ما تشهده المجتمعات المعاصرة من التحولات الهائلة والتحديات الكبيرة، يحمل على تغيير نمط التفكير وسياسته وعدته. فلا يُعقل ولا يُجدي او يُغني أن يتغير مشهد العالم وخريطته دون ان تتغير جغرافية العقل وشبكات الفهم أو صيَغ العقلنة وقواعد المداولة. من هنا الحاجة الى تفكيك الترسانة الفكرية القديمة او السائدة، المستهلكة او الصدئة، من أجل تجديد أشكال المصداقية المعرفية والخُلُقية والسياسية على نحوٍ يؤدي الى تغذية العناوين الوجودية او تحويل الادوات المفهومية. وأول ما ينبغي تغييره لاعادة بنائه وتركيبه هو عنوان الحداثة ومفهومها (...) والملاحظ ان الحداثة، كصيغة للوجود او شكل للوعي او رؤية للعالم او موقف من الحاضر او نمط في الانتاج والاتصال والتبادل، ما زالت موضع شك من جانب بعض العرب، ليس لأن قضية الحداثة هي إشكالية بذاتها، او لأن مفهومها ملتبس، بل لأن هناك من يشك أصلاً بوجودها، كما يفعل الذين ينفون على العالم العربي حداثته، او ينكرون دخوله في فضاء الحداثة. ولكن طرح المسألة على هذا النحو هو تمويه للمشكلة بقدر ما هو طمس للواقع الحيّ والعالم المعاش. ذلك ان العالم العربي منخرط أصلاً في الازمنة الحديثة، منذ حملة نابليون، وربما قبل ذلك، أي منذ دخول المطبعة الى جبل لبنان، هذا اذا اردنا ان نلتفت الى جانب الاختراعات التقنية في منشأ الحداثة. أياً يكن، فكيفما تلفّت المرء وتأمل، وكيفما نظر وأمعن، يقف على مظاهر أو بُنى حديثة: الادوات والتجهيزات، الصحف والشاشات، الابراج والناطحات، الرموز والشارات، النظم والقوانين، الازياء والالقاب، الالعاب ووسائل اللهو، أنماط الانتاج ومنظومات التواصل، شكل الوعي ونمط التصرف (المرأة السافرة الخارجة الى العمل)، الثقافة الحديثة بخطاباتها ومجالاتها. حتى الافكار والاسلحة التي يدافع بها العرب عن هوياتهم وارضهم هي حديثة. بل هناك من تعدّى الحداثة الى ما بعدها بفكره وتجاربه وآفاقه، وربما تخطى ذلك الى ما فوقها، كما يشهد على ذلك المنخرطون في مجتمع المعلومة والصورة والشبكة. ولذا أنا لست مع القائلين بأن العرب لم يدخلوا الحداثة بعد، او أنه لا حداثة عندنا، ولا مع القائلين بأنه لا يمكن أن ننتقل الى مجتمع ما بعد الحداثة قبل أن نستكمل حداثتنا. فماليزيا تنخرط اليوم في موجة الحداثة الفائقة من دون المرور بالحداثة التقليدية وثوراتها الفكرية أو السياسية أو الصناعية. ربما يكون دعاة الحداثة من المفكرين والمنظّرين للمشاريع الحضارية، المتعثّرة او الفاشلة، هم أقل الناس حداثة، وذلك بقدر ما يتعاملون مع الحداثة كتهويمات تنويرية او مقررات عقلانية او مسبقات نظرية او نماذج جاهزة وناجزة. ولعلّ الحداثة تشبه من هذه الجهة قضية الوحدة العربية. فكما أن هذه دمّرها دعاتها والمتعصبون لها، فيما يسهم في صنعها من لا يدعو لها، من المنتجين للكتاب والفيلم والمسلسل والاغنية والمعلومة او الصورة او السلعة، كذلك الحداثة، قد أخفق فيها دعاتها والذين تعبّدوا لها كديانة جديدة، فيما يسهم في صنعها كل من ينجح في تيسير او توسيع وتطوير مجالات الحياة وسبلها. ومثالي على ذلك القناة الفضائية (L.B.C.). فهي تقدم في بعض برامجها، مثل »ستار أكاديمي«، نموذجاً ناجحاً لعمل عربي مشترك، اي تسهم في توحيد ما خرّبته الاحزاب القومية والعروبية؛ كما تسهم في صناعة حداثة عربية، بالانخراط في موجات الحداثة الجديدة كما يُجسدها الانسان الرقمي والعامل الميديائي والواقع الافتراضي او تلفزيون الواقع كما تشهد وقائعه وبرامجه وفنه المتعدد. وليسمح لي الذين يطلون عبر الصحف او الشاشات ليقولوا لنا لا حداثة عندنا، بأنهم يشهدون على جهلهم بالحداثة التي تشكّلت منذ البداية كعلاقة نقدية بالذات والفكر والعقل، بقدر ما يتعلقون بحداثة يستحيل إحياؤها أو استعادتها، إذ لا شيء يعود كما كان عليه من غير صرف أو تغيير، سواء على أرضه أو خارج بيئته. وهذا مثال على الداء النرجسي الذي يجعل المثقفين والدعاة يمارسون الوصاية على القيَم والحريات فيما هم أقل الناس تجسيداً لها. وهكذا فالحداثة تخترق، عربياً، الحياة والمجتمع والثقافة، سواء من حيث علاقتها المركبة والملتبسة بما قبلها، وكما يتجسد ذلك في الصراع بين الحداثيين والتراثيين؛ او بما بعدها، وكما يتجسد ذلك في المواجهة بين مديح العقل ونقد العقل او بين نقد العقل ونقد النقد. ولذا لا احد يعرى من حداثته. حتى ابن لادن هو حديث بأدواته ومشكلاته، وإن كان قديماً بمفاهيمه ونماذجه. وبالعكس. فداعية الحداثة، قد يكون تقليدياً بقدر ما يتعلق بالحداثة تعلق التراثي أو اللاهوتي بأصوله وأقانيمه. والحصيلة هي العودة الى الوراء لأن الحداثة كما تشهد صيَغها وموجاتها المختلفة والمتلاحقة، لا تقف وراء السّاعي نحوها، أي ليست هي ما سبق الغير الى تحقيقه أو ما سبق ان حقّقه المرء بنفسه، وإنما هي ما لم نكنه بعد، أي القدرة المتواصلة على تحقيق السّبق والتقدّم، بالإبداع والاختراع والإنجاز على نحو غير مسبوق. سؤال الحقيقة واذا كنا ما نزال فعلاً خارج العالم الحديث، كما يقولون، بعد عقود من السعي المتعثّر او الفاشل، فالاولى بالدعاة مراجعة أفكارهم وادوارهم، خاصة اذا كانوا يعنون بالحداثة جانبها الفكري. هذه هي المهمة الآن: الارتداد بالسؤال النقدي على الذات لتحليل العوائق التي أعاقت دعاة الحداثة، من المفكرين، عن توسيع مجالات التفكير وإغناء عالم المعرفة. بتطوير المقولات والعناوين الحديثة المتعلقة بالعقلانية والحرية والتقدم... والنقد يحملنا على التخلّي عن وصايتنا على قيَم الحداثة ومعايير التحديث، لكي ننصت الى سوانا، ونتداول معهم حول المشكلة، وربما لكي نتعلّم منهم، وأعني بهم بشكل خاص الذين يساهمون في تنمية الحياة وصناعة المستقبل من غير ادعاء تحديثي، على ما يفعل رجل الاعمال ومدير المصرف، او صاحب الصحيفة والقناة الفضائية، او مهندس البرامج وباني الابراج، وكذلك الشاعر الذي ينثر قصيدته او الروائي الذي يؤلف سرده المُحدث او الفنان الذي يشكّل لوحته، أو كما يفعل الباحث الذي يشقّ وجهةً في الدرس او يطوّر أداةً في التحليل، وسواهم من الذين يتعاملون مع مهنهم بصورة مبتكرة، لكي يحققوا السبق والتقدم، عبر الإتيان بما هو جديد او مستحدث. من هنا فالمسألة، ليست ما اذا كان العرب في العالم الحديث أم خارجه، بل أين موقعهم على خارطة الحداثة؟ هل هم منتجون وفاعلون، ام ما زالوا مستهلكين، تابعين وغير فاعلين؟ ولسنا بحاجة الى البرهنة على أنهم لم يستطيعوا حتى الآن، بالرغم من أهمية ما تراكم وأُنجز في مجالات الثقافة كالرواية والشعر والرسم، أن ينجحوا في ما نجحت فيه شعوب أخرى، باجتراح نماذج ناجحة على الصعد الاقتصادية والتنموية باستثناء بعض مدن الخليج التي هي تجارب عالمية، أو عربية بقدر ما هي عالمية. صحيح أن العرب يملكون ما لا تملكه هذه الشعوب من الثروات الهائلة. ولكنهم لا يحسنون استثمار مواردهم تنميةً وثراءً، تماماً كما انهم لا يعرفون كيف يستثمرون تراثهم الهائل في ضوء أسئلة العصر ومشكلاته، بتحويله الى أفكار خارقة او الى عملات حضارية قابلة للتداول. مما يعني في النهاية أنهم لا يحسنون استخدام عقولهم بصورة حيّة وخصبة، او نامية ومتجددة او فعالة وراهنة. ولعل هذا هو مغزى النصيحة التي قدّمها للعرب رئيس وزراء ماليزيا عبد الله بدوي في ملتقى دبي الاستراتيجي الذي عُقد في شهر كانون الاول المنصرم (2004): أن لا يعتمدوا فقط على النفط والموارد المادية، إذ هي لا تكفي بذاتها. الأهم هو كيفية استثمارها والتعاطي معها بصورة خلاقة، من خلال أنظمة المعلومات وأنساق المعرفة او هياكل التنظيم ونظم الادارة، فضلاً عن نماذج الثقافة وأنماط التفكير. فلا يكفي الفائض النفطي ما لم يكن ثمّة فيض فكري يتجلّى في القدرة الدائمة على إيجاد المخارج أو خلق النماذج والبدائل. بهذا المعنى كل نموذج هو استثناء، اي يشكل مادة لاختراع نموذج جديد. ولكن النموذج الحي يتحوّل الى عائق أو الى مسخ، عندما تجري استعادته بحرفيّته، أي ما لم يجرِ الاشتغال عليه لتجديده حيث نشأ وتشكّل على سبيل التغذية والتهجين، أو لتفكيكه وإعادة تركيبه في سياقات مختلفة وفضاءات مغايرة. هذا شأن التحديث كتجربة وجودية حية ونابضة أو راهنة. إنه فعل خلق وتحوّل أيّاً كانت صيَغه ونماذجه وموجاته. وهذا ما لا يتقنه العرب. والمثال نجده لدى دعاة الحداثة بالذات. ذلك ان اكثرهم الحداثيين الذين يتصدرون الواجهة الفكرية، من دعاة ووكلاء، انما يفكرون بصورة تراجعية مقلوبة، بقدر ما يتعاملون مع الحداثة بصورة تقليدية صنمية، من خلال اطياف وصور ونماذج عن التحديث فات أوانها. على هذا النحو يفكر بعض الذين ينتظرون أن تحدث عندنا ثورات تنويرية وسياسية، على غرار ما حصل في أوروبا في مطلع عصر النهضة، لكي تسطع بعدها شمس الحقيقة والحرية على العالم العربي. وهؤلاء يتخيلون مصائر المجتمعات العربية بحسب الأوضاع التي كانت عليها المجتمعات الغربية قبل ثلاثة او أربعة قرون. ولذا فهم لا يرون مستقبلاً للعربي إلا وفقاً لما كان عليه ماضي الاوروبي، كما يحلم أطفال الحداثة وعجزة الانسنة، وكأن شيئاً لم يحدث بعد حداثة لوثر وفولتير أو ديكارت وكنط او هيغل وماركس... فيما نحن نتخطى حداثة سارتر وراسل نحو طفرات وموجات جديدة من الحداثة، تتغير معها طرق ادارة الاشياء والمصالح والقضايا والهويات والسلطات، بقدر ما تتغير أنماط الحياة وأشكال المعرفة وأنظمة الاتصال وأساليب الخلق والإنتاج.. وللمثال، هذه حال الذين يعودون الى الشعار بعد رفضه او استهلاكه، كما هو دأب الرجعيين الجُدد من عرب، وغربيين، أصوليين وحداثيين، من الذين كانوا من قبل ضد الدولة فصاروا اليوم معها ضد العولمة، وكانوا ضد المجتمع المدني فصاروا من أشد المتحمسين له، وكانوا يعتبرون الديموقراطية قناعاً برجوازياً فصاروا يعتبرونها الترياق، وكانوا ضد العقلانية النقدية بصفتها فلسفة رأسمالية فصاروا من دعاتها، وكانوا يعتبرون الدين أفيوناً فصاروا يكتشفون فيه فيتاميناً بعد أن تحوّل الى داء فتّاك وسلاح قاتل، وكانوا امميين يحاربون النزوع القومي فانقلبوا الى مناضلين او مجاهدين محليين يحدثوننا عن الثقافة الوطنية(...) وهكذا اذا كان ثمة أعطال تحول دون مساعي التحديث، فالذين يُسألون عنها اولاً، هم دعاة الحداثة الذين عجزوا عن تحديث الافكار وتحويل المفاهيم بالعناوين الجديدة والتراكيب المبتكرة والادوات الفعالة. ومصدر العجز هو التعامل مع الفتوحات والتحولات والمستجدات من الافكار والاحداث والظاهرات بصورة سلبية او نمطية او احادية او حتمية. أحادية النموذج ولا شيء يشلّ الطاقة ويختم على العقل، ليعرقل مساعي التحديث، اكثر من التعلق بنموذج اوحد بوصفه معياراً للتطور او التقدم، على ما ترفع الشعارات عندنا من جانب المنظرين الذين يقولون لنا: لا تنمية من غير ديموقراطية، او الاسلام معادٍ للتحديث، او لا تحديث من دون المرور بالمراحل التي قطعتها الحداثة الاوروبية، وسوى ذلك من الحتميات المقفلة التي تناقضها الاحداث والتطورات. فالتجارب الناجحة تكسر النماذج الاحادية وتخالف الوصفات الجاهزة. هذا ما يحصل الآن في الصين التي تحرز تقدماً على صعيد التنمية، مع أن نظامها السياسي يوصف بأنه غير ديموقراطي. وبالعودة الى المثال الماليزي نجد أن هذا البلد المسلم، قد حقق معجزته التنموية وخرج على قصوره وهامشيته، بخرق الشروط الموضوعية المسبقة ومخالفة النماذج الجاهزة والقوالب الجامدة. من هنا خشيتي، اليوم، على ماليزيا، اذ هي تستقدم من العالم العربي »مفكرين«، لكي يساهموا في التنمية الثقافية وفي صناعة الافكار، ممن يتعاملون مع الحداثة كمعسكرات إيديولوجية، أو ممن يُعادون الحداثة وما بعدها وما فوقها، او ممن يقفون موقف السلب من احداث العالم ومجرياته وفتوحاته وفلسفاته. وهؤلاء هم جزء من الازمة ومن صنّاعها، في انماطهم الوجودية وفي سياساتهم الفكرية، اي هم على عكس الساسة الذين يديرون الامور في ماليزيا. وتلك هي المفارقة، التي تفسر سر الاخفاق في مكان، والنجاح في مكان آخر، اي الفارق الوجودي بين ما يحدِّث به »المفكّر« العربي، وبين ما يحدِّث به السياسي الماليزي. انه الفارق بين الشعوذة الفكرية والتفكير الحي، بين الطفولة الحداثية والمعجزة التنموية، بين الحداثة على المقاس والحداثة الخلاقة والخارقة. ولعلّه من حسن حظ بلدان الخليج العربي أن لم يتسلّم ادارتها داعية اسلامي، او مناضل قومي او منظّر يساري اشتراكي، او مثقّف حداثي رجعي بأصنامه النظرية وقوالبه الايديولوجية. وهكذا فإن الحداثيين تركوا من الحداثة إرثها النقدي وآفاقها الرحبة ولغاتها المفهومية وموجاتها العارمة وقواها الحيَّة، لكي يتمسكوا بمقولاتها المستنفدة وأساطيرها المؤسسة وموجاتها المنطفئة وشعاراتها الايديولوجية الآفلة، ولذا لم يستبقوا منها سوى مفردات الداعية والمبشّر او التعويذة والايقونة او الصنّم والهوام أو المتراس والخندق او الديكور والقناع او الموضة والدرجة. والحصيلة لهذا النمط من التفكير حداثة فقيرة او متخلّفة او مشوّهة او عدوانية او مأزومة، تُعيد إنتاج المآزق بقدر ما تحيل الحياة الى أفخاخ وحقول ألغام. يتجسّد هذا المأزق في ما تعانيه المجتمعات البشرية، وخاصة العربية، التي تتأرجح اليوم بين براثن الكماشة العقائدية، الاصولية او العلمانية، القومية او الدينية، التراثية او الحداثية، اي بين ديناصورات التراث ومُسوخ الحداثة، بين عبدة الانبياء القدامى وتأليه الانبياء الجدد، بين مجانين الله ومجانين المسيح، بين حروب الآلهة وحروب الاوطان، باختصار بين الفيروس الديني القاتل والعلاج الحداثي الفاشل الذي فقد صلاحيته منذ زمن. ولذا لا يجدي، معرفة او عملاً، نظراً او ممارسة، التعاطي مع العالم، بالعدة الفكرية القديمة التي فقدت مصداقيتها على ارضها بالذات. فمفاهيم الحقيقة والعقل والانسان والحرية والحضارة على ما يتعامل معها الرجعيون الجدد والمحافظون الجدد من المثقفين العرب والغربيين، استُهلِكت وصدِئت، وباتت تترجم على عكس ما يراد منها. وتلك هي المفارقة. فما نحسبه الحل هو المشكلة. لأن الحداثة التي ندعو اليها، خاصة في العالم العربي، باتت خادعة، مضلّلة، إنها حداثة بلغت أزمتها، كما تشهد الطفرات والانفجارات او الانهيارات والاحباطات على ارض الواقع المعاش. حتى هابرماس تخلى عن خطوط دفاعاته الايديولوجية عن مشروع التنوير، بكلامه على »مجتمع ما بعد العلمانية«، مما يعني ارتياد افق فكري جديد تتشكل معه قناعات تنبني على الاخذ بحدود العقل والدين معاً. الداء الانساني ولا يمكن أن يكون الامر غير ذلك، بعد هذا السقوط المريع في امتحان الالهيات والمتعاليات كما تشهد الفظائع والفضائح البشرية، وكما يشهد العجز المتزايد عن القبض والتحكم، مما يعني انهيار احد عناوين الحداثة: سيادة الانسان على نفسه وعلى الاشياء. أليس هذا هو المآل والمصير بعد عهود من التنوير العقلي والفلسفي الحداثي، تلت دهوراً من التعليم الديني والارشاد الخلقي؟! فأين هي الحداثة والتحديث؟ واين هو الانسان الذي نتباكى عليه؟ من كان يتخيل من ابناء جيلنا قبل عقود أن يحصل ما يحصل الآن؟ نخب ثقافية حملت شعارات التغيير والتقدم باتت في المؤخرة تخشى المتغيرات، جمهوريات تتحول الى ملكيات رديئة، مجتمعات عربية تنفجر عنفاً ونزاعات، عودة الدين بأعراضه المقدسة وسياساته الانتقامية الجهنمية؟ ازدهار الاصولية الدينية بأساطيرها المؤسسة وشعوذاتها الاخروية في الولايات المتحدة الدولة الاحدث والاغنى؟ نظام للعيش يولد من المشاكل والمخاطر اكثر مما يولد من الحلول والمخارج، عنف يزداد كماً ونوعاً لكي يحيل نظام الحياة الى ما يشبه حالة الطوارئ. من هنا ليست المسألة الآن أن نتشبث كالغرقى في مفردات الحداثة؟ ولا أن نعود القهقرى الى كهوف الماضي وأكفانه، لكي نمارس تقديس السلف وعبادة النص. ولكن ذلك لا يعني التسبيح بحمد ما بعد الحداثة لقتل الآباء القدامى والمحدثين. فجذر المشكلة وأصل العلة في ممارسات التسبيح والتقديس والتعظيم التي تتحول معها علاقتنا بالحقيقة والحرية والعدالة وسائر القضايا الى تجارة خاسرة ومشاريع مدمرة واستراتيجيات قاتلة. ثمة حاجة الى تفكيك نماذجنا الانسانية والثقافية، القديمة والحديثة، لتركيب صورة جديدة، وسط هذا الانهيار لصور الانسان وأطيافه اللاهوتية والعلمانية. وهذا ما يتيحه مفهوم »الانسان الادنى«. انه يحملنا على الاعتراف بدونيّتنا، لكي يفتح الامكان لقبول بعضنا البعض او لرعاية الطبيعة وكائناتها بقدر ما يكسر ثنائية الانسان الاعلى (نتيشه) وموت الانسان (فوكو). فشعار الانسان الاعلى يورث المحن الشخصية والمآسي الجماعية، كما تشهد التجارب. واذا كان شعار موت الانسان، يعلن عن انهيار مفهوم »السيادة«، فإن الوجه الآخر لهذا المفهوم طغيان الانسان الذي يمارس حضوره اليوم على المسرح الكوني، اكثر من اي يوم مضى، قهراً وظلماً واضطهاداً، او فساداً وارهاباً وخراباً. من هنا تتعدى المسألة ثنائية أنسنة الإله او تأليه الانسان كما يطرحها الفيلسوف لوك فري بصورة تلفيقية، كما تتعدى دعوى استعادة الانسانية الضائعة، كما يهذي بها حداثيون علمانيون بصورة طفولية ساذجة. فالعودة الى لغة التأليه هي عودة الى الاشياء بعد انتهاكها وانفضاحها، او عودة الشيء بعد استهلاكه او استنفاده، والمآل المزيد من الهلاك والخراب. وأما استعادة الانسان لانسانيته فهي المحال عينه، لأنه لا شيء يعود كما كان عليه، الا على النحو الاسوأ والاردأ، اي ارتداداً على الاعقاب ومزيداً من التداعي والتردي نحو الهاوية التي أفضت اليها المركزية البشرية (...) من هنا أيضاً تتخطّى المسألة اليوم الشعارات المتعلقة بحقوق الانسان، او حتى بالازدهار الانساني، كما يطرحها اصلاحيون عرب بعد فوات الاوان، اي بعد أن فقد الشعار الانسانوي الكثير من مصداقيته، في ضوء المخاطر والكوارث التي أسفر عنها التقدم العلمي والازدهار البشري على حساب بقية الكائنات. ولعلّ المطلوب الآن هو على العكس: التمرس ب»نقد الانسان« للاعتراف بحدوده وواجباته، اي بحقوق الحيوان والبيئة والطبيعة، من أجل توسيع مفهوم المواطنية العالمية بمعناها الانساني، نحو المواطنية الكوكبية بمعناها الكوني والاشمل، مما يتيح صوغ الشعار القائل: أنسنة أقل، اذاً عالم أقل فساداً وخطراً وشراسةً وخراباً. خلاصة القول: ما ندعو اليه هو ما نشكو منه، وما نحسبه الحل هو المشكل. ولذا فما نحتاج اليه ليس التأله ولا التأنسن ولا الجمع بينهما لمضاعفة آفاتهما ومساوئهما، اذ هما وجهان لعملة بشرية واحدة، من حيث مفاعيلها السلبية والعقيمة او المدمرة، بعد كل هذا الفساد والاستبداد والارهاب والتلوث والتبديد او التهديد لموارد الارض وكائناتها الحية. ما نحتاج اليه هو على العكس: مجابهة محاولات الانسنة للعالم والطبيعة والارض، بالتخفيف والنزع او الصدّ للنرجسية البشرية اللاهوتية او الناسوتية. بحيث ننخرط في صناعة انسانية جديدة بملهماتها وصورها وقيَمها، تنفتح معها آفاق مغايرة للعمل الحضاري والنمو البشري، سواء من حيث علاقة البشر بأنفسهم وفي ما بينهم، أو من حيث علاقتهم بالعالم والطبيعة، وذلك باجتراح توجّهات وجودية متعددة المناطق والخطوط والقواعد، كما تتجلّى في مبدأ الرعاية والحماية، أو في ثقافة التنوّع والتهجين، أو في سياسة الاعتراف والتعايش، أو في عقلية المفاوضة والتسوية، أو في منطق الشراكة والمبادلة، كما هي مفاعيل الفكر التركيبي، والمنطق التحويلي الخلاق، والعقل الوسطي التداولي. وذلك يقتضي العمل النقدي على الذات، للتحرر من هوامات وهواجس الاعتقاد بما هو مطلق ومقدس وجوهري ونقي وأصلي وثابت وكامل وأحادي ويقيني ونهائي، وسوى ذلك من أدواء البشرية، القديمة والحديثة، كما تتجسم في ارادة التأله والقبض والتحكم والمطابقة والاحتكار والمصادرة، في ما يختص بالعلاقة بما هو حقيقي ومعقول، او بما هو قيم ومشروع، او بما هو حسَن ومحمود، وبالطبع، بما هو مصلحة مشتركة ومنفعة عامة. وهكذا لا يتعلق الأمر بفطرة انسانية يجري انتهاكها او إفسادها، كما لا يتعلق باختراع انسان من لا شيء، بقدر ما يتعلق بتواضع وجودي نتمرس به وتتشكل منه قناعات جديدة من حيث الموقف من الهويات والقضايا والحقوق والمصالح وسواها من الشؤون البشرية التي تنسج مما هو نسبي وعرضي او متعدد ومغاير او ملتبس ومحتجب متغير ومتحول او مؤقت وراهن او عابر وزائل. واذا كان الانسان ظهر بالصدفة او بفعل لعبة الممكنات والاحتمالات، فقد يزول بالصدفة، بل من جراء شرور افكاره وسيئات اعماله وذكائه الذي يتباهى به على سائر المخلوقات، والذي به يصنع من اسلحة الدمار الشامل ما يكفي لمحو الحياة من على الارض مرات عديدة.