأسباب نفسها التي ذكرت سابقا ولكن ضمن فترة زمنية أوسع من الفترة المقصودة بالدراسة الحالية حولها فماذا يقول »متاولة« حوران وغير المتاولة في ذلك كله؟!. لنبدأ بأحمد الصيدلي الذي حكي عن والده القادم من لبنان من طرف لساي صور »كون تركيا كانت حاكمة البلاد أتى مع العسكر التركي سنه 1900 وشوي يعني تقريبا 19041902 أي قبل الحرب. لأن الأتراك كانوا يأخذون العسكر من البلاد العربية للانتساب إلى الجيش التركي، كان الوقت وقت مد الخط الحجازي الحديدي أتى أبي مع الأتراك ودخل في سكة الحديد وتوظف معهم. وقد ولد أخي الأكبر حسين عام 1914 دخل حسين في نفس مجال عمل والده واشتغل بالخط الحجازي من هنا يعني درعا إلى المدينة المنورة وقضى في عمله بسكة الحديد بدرعا 33 سنه. تزوج أبي من فتاة والدة المتحدث من بيت شامي وهي من بنت جبيل وأتت مع أهلها واخوتها وكان لها أخ اسمه عقيل الشامي مات في البحر، ونحن أنا واخوتي ولدنا هنا«. »جاء أهل أمي من لبنان ما بين 1914 وما بعدها ، لأن هناك في جنوب لبنان كان في جوع وما كان في أراضي زراعية وحوران كان فيها أراضي زراعية وكان فيها شغل وعمل وكانوا يشتغلوا بالصنعة مثل، »اسكافيه«. ومنهم من أتى بدون صنعه وتزوج هنا وكانوا يجيئون بالجملة«. وحسب أهل جنوب لبنان أن بعضهم جاء هربا من العسكرية إلى حوران والبعض يقول أنه في حوران لم يكن أبناء المنطقة يخدمون في الرديف. لأنها المنطقة التي كانت تنتج القمح والشعير اللازم لتزويد الجيش بمؤونته. إلا أن هذا الكلام ينفيه السيد أحمد بجمل قصيرة: »ليش يهربوا من هناك، هناك عسكرية وهنا عسكرية، أبو زوجة أخي حسين: أبو عيسى سلامه كان تاجر هون هنا وكان يدفع رشى على زمن الأتراك حتى ما يروح. ولكن والدي بعدما استقر هون صار يشتغل حداد، وهي شغلته الأصلية. لأنه الحوارنة كانوا يشتغلون بالفلاحة البدائية وبعدين اشتغل بتصليح أدوات الحرث وكان متشارك شراكه مع حداد مسيحي. استقر والدي هنا وأراد أن يرجع لأن حالته المادية كانت ميسورة وكان مرتاح هون وأخوته كانوا بلبنان تعيسين وحالتهم المادية غير جيدة«. ولم تكن الأوضاع مريحة دائماً فقد كانوا يتحدثون بقصص عن الشيعه ونحن أقلية وكانوا ينظرون إلينا كأننا شحاذين »ويلطشوا« كلام علينا، بس نحن كنا جريئين ونرد بالاجوبة اللازمة »فلا بد أن مغادرة الموطن لأي مكان وإن كان من منطقة إلى أخرى فلا بد أن يكون له ثمنه. ويقول البلخي من بصرى الشام حيث عدد كبير من المهاجرين من لبنان، والجدير ذكره هنا أن جميع اللبنانيين الجنوبيين هنا هم »متاولة«، »ولم يأت المتاولة بشي« معهم وكانوا يجيئو وحدهم ويشحذون ويقعدون على مواسم الحصيدة ويلقطوا مع الحصاده »ويلي« ما كان قادر على الشغل والعمل يموت من الجوع. وكمان كان يجيئ ناس من فلسطين ويشحذون: من الخليل ويافا وحيفا وغيرها.