أن يكون يوسف عبدلكي في دمشق حدث بارز، ولكنه لن يكون حدثاً سعيداً تماماً حين نضيف إليه: بعد ربع قرن من المنفى. هنا ستحضر عذابات وسجون وأصدقاء ما زالوا في العتمة. لن ينجح عبدلكي في إبعاد شبح الرثاء، إذ يحاول عدم التهويل من وقع عنوان لوحة له: »مرثية إلى جيل السبعينيات«، رغم أن العَبرة أمسكت به وأخذته إلى الصمت حين حضر ذكر الأصدقاء. يصعب أيضاً النظر إلى الفنان ومعرضه بعيداً عن السياسة، وقد كان معرضه تظاهرة سياسية بامتياز، لا نعتقد أن معرضاً تشكيلياً سورياً حظي بمثل هذا الحشد. هناك، في وجوه الناس، كان بإمكاننا أن نرى، ليس جيلاً يرثى وحسب، كان بإمكاننا أن نرى ثلاثين عاماً من تاريخ بلد يستحق الرثاء. في زحمة التظاهرة، التي كان قد رفض أي رعاية رسمية لها، كان لنا وقت مع يوسف عبدلكي، تحدثنا عن جيل السبعينيات وأبرز أسمائه، كما دافع عن الفن السياسي وعن المباشرة في الفن. كيف وجد دمشق بعد هذا الغياب، ولماذا لم يزر مدينته ومسقط رأسه القامشلي، وأشياء أخرى في هذا الحوار: لوحة بارزة من بين لوحات معرضك الدمشقي: يد مصممة لكنها مبتورة، وقد أسميتها »مرثية إلى جيل السبعينيات«. ماذا عن ذلك الجيل؟ وهل صار يستحق الرثاء فعلاً؟ { بالنسبة لي كان هذا آخر جيل على مستوى المنطقة كلها يحمل أحلاماً كبيرة في تغيير بنية السياسة والعلاقة بين السلطة والمجتمع. جيل لديه طموحات حقيقية على المستوى العام، وهو قدم مجموعة من المثقفين الذين تركوا بصمات كبيرة، في المسرح والشعر والفن، وفي مختلف الحقول. لكن الأنظمة تعاملت مع هذا الجيل بطريقة وحشية تماماً، وربما كانت تلك القسوة تتناسب مع حجم طموحات هذا الجيل. القطعة اللوحة هي تحية ومرثية لهذا الجيل، لهذا النبض الحي الإنساني العريض الذي كان يمتلكه، ومرثية له بسبب تعرضه للقمع والسجون والمنافي وحتى للموت. أما على مستوى العنصر نفسه، فإن القبضة المشدودة معروفة في تاريخ القرن العشرين كله باعتبارها القبضة النضالية، لكنها هنا ليست أحادية الجانب؛ فبقدر ما هي مشدودة، هي قبضة مبتورة ومدماة. اليوم أرى أن هذا الجيل صار بشكل أو بآخر خارج الحياة العامة. هذه مرثية إذاً لتجربة تم إجهاضها، لجيل لا لأشخاص، فهؤلاء موجودون وقائمون، وكل منهم يتمتع بقابلية مختلفة ومتباينة على ممارسة الحياة والثقافة أو السياسة والعمل العام. لكن في الوقت نفسه أتمنى أن لا يتم التوقف كثيراَ عند هذه اللوحة لأسباب سياسية لكي لا نظلم المعرض عموماً، لأنني أعتبرها شهادة من أحد أبناء هذا الجيل إلى أصدقائه، فالمعرض أوسع من هذه القطعة، وهي أساساً القطعة الوحيدة التي لا علاقة لها بسياق الطبيعة الصامتة التي هي السمة العامة للمعرض. كدت أسألك في ما لو كانت هذه المرثية تصلح عنواناً لمعرضك؟ { لا، على الإطلاق. المعرض فيه مجموعة من العناصر التي أشتغل عليها منذ عشر سنوات تقريباً بتقنية الفحم على الورق، وهناك وقفات مختلفة ومتبانية، بعضها مأساوي كالقطع التي فيها جماجم، إلى وقفات فيها نزعة احتجاجية كرؤوس الأسماك المقطوعة، إلى أخرى أكثر هدوءاً وسلاماً كالتي تصور زهرة، أو جلسة شاي لصديقين غائبين. بالتالي فإن هذه اللوحة خارج سياق المعرض، وهي شهادة مني لم يكن ممكناً إلا أن أقدمها. ÷ هل يمكن الإشارة إلى أسماء تمثل ذلك الجيل؟ { نحن نتحدث عن جيل لا عن أفراد، وهو كان يشكل شريحة كبيرة من المجتمع ومن ثقافة المجتمع. على الصعيد العام كان لديه ممثلون في القوى السياسية، اشتغلوا يميناً ويساراً ولم يخفوا آراءهم وطموحاتهم الديموقراطية، ويمكن تعداد أسماء العديد من منظمات اليسار الجديد ممن ولدوا أو تبلوروا في السبعينيات، على المستوى الثقافي كان هناك أسماء صارت علامات في المشهد الثقافي في سوريا، من عمر أميرالاي، إلى زيناتي قدسية، فواز الساجر، وليد قوتللي، نزيه أبو عفش، منذر مصري، نذير اسماعيل، عاصم الباشا، فهد يكن، وبشار عيسى. المهم أنهم كانوا جزءاً من حراك سياسي واجتماعي وثقافي كبير، ولم تكن محاولاتهم فردية ولا دونكيشوتية. بالنسبة لك كفنان ممن تعلمت ممن سبقوك؟ { أعتقد أن الإنسان يتعلم كل يوم حينما يكون منخرطاً في مهنة تحمل كل هذا الغنى والإنجازات. بالتأكيد سيكون للفنان آباء كثيرون. وأتصور أن الفنان يتعلم من كل مشهد يراه أمامه، في الحياة العامة وفي كل لوحة يراها، حتى لو كانت سيئة، يتعلم منها على الأقل ألا يرسم مثلها. انا وغيري نتعلم من كل شيء نراه أمامنا، ومن كل الفنانين الذين مروا علينا. هل يمكن الإشارة إلى نماذج؟ { طبعاً ولكن هؤلاء ليسوا نماذج وحيدة. على المستوى السوري تعلمت من فاتح المدرس أو نذير نبعة، وخارجها سيكيروس، بيكاسو، مارينو ماريني، موراندي، هوكوزاي، كليمت.. الخ. وهذا في سياق من التعلّم المتواصل، فالتعلم ليس حقبة مدرسية وتنتهي. كل هؤلاء تركوا بصمات عليّ وعلى شغلي. في المقابل هل تعتقد أن لتجربتك الفنية أبناء؟ { أولاً على مستوى المعلومات فأنا حقاً لا أعرف، وعلى مستوى التمني فأنا لا أتمنى. لأن كل فنان وكل شخص ينبغي أن يصنع لنفسه مساره الشخصي والأصيل. وإذا كان أستاذ ما في كلية الفنون أو خارجها لديه تلامذته المباشرون فأنا أعتبر ذلك من الكوارث في الثقافة. ما أتمناه رؤية تلاميذ مختلفين، لديهم تصورات مختلفة، وشكيمة إبداعية مختلفة، بل نقيضة وناقدة، لا أتمنى أن أرى لنفسي شبيهين. هل وصل إليك المشهد التشكيلي السوري؟ { كنت أحرص دائماً لأن أحصل على كل مطبوعات المعارض وغير المعارض التي تقام في سوريا، بهذا المعنى لدي معرفة ربما تتجاوز معرفة الكثير من الرسامين السوريين الذين يعيشون في المنافي عن أوضاع الفن التشكيلي في سوريا. أعرف كثيراً من رموزه الأساسية وأعرف شغلهم، وأتيح لي مرات عدة أن أتأمل أعمالهم الأصلية في أكثر من بلد وعاصمة، في لندن وفي القاهرة وفي باريس، من دون أن أكتفي بالمطبوعات التي غالباً ما تشوه العمل. منذ قدومي، وبسبب الازدحام وكمية الانشغالات وكمية الزوار، لم يتح لي حتى الآن التعرّف إلى كثيرين وإلى تجاربهم. أعتقد مهما كانت فكرة المرء قريبة وهو على بعد، فإنها تظل مشوهة وناقصة. وهذا ما أتمنى أن أتجاوزه في الأسابيع القادمة. دمشق البشر فيما نحن نتحدث عن لوحة »مرثية إلى جيل السبعينيات« خشيتَ على معرضك من التأويل السياسي. هل تستطيع أن تنفي حضور السياسة في اللوحات الأخرى؟ { يجب أن نميز بين أمرين أرجو أن لا يحدث التباس بينهما؛ الأول إن كان المرء حاضراً بذاكرة العديد من الناس كشخص كان مهتماً بالشأن العام، بالسياسة، وكان معتقلاً سابقاً، وكل ذلك جوانب سياسية بحتة. والشيء الآخر هو شغله الذي يمكن أن يعكس هذه التجربة بشكل مباشر، وقد لا يعكسها بشكل مباشر، بهذا المعنى أنا أعتبر التظاهرة التي رافقت افتتاح المعرض فيها جانب سياسي لا يخفي نفسه، مثلما فيها جوانب أخرى. بالتأكيد هناك من جاء ليرى كيف عمل الرسام أو كيف طوّر عمله. ولكن إذا كان حفل الافتتاح قد تحول إلى تظاهرة سياسية فهذا لا يعني أن الأعمال المعروضة سياسية أو ينبغي تأويلها سياسياً، أو لنقل تقزيمها سياسياً. أنا أعتبر أن شغلي له علاقة بالحياة من حولي، بالنزعة المأساوية التي تتكشف لي يوماً إثر يوم تحت قشرة السياسة. فهذا موجود بالتأكيد. وبهذا المعنى عملي ليس في الفراغ ولا هو عبثي، وهو أبعد من قشرة السياسة، أو هذا ما أطمح إليه على الأقل. في أوائل التسعينيات قلت »إذا عدت إلى دمشق اليوم سأجد جدرانها فقط، هل تعرف إلهاً يعيد لي أصدقائي؟». ماذا وجدت في دمشق اليوم؟ { هذا الكلام قيل في لحظة كان كل أصدقائي فيها في السجون. اللحظة الراهنة لحظة مختلفة عما كان موجود قبل ثلاثة عشر عاماً، على الرغم من أن جروح فترة الثمانينيات والتسعينيات ما زالت حاضرة في القلب. لا يمر يوم عليّ ولا يحضر فيه جميل محتمل، ولا يمر يوم من دون أن أتذكر كثيراً من الأصدقاء الذين ماتوا في السجون، مثلما أتذكر الآن في هذه اللحظة صديقي الطبيب عبد العزيز الخيّر المعتقل منذ ثلاثة عشر عاماً من دون أي تبرير قانوني أو سياسي أو أخلاقي. كل هذا في الحقيقة حاضر في وجدان المرء ولا يستطيع أن ينتزعه من داخله بقرار. دمشق التي أراها اليوم مختلفة عن دمشق سابقة، هناك تغييرات كبيرة على المستوى الخارجي في بنية المدينة وفي أحيائها الجديدة وفي كمية الحافلات وصفاقة الدعايات الموجودة في شوارعها. لكن على مستوى البشر لا أستطيع أن أحكم تماماً فمن أراهم إلى الآن هم أصدقاء ومحبون يغمرونني في كل لحظة بكرم محبتهم، ولكن لا أستطيع أن أحكي عن دمشق المدينة، لأن دمشق المدينة بالنسبة لي هي دمشق البشر، الذين لم أتعرف إليهم بعد، وقد يحتاج الأمر إلى وقت طويل. وإن كان لدي كثير من التفاؤل بسبب إحساسي أن من أراهم الآن، وبعضهم له تجارب في السجون قد يصل عمرها إلى ثمانية عشر عاماً، وقد كانوا منخرطين في العمل العام وفي لحظات اليأس الكبيرة التي مر بها البلد، أراهم اليوم أكثر قوة، وأكثر قدرة على النقد، وأكثر قدرة على رفع أصواتهم في نقد الوضع العام والنظام السياسي، ونقد مجموعة القيود التي تشل المجتمع، من حالة الأحكام العرفية إلى حكم الحزب الواحد، إلى استشراء الفساد، إلى الاعتقال السياسي وغيرها. كل هذا يفترض أن ينفضه المجتمع السوري عن ظهره. أحس في عيون الناس وفي نبرة النقد القوية لديهم أن أرواحهم أقوى، ربما لا يأملون بتغيير قريب، ولكن نقدهم صوته عال. يوم افتتاح المعرض هناك من علق إنه رأى فيه جمهور السبعينيات نفسه؟ هل شعرت بذلك؟ { الحقيقة أن هذا الجمهور ليس جمهور مَعارض، هناك وجوه قادمة من السبعينيات، وجوه قادمة من الصداقة والإخلاص للصداقة والأحلام. في الحقيقة كان هناك أناس هم من أبناء جيلي أو جيل سابق عليّ، لكن كان هناك أيضاً أجيال جديدة في العشرينيات من العمر، وبدأوا يوم الافتتاح وفي الأيام التالية يترددون كل يوم على المعرض ويطرحون أسئلة ويناقشون. ذلك يجعلني أكثر تفاؤلاً، أكثر من لو كان الجمهور فعلاً هو جمهور السبعينيات فقط، تشعر أن الكلمة إذا خرجت من وجدانك فإنها لا تضيع في الهواء، بل ستلتقطها آذان أخرى ربما أكثر منك إخلاصاً لنفسها وأكثر إخلاصاً لأسئلة الثقافة والأسئلة العامة. أنت لم تزر مدينتك القامشلي. قلت إنك تريد أن تحتفظ بالقامشلي التي في ذاكرتك. دمشق تغيرت بالقدر نفسه ومع ذلك استحقت الزيارة. { الفرق بين دمشق والقامشلي أن هذه الأخيرة، ومثل كل مدينة طفولة، هي مدينة أحلام وليست مدينة واقعية. أما دمشق فهي مدينة الشباب، مدينة بداية النضوج ومدينة المشاريع الثقافية والفنية والسياسية، ويستطيع المرء أن يتعامل معها بعقلانية أكبر. القامشلي هي في مكان قصي من القلب والعواطف، وبسبب هذا الموقع فأنا لا أريد أن أدمر ذكرياتي وعواطفي تجاهها. طبيعة صامتة لنأخذ هذه اللوحة المرثية كنموذج للتعرّف على كيفية ولادة اللوحة لديك، منذ الفكرة، التصور الأول، ورحلة اللوحة نحو تصورها النهائي، كم تختلف بين الفكرة والنهاية؟ { كنت مصمماً على إنجاز هذه اللوحة منذ حوالى سنتين، وأنجزت الرسوم التحضيرية لها منذ سنة ونصف. كان لدي إصرار كامل أن لا يقوم معرض دمشق إلا بوجودها، لأنه في دمشق، ولأن هذه المدينة احتضنتني واحتضنت أبناء جيلي وأحلامهم، لذلك أحببت أن أعرض هذه القطعة في هذا المكان. من الناحية التقنية؛ ترددت كثيراً بإنجاز العمل، لأنه يمثل لي تلك اللحظة المأساوية التي تتعلق بذكرياتي، وبدمشق، وبقوس كبير من العلاقات والأصدقاء والطموحات. كنت أؤجل وأؤجل، ولكنّي كنت مصراً على إنجازها قبل أن آتي إلى دمشق. أما عن قربها من تلك التي كانت في رأسي، فأنا أعتبر أن أي شخص حين يشتغل على لوحة أو قطعة موسيقية أو أي عمل فني يبدأ بمجموعة تصورات مسبقة، وربما تكون تلك التصورات متكاملة، ولكن ما إن يبدأ العمل حتى يصير للوحة منطقها الخاص، ويصير لها إشكالاتها التي تتجدد مع كل خطوة أو لمسة، وبالتالي يدخل المرء بمسار من الارتجالات لا أحد يستطيع أن يتحكم بنهاياتها. أعتقد أن ليس هنالك لوحة في العالم رسمت وكانت متماثلة مع اللوحة التي صممت في رأس الرسام قبل أن يضع عليها الخط الأول، وأظن أنه حين يصمم المرء عملاً وينجزه تماماً وفق تصوراته فإنه يكون قد دخل في نطاق الحرفة وليس في نطاق الفن. الارتجالات هي التي تعطي العمل قوته وحيويته وطزاجة التصورات والحلول التي تبتكر مع كل لحظة في سياق العمل. »المرثية« شبيهة كثيراً بالقطعة التي كانت موجودة في رأسي، وهي في الوقت نفسه مختلفة كثيراً عنها. قلت مرة إنك بدأت تعمل على موضوع الطبيعة الصامتة كنوع من الاستراحة أو الدوزنة. يبدو أنك اقمت طويلاً في هذه الاستراحة. { مجموعة الطبيعة الصامتة بدأت الشغل فيها بعد مجموعة »أشخاص«، التي كانت مجموعة سياسية بوضوح كبير، وكانت إدانة لصلف السلطات والسجانين. اشتُغلت بتقنيات مختلفة؛ حفر وباستيل وكولاج وفحم وغيرها. حين أنهيت تلك المجموعة أحسست وكأنني أخرج من حمّام، أكثر نقاء، أكثر نظافة، وكأن كل كمية السواد المتراكمة في قلبي قُذفت كلها خارجي. صرت متخففاً منها بكل معنى الكلمة. حينذاك بدأت أشتغل على موضوع الطبيعة الصامتة وكأنها كانت استراحة. لكن في النهاية لا أحد يستطيع أن يخرج من جلده، فهذه المجموعة نفسها، بعد سنوات من الشغل، بدأت تستعيد هي نفسها، ومن داخلها تقنياتي السابقة، وتستعيد الأجواء المأساوية والأجواء التعبيرية وأجواء القسوة. وإن كان كل هذا يتمظهر في عناصر تبدو في كثير من الأحيان وكأنها عناصر حيادية. لكن أعتقد أن قسوة عملي اليوم، وأنا أرسم عظمة أو رأس سمكة، لا يقل قسوة عن وجوه الطغاة في مجموعة »أشخاص«، وبالتالي، صحيح أنها بدت وكأن المرء يدوزن عمله للمستقبل، لكن الحقيقة أن هذه الدوزنة هي التي قادته ليشتغل عملاً هو مزيج من هذه الرؤية الجديدة، واستعادة لاحتدامات العمل السابق. منذ بداية عملك اشتغلت باستمرار على عناصر محددة؛ الأحصنة، الحيوان الوحشي، الأشخاص، أسماك، جماجم، أحذية، هل تتذكر اللحظة التي ولد فيها هذا العنصر أوذاك؟ { من الصعب أن يتذكر المرء لحظة ولادة هذه العناصر، أحياناً تأتي بسياق فيه سلاسة، وأحياناً بعد جهد وإرهاق كبير، أتذكر حتى الآن؛ كنت في جلسة مع مجموعة من أصدقاء العام 1973، كانوا سودانيين على الأرجح، ويبدو أن حديثاً مملاً كان يدور، أخذت ورقة ورحت أخربش، فرسمت وقتها أول شكل للحصان الوحشي، وهو العنصر الذي عملت عليه ما يزيد عن عشرة أعوام بعد ذلك. وبالتالي ليس هناك أي مقدمات بالمعنى المباشر، سوى أنها لحظة عفوية على الفنان أن يلتقطها ويطورها ويصنع منها في النهاية عملاً ذا دلالات وشحنة وحساسية خاصة. ولكن ليس هناك نواظم. لو كان هناك معرفة مؤكدة لمنطق العقل والإبداع لاستطعنا أن نرى حولنا اليوم ستة مليارات فنان وشاعر وموسيقي وعالم. والأسماكً؟ { الأسماك الأولى التي رسمتها كانت عادية ووديعة، ثم تطورت لتحمل حساً مأساوياً، وتحمل لحظة الالتباس بين الحياة والموت، لكنها لم تكن كذلك أول ما رسمتها سنة 1999 مثلاً. أعتقد أن كل كلام فيه عقلنة للحظات ولادة عنصر أو فكرة فيه لوي لعنق الأشياء، التي تأتي بنت تفاعلات طويلة عميقة خفيفة آنية لها مرتجعات بعيدة، من الصعب أن يصوغها المرء في إطار. أثناء العمل قد تبرز أفكار قد تكون جميلة ويمكن تطويرها، أو تكون ضعيفة وركيكة، كما يمكن أن يكون هناك أفكار مهمة وترمى لخطأ في التقدير. ما أريد قوله إنه ليست لحظة ولادة الأفكار هي المهمة بل كيف تطور هذه الفكرة، وكيف تصوغ منها جملة فنية مقنعة قادرة على مخاطبة حساسية الآخرين. ألا يكفي أن تفكر بقرية اسمها ماكوندر لتكتب »مئة عام من العزلة« فتلك الرواية ليست فكرة، إنها ثمرة الجهد الإبداعي المتواصل المضني. 25سنة في المنفى الباريسي.. { 24 عاماً و13 يوماً.. هل نستطيع الحديث عن مرحلة باريسية في تجربة الفنان عبدلكي؟ { باريس كمدينة كبيرة وغنية تقدم لأي فنان إمكانيات مدهشة للتعلّم والاطلاع، لا شك أنها أثرت كثيراً على شغلي، لأن واحدة من أهم الأشياء التي فيها ليس فقط أن يطلع المرء على الفن الفرنسي أو الأوروبي فقط، بل الاطلاع على كل الفنون البصرية في العالم، قديمها وحديثها، ولا أظن أن هناك عاصمة في العالم اليوم يمكن أن تقدم لك كل هذا الجمال وكل تلك المعرفة بهذه الغزارة. رغم ذلك كنت في كل هذه السنوات مشدود القلب إلى بلدي، وبالتالي يمكن أن تجد هذا الامتزاج بين الخبرات التي يتلقاها المرء، بين بلد الغربة وبين ثقافته الأصلية. أما إذا أردت أن تسمي ذلك مرحلة باريسية أو غير ذلك فلا أظن أن الأمر هام فعلاً. الفن السياسي يرى البعض في اختيارك لفن الحفر، الذي تخرجت به من كلية الفنون الجميلة بدمشق، اختياراً لشكل وصول إلى الناس، حيث لفن الحفر قوة في شيوعه. { الأعمال الفنية كانت بدءاً من تأسيس الدول، أعمال فن رسمي، كانت الدولة والمؤسسة الدينية هي الجهات التي تطلب الأعمال الفنية، بعد عصر النهضة صار هناك أبطال جدد على الساحة، الأثرياء صاروا يطلبون لوحات وبورتريهات ليخلدوا أنفسهم وليزينوا قصورهم. في فترة لاحقة تم استعمال فن الحفر على الحجر والمعدن لنشر الفن بشكل أوسع. وبالتالي صار العمل نفسه يتكرر في عشرات النسخ ويجري توزيعها لعدد أكبر من الناس وبأسعار أقل، وراح الفن يدخل بيوت الطبقة الوسطى، ولذلك فإن فن الحفر أكثر ديموقراطية من كل الفنون الأخرى. هذا بالتأكيد واحد من عوامل الجاذبية لاختيار فن الحفر كاختصاص. هناك جاذبية أخرى هي جاذبية غرافيكية بحتة، فالخامة التي تحصل عليها من الحفر على المعدن لا يمكن الحصول عليها في أي خامة أخرى، لها خصوصيتها وتفردها، مثلما لبقية الخامات تفردها وشخصيتها. هذا جاذب مهم، وربما يكون أكثر أهمية من أي جاذب آخر له علاقة بالجانب الاجتماعي الذي تحدثنا عنه. وهناك أخيراً أنني في الأصل أعتبر نفسي رساماً لا ملوناً، وبالتالي كان طبيعياً أن أختار حقلاً غرافيكياً، له علاقة بالرسم، بتنظيم المساحة بالأبيض والأسود. هل توافق على أن ما يجمع بين مختلف الأنشطة الفنية التي تمارسها، من الكاريكاتير إلى الحفر وغيره، هذا الهم بالتوصيل للناس، وهذا ما أبعدك عن أن تكون فناناً شكلانياً؟ { أعتقد أن الفنانين الواقعيين يتعرضون لامتحان مزدوج؛ عمل مادة قادرة على التواصل مع الآخرين، وهي أيضاً مادة ليس فيها الحرية التي يتمتع فيها الفنان التجريدي مثلاً، بأن يصوغ لوحته بدون أي إكراهات واقعية أو تشريحية، وهذا الجانب الأكثر صعوبة وربما يكون واحداً من عوامل الجذب بالنسبة لي. والشيء الآخر هو أنني لم أعتبر في أي يوم أن الفن هو شيء مطلق يسبح في الهواجس الجمالية البحتة للرسام أو الموسيقي وسواهما. كنت أعتبر أن الفن ليس رسالة، ولكن علاقته بلآخر مؤكدة، وهو مثل كل أنواع الثقافة، لا يستطيع أن يغير حياة البشر لكنه قادر بشكل أو بآخر أن يتواصل مع أرواحهم. بهذا المعنى نعم، ولا مرة خطر ببالي أن أشتغل عملاً تتعذر معه إمكانية الحوار مع عين المشاهد، عين الآخر، وأعتبر أن هذه واحدة من العناصر التي تزيد أي عمل فني غنى، لأن أي عمل فني بمجرد أن يوقع عليه الفنان يصبح له حياته الأخرى، حياته الخاصة المستقلة، وبقدر ما يكون هنالك بشر يشاهدون العمل بقدر ما يكون هنالك تأويلات وشحنات تلقٍ مختلفة من شخص لآخر، وأعتقد أن هذا شيء ينجزه المرء بعناصر لديها قنوات تواصل مع العين الأخرى. انشغالك بهم التوصيل إلى الناس من جهة، وهذه العناصر التي تحولت إلى رموز لديك، أخذتك إلى المباشرة. أنت من القلائل الذين يدافعون عن المباشرة في العمل الفني؟ { هناك تعبيران تم تسفيههما في الحياة الثقافية العربية؛ فكرة »الفن السياسي« وفكرة »المباشرة«. كل فن هو بدرجة ما فن سياسي، والمسالة هي كيف تصوغ هذه القطعة الفنية. وفي الحقيقة ما يسمى بالفن السياسي على الأغلب في بلادنا، وربما في بلاد أخرى، هو عبارة عن فن دعائي، لا دخل له بالسياسة باعتبارها نوعاً من التقاء الناس بالهم العام، بحياتهم، ليس دفاعاً عن نظام وأيديولوجيا، »الفن السياسي« في الذاكرة الجماعية أصبح فناً مبتذلاً لأنه في الحقيقة قد تم تسخيره من قبل السلطات. والمباشرة كذلك أيضاً، إذ صار هنالك من يقدم أعمالاً ركيكة بدون أي قيمة إبداعية تحت ذريعة خطاب أو فكرة سياسية ما. ليس عندي خوف من هذه المسألة لأنني أعتبر أن لوحة مثل »الجرنيكا« التي قد تكون أهم لوحة في تاريخ القرن العشرين، هي لوحة سياسية، وهي لوحة مباشرة أيضاً. لنلاحظ مثلاً أعمال فنان كبير ك ريفيرا فهي أيضاً أعمال سياسية ومباشرة تحكي عن حياة المكسيك وحياة فلاحيه وجهدهم وتعب حياتهم، لكنها أعمال فنية عالية. سيكيلوس الفنان صنع من الموضوع نفسه الذي قد يكون فلكلورياً لوحة تقف على رجليها. وكذلك أعمال مثل أعمال جياكو ميتي، بالكمّ الهائل من الضغوطات التي تتلقاه الأجسام لتحيلها إلى خيطان. أنا أرى أن هذه أعمال سياسية ولكن ليس على طريقة الدعاية السوفياتية أو الناصرية أو البعثية، المصطلح لا يخيفني، وما يهمني أن أقدم عملاً فيه شيء من حساسية السطح، من متانة البنية، من قوة الرماديات المتعاكسة، من فهم للمساحة ولتحويرات العناصر خاصة، من جلافة الواقع ورهافة الخيال. كل ذلك يصنع لوحتك أنت، لوحة فيها تكتشف ويكتشف الآخر مساحة أخرى من مساحات الروح. الالتباس يأتي من هذا الاستعمال المبتذل للمصطلح وليس من المصطلح نفسه. (دمشق)