على عتبة مؤتمر البعث، تبدو سوريا اليوم أشبه بمحطة قطار فيها الكثير من حَمَلة الحقائب الذين يعرف بعضُهم بعضاً، بل يعرف كل منهم ما في حقيبة الآخر، لكنّ كلا منهم مشغول عن الآخر بمصيره وبالوجهة التي اختارها أو اختيرت لسفره، أو بحيرته أمام القطار أو أمام مخبوءات حقيبته الشخصية. هنا تجد البعض يدور حول حقيبته والبعض الآخر يقف محتارا لا يدري أي القطارات يركب، والبعض الثالث يُقعده الخوف عن الحركة. ثلاثون عاما من الركود لم يركب فيها أحدٌ أي قطار جعلت رُهابَ تغيير المكان مرضاً وطنيا، فكيف بتغيير الذات. من مكانٍ ما يأتي صوت آمر المحطّة معلنا نفاد الوقت. يختلط صوته بأصوات مرافقي العربات وبقرقعة الحديد وبسعال المسافرين إلى مؤتمر البعث ومن البعث، إلى كراسي السلطة ومنها. في المحطة يدور الحديث عن أي شيء إلاّ عن تصفية الإرث (الوطني). يدور الحديث عن توارث سلطة البعث والآليات الضامنة للمصالح الخاصة، وليس عن توارث المشكلات الوطنية التي ساهمت سلطة البعث في خلقها وتأزيمها وتركها معلّقة في الهواء، وليس، كذلك، عن توارث ما خلّفته الأزمات التي أُدير بها البلد من آلام ومشاعر قهر وضغائن وأحقاد. ومع أنّ عملية توارثٍ لا تتم دون أخرى، إلاّ أنّ عين البعث القيادية العجوز تصر على رؤية سوريا جسدا هامدا وتصر على عمل كل ما من شأنه أن يبقي سوريا جسدا هامدا. فسوريا، كما تراها عيون عجائز البعث، لا تزال مطواعة طيّعة، ولا تزال تغفو على حلم بعثي وردي..وهم لا يزالون قادرين على نقلها من يد إلى يد دون أن تستيقظ، أو أن ينقطع حلمها البعثي. ولكن واقع الحال غير ما تراه عيون العجائز المغشية بضباب المصالح الخاصة. وهذا ما يدركه جزء هام من قواعد البعث، القواعد التي يدفعها خوفها من المستقبل لأن تكفر بقياداتها وتطالب ليس فقط بإقصاء تلك القيادات، بل بمحاسبتها، على الرغم من إدراكها أن المحاسبة في سوريا أمر مستحيل، وأنّ محاربة الفساد ستبقى شعارا ما بقيت رؤوس الفساد ممسكة بأهم مفاصل الدولة. قواعد البعث، بما هي وارثةٌ النار، لا بد أن يقلقها الجمر الحي الذي تكاد الريح تذرو عنه الرماد، لا بد أن يقلقها أنّ النسيج الوطني السوري يتوجّس صوت الهسيس، وأن المشكلات التي أدارتها السلطة بغية التفريق من أجل أن يسهل عليها القِياد، على وشك أن تفرّق إلى درجة لا يغدو معها القِياد ممكنا لأحد. وفيما قد يشغل ذلك قواعد البعث تبدو قياداته مشغولة عن كل شيء بمصالحها الخاصة، مستخدمة كل دهاء العجائز للتشبث بالكراسي التي تضمن لها هذه المصالح. ولكن، بين قلق القواعد وانشغال القيادات، يبقى الواقع السوري بالنسبة للبعث حتى الآن خارطة، أو مخططات على ورق في أحسن الحالات. ففي الوقت الذي لا تزال فيه القواعد عاجزة، وفي الوقت الذي لا تزال فيه تقلّب احتمالات الممكن على صفحات الجرائد، تجد القيادة على درجة من التشبث بمصالحها ومن الانفصال عن الواقع، درجة تجعلها تظنّ أنّ الأشياء الموجودة في الواقع هي الأشياء المدرجة على جدول أعمالها فقط. ولكن (تطنيش) قيادات البعث لنداءات المصالحة الوطنية، نداءات التأسيس لإعادة بناء سوريا على قواعد جديدة، أمر يضاعف المسؤولية على قواعد البعث. فالأخيرة ملزمة، اليوم، بأن تضغط لجعل بعث(ها) ليس فقط يلبّي نداء المصالحة، بل يقوم بأفعال على الأرض تجعل المصالحة الوطنية أمرا ممكنا. فالإرث الذي يمكن للمصالحة أن تتم على أساس تصفيته، إرث بعثي بامتياز، وثمة مسؤولية أخلاقية على القواعد تحمّلها مقابل المسؤولية المادية التي لن يكون بمقدور القيادات الهروب منها. ثمّة ملفات سورية كثيرة يجب أن تفتح وتعالج. ولكن من بين أهم الملفات السورية التي لا يمكن لأية مصالحة أن تتم دونها، الملفّات التي يرقى توريثها دون حلٍّ إلى مستوى الجريمة: ملف حماه. فهل تتخفف من أوزاره قواعد البعث فتضغط على قياداتها أو على السلطة عموما لفتحه من أجل أن يغدو إقفاله ممكنا، بعد تحديد المسؤوليات وتصفية الحقوق والأحقاد؟ أم أنها لا ترى في إصرار قياداتها على استهلاك ممكنات مستقبل البعث، واستنفاد أسباب وجود الأجيال القادمة ما يغلق الأبواب أمامها دون المستقبل؟ من مصلحة البعث فتح الملفات قبل أن يفتحها غيره فتنقلب عليه، من مصلحته أن يفعل ذلك كحزب سيجد نفسه قريبا مضطرا لكسب أصوات المواطنين الناخبين. بل هو واجب بعثي فعل ذلك، واجب من زاويةِ أنَّ أحداثا دامية تمّت في عهد البعث، ومن زاوية أن البعث يطمح اليوم إلى العودة بنفسه من جهاز أمني بيد السلطة إلى حزب يمارس دورا وطنيا، حزب قد تكون له غلبة انتخابية لسنوات طويلة لو أحسن الأداء، دون أن يُضطر إلى استخدام العسكر الذين يحتكر انتماءَهم السياسي إلى اليوم. قضية تبعيث العسكر لا بد من حلّها في مستقبل سوريا القريب، كي لا يعود الضباط إلى ممارسة هواية الانقلابات العسكرية في المرحلة الانتقالية القادمة التي ليس من سماتها، بطبيعة الحال، الاستقرار والرفاه. للأسف، أمام ضعف تعبير قواعد البعث عن إرادتها وانتظارها لخلاصٍ يتبنى رسالتها من فوق، وأمام عناد مصالح القيادات وعماءاتها، وأمام تعيينات المؤتمر القادم بدلالة الضغوطات الخارجية... لا يمكن للمواطن السوري أن ينتظر من مؤتمر البعث القادم أكثر من تفويت مُصفّق له ومُصوَّت عليه لفرصة بناء سوريا جديدة لا تقودها المصالح الشخصية والولاءات المضادة لفكرة الدولة. ولا يمكن للمرء أن ينتظر أن يكون هذا المؤتمر خطوة نحو مصالحة وطنية شاملة. والحديث أعلاه ليس عن حق لحزب البعث في تقرير مستقبل سوريا، إنّما عن واجب عليه في تجنيب مستقبل سوريا الخراب ما استطاع. جميع البعثيين يعرفون أنّ المؤتمر الذي ينتظرون منزوع الإرادة مسبقا، وأنّ قراراته معدّة قبل انعقاده، وأنّها معدّة بدلالة الخارج أكثر بكثير ممّا هي معدّة بدلالات الداخل، وأنّها تأتي ثمرة لمساومات واتفاقات مع الخارج، مساومات المخفي منها أكثر من المعلن.. كما أنّ الكثير من البعثيين يتحدث بصوت مسموع، اليوم، عن قيادة بعثية صنمية تعيق أي تغيير وتقف حائلا دون أية نقلة نوعية نحو المستقبل، وكثير من هؤلاء يتحدّث عن إرادة رئاسية مغايرة لكتلة الإعاقة تلك، مشيرا، بحسرة وأسى، إلى حدودٍ لقدرةِ الرئاسة، حدودٍ تتسع تارةً وتضيق تارة أخرى تبعا لتخمينات المتحدّث عن مراكز القوى (الأمنية بالدرجة الأولى) وولائها وإرادتها. فبعد قرابة خمس سنوات من رحيل الرئيس المؤسس بات الحديث عن إرادة ذاتية للمؤسسة الأمنية ممكنا، بل بات الحديث عن صورة مقلوبة في العلاقة بين المؤسستين ممكنا أيضاً، لكن هذا الحديث باتت تشوبه فكرة عدم تجانس المؤسسة الأمنية بعد غياب الإرادة الموحّدة، إلى درجة أنّ البعض بات يشير إلى رغبة لديها في التطهر من الآثام التي ارتكبتها بحق الشعب السوري والتخلي عن وظيفة إرهاب الشعب التي أُوكلت إليها وأدّتها بنجاح منقطع النظير على مدى ثلاثة عقود. ولا تخلو أحاديث البعثيين من تشخيص اقتصادي للحالة السياسية السورية، وليس من خلال علاقة الاقتصاد بالسياسة المعروفة للجميع، إنّما من خلال علاقة السياسة السورية بالمصالح الشخصية الضيقة، وغياب فكرة مصلحة الدولة والشعب عن راسمي السياسات، وواضعي حدودها...ومع ذلك، فقلّما تجد بين هؤلاء البعثيين العارفين متحررا من وهم ضرورة سلطة البعث وسلطانه ونقاء أفكاره. فما الاجراءات التي يفكّر بها كثير من البعثيين إلاّ تدابير تعيد القوة إلى البعث من أجل أن يعود قائدا حقيقيا للدولة. وأمّا فكرة مشاركة الآخرين سلطتهم فلا تتعدى أن تكون مَكْرُمة، هذه المرّة ليس من قيادة المحافظين إنّما من قيادة الإصلاحيين، أو شكلا من أشكال الجبهة الوطنية التقدّمية التي لا تحتاج إلى بذل الحبر لتوصيف ولاء أحزابها وفاعليتها. وأمّا من يفكّر بغير ذلك، فيضع نفسه تلقائيا خارج مقولة العقل البعثي الذي تَشكَّل في حاضنة السلطة على مدى أربعة عقود، أو يضع نفسه مع القواعد التي لم تعبّر عمّا تكونه بعد. فالفكرة التي يشتغل عليها إصلاحيو البعث هي إعطاء البعث فرصة أخرى في الحكم على الرغم من أحداً في الداخل لا يبدو قادرا إلى الآن على إعطاء هذه الفرصة أو حجبها ؛ فرصة ليثبت، من خلالها، أنّه هو البعث ليس كما بدا في سنوات حكمه، وأنّه ما زال قادرا على التوجّه بالبلد إلى أفق آخر، على أرضية من القفز فوق المشكلات دون تصفيتها. (صدّقوني، جرّبوني مرّة أخرى..) يصيح! على المستوى النفسي يمكن فهم حالة إصلاحيي البعث المفجوعين بصورته المنعكسة في مرآة السلطة، بل يمكن التعاطف معهم، والعطف عليهم. فهم يتوسلون فرصة لإثبات أنّ حزبهم ليس قبيحا كما أظهرته مرآة السلطة. فلو أعطي البعث فرصة أخرى لاستقتل، ربّما، في.... في ماذا!؟ لا أدري ماذا يكون بعد هذا السؤال! أفي محاربة الفساد أم في تحرير الأرض المحتلّة وقتال أعداء الوطن الحقيقيين أم في انتهاج سياسة لا تفضي إلى العداء مع المواطنين السوريين ومع أقرب الأشقاء والجيران ولا تنتهي إلى هدر مصالح الدولة والشعب..!؟ مثل هذه الفرص تُمنح عادة في الحروب. هناك يُمنح من يُتّهم بالتخاذل أو الجبن أو الخيانة فرصة لإثبات برءاته من التهمة الموجّهة إليه، فيوضع على خط النار الأوّل بين نيران العدو ونيران سرية التأديب، أو ربما كان لها اسم آخر عند العسكر. فإمّا أن يقضي كريما شهيدا أو يموت مهزوما. هو في الحقيقة يُعطى فرصة، الخيار فيها واحدٌ هو الموت، الموت الكريم أو الموت المشين. ومع ذلك، فليس في سوريا من يمنح البعث هذه الفرصة سوى البعث نفسه. وأعني هنا قواعد البعث التي قد تكون بها رغبة في الانتصار للبعث الذي قال لها الراوي، أو من احتكر حق رواية التاريخ كل هذه العقود، قال لها كيف هو يكون، أو ربّما تكون بها رغبة للانتصار لنفسها ضد الأوهام التي كُمّت بها والفظائع التي ارتكبت باسمها والخرائب التي تُركت لها... وهنا لا بد من إبداء الحذر. فقواعد البعث قد تنضوي تحت طلب الإصلاحيين فرصةً أخرى، لتجد نفسها ليس في ورشة بناء وطن جديد، إنّما في غرفة إنعاش بعثٍ قديمٍ، هو غير ما خَبِرناه، نحن الذين رحنا نتفرج على ما راح يفعَله بنا، من حيث هو جوهر خانته ظاهرته حين خادعته فلم تعبّر عنه! في الحالة هذه قد تشكل قواعد البعث قاعدة لحركةِ تطهّر أصولية تسعى ليس إلى حزب صيّره التاريخ بحيث لم يعد يحتمل وطأة اسمه، إنّما إلى بعث موجود في مكان ما من لاوعيها، بعث مقدّس وله مقدساته؟! يقول بعض إصلاحيي البعث الذين حالت التصفيات أعني الانتخابية دون احتلالهم كراسي المؤتمر، بضرورة إصلاح الحزب أولا قبل إصلاح علاقته بالدولة والمجتمع. يقولون لك: البعث مُبتلى بالكثير من الآفات وهو يعاني الكثير من العلل والتشوهات. تجيبهم: إذن، لا بد من إحالته إلى دارٍ للنقاهة بعيدا عن ضغط السلطة وسمومها، كي يتأمل ذاته ويعود إلى وعي ذاته، فيكون قادرا على وعي الآخر.. يصمتون، وتدور أحداقهم في حجرات مظلمة. تستفيق ذاكرتهم الأمنية: ومن الذي سيعيدنا إلى السلطة بعد ذلك؟! حقيقةً، إذا كان أكثر من مليون بعثي يقال أكثر من مليونين عاجزين عن ضمان ذلك عبر صناديق الاقتراع فلا أحد يستطيع ضمانه، اللهم إلا إذا عاد عصر الانقلابات العسكرية إلى الشام. في البعث اليوم خليط عجيب أتت به حملات التبعيث الكانسة والسياسات التي جعلت الرقم الحزبي ورقةً من أوراق كسب لقمة العيش.. فهنا تجد معجبين أشد الإعجاب بخطاب الإخوان المسلمين، معجبين مستعدين للانضواء تحت راية الإسلام؛ وهنا تجد أيضا من يوضّبون حقائبهم ومناديل من أحبّوا للركوب في سفينة الحزب القومي السوري، بعضهم أملا بعودة (انتقام) إلى لبنان، وبعضهم الآخر نحو صورة مصغّرة ممكنة عن البعث؛ وتجد هنا، كذلك، يساريين مهزومين لو تراءى لهم في الأفق البعيد ضوءا شيوعيا لانضموا إليه؛ وتجد كتلة كبيرة ممّن يعرفون أنّهم مظلومون ومضطهَدون وممتهَنون، هم وآباؤهم، ويعرفون أنّهم خانعون أذلاّء، ولكنّهم لا يعرفون من يكونون... من هؤلاء وأولئك تتشكل قواعد البعث التي عليها واجب إعادة البعث إلى وعيه (بالتاريخ)، من أجل ألا نغرق جميعا في عفونة أحشاء التاريخ ودمائه. (*) كاتب سوري