لا يختلف اثنان على ان الانتخابات النيابية التي انطلقت امس في بيروت وتستمر حتى اواخر شهر حزيران، لم تأخذ في الاعتبار المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، على الاقل في الغياب اللافت للبرامج الاصلاحية للمرشحين في مختلف المناطق على الصعيدين الجماعي والفردي. ويكاد هذا الاهتمام ينحصر في العناوين المتفرقة التي أطلقها رئيس لوائح بيروت سعد رفيق الحريري، وبعض التلميحات غير الواضحة التي تصدر بين الحين والآخر عن الجنرال ميشال عون على سبيل الاستلحاق. أما رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط فيعمل على طريقته الخاصة بالعمل على إعداد ورقة سياسية اقتصادية تراعي الشأن الاجتماعي لفترة ما بعد الانتخابات، ليس ليخوض الانتخابات على أساسها باعتبار ان التحالفات الموجودة هي مرحلية وقد تختلف في نظرتها الى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. إذاً فإن الانتخابات النيابية تخاض في لبنان من دون اية برامج محددة في العاصمة كما في المناطق المحرومة، وهي تخاض على أساس القوى المحسوبة والولاءات للمجموعات والاشخاص لا على أساس حاجات الحياة والتطوير المعيشي والسياسي، وهذا العنصر الاضعف في الحياة الديموقراطية اللبنانية، لأن الشعب لا ينوي المحاسبة على التعهدات والبرامج، وربما كانت الحياة الحزبية في لبنان قد تخطت هذه العادة الغربية التي على أساسها تبنى البرلمانات وتسمى المسؤوليات. إلا ان ما يشفع لهذه الانتخابات انها تتم وسط ضغوط دولية وإقليمية، ووسط محاولات لتكريس ولو اسمياً منع التشرذم الوطني حول جملة عناوين أبرزها الحفاظ على سلاح حزب الله في مواجهة العدو الاسرائيلي حتى تسوية شاملة في المنطقة. بالعودة الى الموضوع الاقتصادي، فإن المؤشرات السلبية تعم كل القطاعات منذ كارثة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وحتى قبل ذلك وتحديداً منذ خروجه من السلطة واعتذاره عن تشكيل الحكومة ما بعد التمديد، وهذا عنصر بارز في تراجع الودائع المصرفية حتى في كانون الثاني 2005، أي قبل الاغتيال بحوالى الشهر ونصف الشهر. والسؤال هنا: ماذا يمكن أن تفعل الحكومة الحالية وبالتالي الحكومة المقبلة لإنقاذ ما خسرته البلاد خلال هذا العام من توقع تراجع النمو الى ما دون 2 في المئة، وماذا يمكن لهذه الحكومة أو التي تليها لاستدراك نشاط فصل الصيف باعتبار ان السياحة تشكل المدخل الاساس للنهوض؟ حتى اللحظة فإن أداء الحكومة الميقاتية يعتبر سليماً وجيداً على طريق استعادة الثقة برغم التركة المرهقة على الصعد الاقتصادية والمالية والمعيشية. فالرئيس نجيب ميقاتي جاء وهو يعرف تماماً المهام التي يمكن إنجازها في العمر القصير لحكومته الاولى الانتقالية. وهو أكثر من ذلك طلب من فريق عمله في الحكومة أن يضعوا أرجلهم على الارض ويتعاملوا بعيداً عن النظريات والتنظير البعيد عن الواقع، وهذا العنصر الاول الذي حسن من صورة الاداء الحكومي منذ الحظة الاولى برغم صعوبة المرحلة، وقد زاد من هذه الواقعية ان هذه الحكومة أخذت في الاعتبار التحضير للمراحل المقبلة في قضايا الكهرباء والمالية العامة بالخروج بتحديد المتوجبات والطريقة الانقاذية بما يسهل لحكومة ما بعد الانتخابات. واللافت في هذا الاداء ان حكومة بلا مرشحين وضعت برامج تصلح ان تكون برامج انتخابية للإصلاحات المقبلة، في حين غابت البرامج عن تصورات نواب ووزراء المرحلة المقبلة. خطة الكهرباء: توصيف واقعي ونتائج مكلفة في رأينا ان أبرز إنجاز للحكومة الميقاتية، بعد الايفاء بمضمون البيان الوزاري المختصر والنجاح في إجراء الانتخابات في مواعيدها، كان التطرق الى موضوع الكهرباء من باب المقاربة الاكثر واقعية حتى اليوم، وان كانت بنود الخطة التي وضعها وزير الطاقة تحتاج الى مناقشة أكثر دقة تأخذ في الاعتبار الوضع المالي للخزينة على المدى المتوسط وتحديداً القريب، لأن مشكلة نمو الدين العام وعجز الموازنة هي رأس الاعاقة لكل نمو اقتصادي، وبالتالي تحريك عجلة القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد اللبناني. لقد ناقش مجلس الوزراء في جلسة خاصة موضوع الكهرباء، وهو أساسي بالنسبة لتحريك العجلة السياحية خلال الصيف في حال استقرار الوضع السياسي والامني في البلاد والذي عليه تبنى عودة السياح من الاخوة العرب تحديداً، واذا لم تتحرك السياحة بشكل مقبول فلا نمو اقتصادياً لهذا العام كما ينتظر بعض المسؤولين. أما بالنسبة لخطة الوزير بسام يمين فهي تقع في 40 صفحة تقع تحت ثلاثة عناوين هي: توصيف الوضع الحالي، خيارات إعادة التأهيل، ومن ثم خطة التحويل وهي الاساس بالنسبة للمستقبل. رأت الخطة بعد التوصيف ان قطاع الكهرباء في حالة متردية ويحتاج الى إعادة تأهيل شاملة وفورية. ورأت الخطة ان نسبة الهدر في النقل والتوزيع بمعنى الهدرين الفني وغير الفني تقدر بحوالى 43 في المئة. واعتبرت الخطة ان التردي على مستوى أداء الكهرباء على مختلف الصعد يبقي على عجزها المالي. وقدرت الخطة ان الخسائر الناجمة عن فروقات اسعار المحروقات تراوحت بين 170 مليار ليرة في العام 1998 و415 مليار ليرة في العام 2004، وهو مرجح ان يصل الى 700 مليار ليرة في نهاية العام 2005. وتطرقت الخطة الى قدم التجهيزات التي تزيد من العجز وكذلك متوسط أعمار الموظفين، وهذا أمر كان وما زال موضوع شكوى من المدير العام لمؤسسة الكهرباء منذ سنوات. النقطة الابرز في الامر ان الخطة تقدر كلفة الاستثمارات الاجمالية اللازمة لإنتاج الكهرباء بين 2005 والعام 2015 بما بين 5,1 و4,2 مليار دولار، أي خلال 10 سنوات لمواكبة التطورات الاستهلاكية. وتقترح الخطة إنشاء شركة مغفلة مملوكة للدولة تمهيداً للخصخصة مع إبقاء قطاع النقل احتكاراً في يد الدولة بعد فصل النقل عن التوزيع. ويمكن التوقف عن الملخص التنفيذي لخطة التحويل للتعرف على التوجهات الاساسية لوزارة الطاقة وبالتالي للحكومة، وهي قضايا سبق ان طرح معظمها في السابق من اتخاذ قرارات محددة بشأنها: ملخص تنفيذي خطة التحويل ÷ »الحاجة الى إنشاء شركة مغفلة مملوكة للدولة وهو شرط لازم وسابق لاعتماد أي خيار من خيارات الخصخصة شركة كهرباء جديدة، مع تصفية وحدات العمل والحسابات المنفصلة (الإنتاج/ التوزيع) شركة »نقل« الطاقة تركّز عملها على إدارة شبكة النقل وصيانتها وتوسيعها »مشتر واحد« يتولى إدارة عقود الانتاج والتوزيع/ الطاقة، وتعديل عمليات الشراء بحسب الحاجة مركز تحكم وطني للتدقيق في كميات الطاقة المنقولة/ الاداء في نقاط الارتباط وتنسيق العمل ÷ تتمثل أفضل خيارات الخصخصة في التالي: فصل »الانتاج« عن »التوزيع« وتصفية موجوداتهما ÷ »النقل« احتكار طبيعي وسيبقى خاضعا لسلطة الحكومة إعادة هيكلة قطاع الكهرباء بحيث يتم التوصل الى حل وسط في رفع الضوابط يرضي جميع الفرقاء ÷ منتجون/ موزعون متعددون، وإنما شار وحيد بينهما تتولى تنظيمهم جميعا هيئة تنظيم قطاع الكهرباء البيان الختامي ÷ كما سبق ان ذكرنا، إن مؤسسة كهرباء لبنان وقطاع الكهرباء بشكل عام في وضع حرج المشاكل متجذرة ولا يمكن معالجتها باعتماد أنصاف الحلول ÷ يجب إجراء تغيير ذي شأن مجموعتان رئيسيتان من المبادرات تحويل مؤسسة كهرباء لبنان الى شركة مغفلة مملوكة للدولة وفصلها الى وحدات منفصلة تمهيداً لمشاركة القطاع الخاص (مع هيئة تنظيم قطاع الكهرباء ومركز التحكم الوطني) ÷ شرط لازم وسابق لأي خيار خصخصة نهائي متفق عليه تحسينات داخلية لتحقيق فرص ربع سريع والاستفادة من الخصخصة الى أقصى حد ممكن ÷ لا معوقات هيكلية تحول دون بلوغ هذه الغاية، وحدها إرادتنا المشتركة للمضي قدما ينطوي التنفيذ ولا شك على تحديات ولكن إنجازه ممكن وأكيد ÷ إن هذه الحكومة قادرة على منح الزخم المطلوب لإحداث هذا التحول بالمصادقة على »خطة التحويل« المشار إليها بالتوقيع المراسيم المطلوبة للاطلاق عملية الاصلاح بالموافقة على التدابير الطارئة الاضافية المشار إليها