فادي ناصر الدين، شاعر شاب يكتب بالمحكية اللبنانية وصدر له مؤخرا »توت شامي« عن »دار مختارات« قوبل بترحاب لافت في الاوساط النقدية. عن إصداره وشعره وتأثراته والفروقات بين المحكي والفصيح كان معه هذا اللقاء. ضمن اصدارات »مختارات« لاقى كتاب »توت شامي« لقصائدك بالعامية ترحيبا حارا قرأنا صداه نقديا. لماذا برأيك؟ وهل أضاف لك النقد؟ { ربما لأنه اضاف شيئا ما على المساحة الواسعة الفراغ التي تتحلى بها المحكية. إذا ما قسنا التجربة بشكل عام، تجربة المحكية نفسها. اعتقد ان ما قالته قصائد »توت شامي« الثلاث لم يأت من خارج التجربة الشخصية، بمعنى انها قصائد تأخذ شكل الحياة. هي على تماس مع الرصيف وغباره، هي محاولة لعصرنة النصف المحكي والتماسه والعيش به لحظة الكتابة كما في لحظة القراءة. في »توت شامي« هناك مناخ روائي عملت عليه. تأخذ القصيدة شكل الحكاية المتكسرة دائما. كأني أجول داخل القصيدة بسيارة لقطع المسافة وعلى الطريق مطبات. (ما تخافي) ليست اكثر من لمعات تفاجئك وتنقلك من حكاية الى حكاية داخل النص نفسه، بمحاولة لشعرنة المشهد اليومي المتناثر والمتداعي والبطيء في التجربة الحياتية، ونقله الى قصيدة مكثفة محبوكة بجو شعري سردي تآلفت في تركيبه عدة عوامل، منها البحور والموسيقى والايقاعات المختلفة داخل النص كما لملائكة النشر حضورها داخل الجو العام للقصيدة. فكانت القصيدة على الشكل الذي قرأتِ على قاعدة إطالة عمر النشوة في اللقطة لمصلحة تثبيت التقنية، بالتجريب الدائم على النص بحيث الجديد ابن التجريب. علّ هذا ما لفت الى »توت شامي« كي يلاقي هذا الترحيب.. أما ماذا اضاف النقد؟ كتب عن العمل عدة مقالات، وأنا شاكر من كلف نفسه عناء الكتابة. كون كل ما كتب، كتب بحب لهذا الكتيب إذا صحت التسمية. ما أريد قوله هو انه لا يوجد على ما يبدو بين الصحافيين الكتّاب، من هو متخصص بالمحكية او من يملك تكتيك الكتابة عنها ربما لذلك هي مظلومة وغير متابعة من قبل النقاد، او ربما الصحف تتجنب إلقاء الضوء عليها، ولهذا شرح خاص قد يطول الجدال فيه، وربما مطلوبة الاجابة عليه. لغة حياة وواقع العامية لا تزال كتابة تأسيسية (سعيد عقل، ميشال طراد، عصام العبدالله، طلال حيدر) وقليلون سواهم بعد، هل يمكن قراءة العامية من منظور نقدي أم عاطفي؟ { بالاثنين معا، اذا ما اتفقنا على أنها تبدو كالفتاة القاصر، يصعب التعاطي معها على انها امرأة، ويغري في ذات الوقت. هي لغة حياة وواقع، تتميز عن الفصحى بنقصها، هي لغة غير مكتملة ولا أمل لها بالاكتمال، مفتوحة على الزمن الآتي.. بينما الفصحى لغة بكامل حبرها، تملك قاموسا كاملا. ما أريد قوله هو، ملعب المحكية او العامية كما تريدين، هو ملعب واسع وفسيح وممتلئ فراغا، كما القاموس ضئيل جدا لكنه مفتوح على التجارب وعلى الحياة.. الاسماء التي ذكرت خطوا الصفحات الاولى في القاموس.. »ميشال طراد« المبتكر الاول والمؤسس لهذه التجربة التي أخذت شكلها الحالي. و»سعيد عقل« مثقلها و»طلال حيدر« بهلوانها و»عصام العبدالله« فصيحها. وكونك لم تسم غير هذه الاسماء، قد تكون اشارة الى ان (اللعيبة قلال) والتجربة بحاجة لبعض الحب الى جانب النقد، كي يكتمل المشهد وهناك فرق بين احتضان التجارب واغتيالها!! اعتقد شخصيا بعوائق بين العامية ووصولها الى القارئ العربي. كيف تمكن المغامرة بكتابة محلية من دون طموح الى ايصالها الى الجمهور العربي. ايضا هي محرومة من الترجمة؟ { أنا أعتقد مثلك تماما بهذه العوائق، لكن للقارئ بشكل عام حتى المحلي منه. كونها تأخذ شكل المحكية، بمعنى أنها قصائد مشافهة يتداخل فيها النص مع شكل واسلوب تلاوتها. وأوافق معك ايضا على انها مغامرة في حال لم تأتِ جديدا او لم تحدث فتحا. أما امكانية انتشارها عربيا، من المتعارف عليه ان المحكية اللبنانية هي الاقرب الى الفصحى في العالم العربي. ولا أخفيك سرا لدي نهم للوصول الى القارئ العربي او الى (المستمع) العربي، ان اردتِ. لكن عبرها، كونها الاداة التي أتماهى معها، فإذا استطاعت اخذي الى الآخر سوف اذهب معها باستسلام كلي وإن لم تفعل، سأعاقرها الحبر كي تفعل يوما. اختياري للمحكية كان بدافع النشوة اولا عندما اقارب المعنى فيها تتحول الى غاوية في فراش التعبير، وقد لا توصلني الى نشوة الفكرة وقد تفعل. ربما يغير هذا اختياري للمحكية لكتابة الشعر ربما كونها لغة شهوة وواقع. هل يُحسب الكاتب بالعامية دون سواها، شاعرا؟ { وهل الشعر هو شكل واحد لا تستطيعين الوصول اليه بغير الفصحى. أوليس في اللوحة شعر، وفي الصورة شعر، وفي الموسيقى شعر، وفي الحياة شعر، وفي الموت شعر، اللغة شكل من اشكاله او اداة او مركبة لإصاله. لكي تستطيعي كتابة الشعر بالعامية او بالفصحى، عليك ان تكوني في غاية الحياة والحذر والتروي والشاعرية اولا.. كون الخيط الذي يربط بين الجيد والتافه رفيع جدا، ما ينطبق على الفصحى ينطبق على العامية، من جانب تهمة الشعر، الشعر هو الشعر. ولا فضل للفصحى على المحكية الا بالاكثر شعرية. لطالما للشاعر حق اختيار (عتّاله) اذا وافقت معي على ان اللغة (عتاله) عند الفكرة. اقول لك اشعر احيانا ان ما أبحث عنه في اللغة، قد يكون خارجها. اما كوني اكتب بالمحكية أكون شاعرا او لا أكون فهذا لا يحدده الخيار بين الفصحى والمحكية، بل يحدده الشعر نفسه. أما بالنسبة للسؤال.. فلا أعرف حقيقة ما هو الشعر، فكيف لي ان اعرف من هو الشاعر؟. ارباب تجارب هل تحتاج الى الحب للكتابة، أم هذه حرفة بإمكانها ان توجد خارج العواطف؟ { تحتاجين الى معظم افعالك عندما تكتبين، قد يكون منها فعل الحب. كما عليك توضيب هذه الاشياء لشحنها في مضامير الحرفة. تطاردني العاطفة أثناء كتابة فروع القصيدة اي في مرحلة الاعداد لها، وتغادرني في مرحلة حياكتها، بحيث اصبح اكثر تصلبا وتشنجا وأمارس ما يكفي من العنف بحق ما هو خارج اطار الأساس في النص، وقد تختلط الامور احيانا وتتداخل، ويضيع التيرموميتر خاصة الاشياء، لأنتبه حينها اني حرفي غافل سر الحرفة وامتطاها، قد يغفو احيانا ليستيقظ على غصن شجرة جرحه في رقبته فانتبه. في »توت شامي« نزق، ونفاد صبر ورقة، ولعب، ومن يقرأك يعتقد بشاعر أكبر منك سنا، هل توافق؟ { بكل سرور... هل من مدارس شعرية تعتقد بها؟ وما هي تأثراتك الشعرية، وهل تتلمذت أم ولدت هكذا شاعرا ملعونا؟ { إن كان السؤال محصورا بالمحكية، خارج اطار الفصحى والعالمي أقول لك هناك عدة مدارس او تجارب كبيرة لبنانيا مصريا وعراقيا.. وإن تكلمنا لبنانيا، كل من ذكرت في سالف المقابلة هم ارباب تجارب، استفدت منهم وتأثرت بهم جميعا. وأذكر ذات مرة وكان عمري يقارب 19 عاما، اقتحمت مقهى الومبي في شارع الحمراء، وانهلت على الشاعر الاب الصديق عصام العبدالله (حبيبو) ولم أكن أعرفه شخصيا بمعظم قصائد ديوانه »سطر النمل« فترنح عصام نشوة، هناك شاب يتلو شعره في المدينة. كما أني أحببت طلال حيدر كثيرا وتابعت معظم تجربته. وسحرني سعيد عقل كما ميشال طراد الشاعر الجالس في الحديقة في كل تجربته. بعد هذا كيف تستطيعين ان تخرجي بنص معافى محرر من براثن هؤلاء الفيلة، الحل الوحيد سرقة الجميع ومزجهم وادخالهم الى »الفرامة« وهضمهم للخروج بنص مختلف، هؤلاء لا يؤكلون فرادى لأنه باستطاعتك القاء القبض بسهولة على المتسلل داخل نصوصهم.. لا شك ان هذه المدارس، أثرت بي. وإن شئت يجب الانتباه اليها، والابتعاد عنها كي يأتي جديدك.