لم يستغرق فيلم »فول الصين العظيم« (إخراج شريف عرفة بطولة محمد هنيدي 2004) سوى سنة، ليصعد من السينما الى شاشة »ايه ار تي سينما«، حيث يعرض بصورة مستمرة يومياً. في المقابل، استغرق المخرج شريف عرفة نحو عشرين سنة، ليسير بانحدار من »الاقزام قادمون« (1987)، وصولا الى الشريط المذكور. الارجح انه مسار انحداري حاد. ففي »الاقزام قادمون« قدّم عرفة رؤية سينمائية، وبصنعة درامية متينة، عن المهمشين اجتماعياً، عبر نموذج القزم وما يرتسم عنه من صور تجعله موضع نبذ وتمييز عنصري وتحطيم اجتماعي وما يشبهها. وزاد في عمق رؤية عرفة السينمائية عن التهميش الاجتماعي، انه ربط بينها وبين التحرر من التسلط في أشكاله كافة. من تلك النقاط القوية في »الاقزام قادمون«، انحدر عرفة الى »فول الصين العظيم«. يفتقد الشريط الى البنية الدرامية الاساسية، ربما لان الكوميديا المسطحة، والتي أدمنت عليها السينما العربية لعشرات السنوات، تفترض بناء درامياً مفككاً ومُتفهاً. ونرى في الشريط محيي الشرقاوي (هنيدي): شاب مصري بملامح صعيدية معاصرة (هل ترك هنيدي أبداً دور »صعيدي في الجامعة الاميركية« الذي أطلقه سينمائياً؟)، يتخبط في سعيه للرزق. انه ابن »عالمة«، أي راقصة من الدرك الاسفل ( أدت دورها المخضرمة سهير الباروني، من دون جهد)، ويقود جده (سامي سرحان) عصابة فاشلة في عالم الإجرام. تقود الصدفة الشرقاوي للذهاب الى الصين الشعبية للمشاركة، بالنيابة عن بلاده، في مسابقة للاطعمة. يغرم بالفتاة الصينية لي. وتحاول عصابة صينية إقناعه بدس السم لرئيس اللجنة، الذي يعارض أنشطتها الاجرامية. ويرفض هنيدي، وتعجب »لي« بموقفه، وتحاول إنقاذه. يذهبان الى أهلها في الريف الصيني. تلاحقهما العصابة. وتواجه عائلة لي المجرمين وتهزمهم. ويعود الشرقاوي الى مصر. في الفيلم جارى المخرج نموذج هنيدي. وبدا عرفة وكأنه يصنع نوعاً من المسخ المسطح لكوميديا المخرج الاميركي المشهور وودي الن! ربما لا يقصد هنيدي ذلك، أو ربما يقصده، لكن شيئاً ما في أدائه، الذي لا يتغير في أفلامه المتعددة، يذكر بألن، بحيث يظهر دوماً وكأنه تشويه يفتقد للذكاء عن الاصل الاميركي. ويرتكز الن الى صورة الانسان العادي، الذي يعاني الضياع والضعف حيال المجتمع الهائل الذي يحيط به. ويحاول دوماً النجاة والهرب منه، من دون ادعاء امتلاك أي قوة خاصة في مواجهته، سوى... ضعفه نفسه! ويبدو هنيدي وكأنه التقط خيطاً يميز شخصيته الكوميدية عما يؤديه دوماً (في تكرار مذهل) عادل إمام، الذي رفع، والى الحد الاقصى، نموذج »البطل المزدوج«: ضعف مذهل ينطوي على قوة هائلة غير متوقعة. قدمت تلك الشخصية الى دنيا الفن العربي، للمرة الاولى، عبر مسرحية »أسد الاناضول« للتركي عزيز نيسين. وقدمها اولا، الراحل نجيب الريحاني في فيلمه الشهير »عمر أفندي«. لم يلبث الممثل عبد المنعم مدبولي أن التقطها، وأعاد صياغتها بالتركيز على كوميديا الحركة والكلمة، لتصبح أساساً في ما سُمي ب»مدرسة المدبوليزم«. تتلمذ الممثل فؤاد المهندس في مدرسة »المدبوليزم«، ثم صادرها كلياً، مغرقاً شخصية »البطل المزدوج« في أداء تهريجي وكوميديا المفارقات الكلامية. وجسّدها المهندس في سيل من الاعمال المسرحية والاذاعية والسينمائية. وفي أحضان مدرسة المدبوليزم، وبقيادة المهندس، ظهر عادل إمام. والمفارقة ان الظهور الاول الذي لفت الانظار الى إمام، كان في مسرحية »انا وهو وهي«، التي جمعت الثلاثي المهندس ومدبولي وإمام. وفي أحضان مدرسة إمام، الذي سيطر على الكوميديا المصرية والعربية لعقود طويلة، ظهر هنيدي. وهجر الاخير شخصية »البطل المزدوج« ليصنع، على طريقته الخاصة، نموذجاً مغايراً. والتقط هنيدي شخصية البطل الضغيف التائه، الذي يقدر على الانتصار من دون امتلاك القوة النقيضة للضعف. والحال ان الممثل محمد سعد صنع شخصية »اللمبي« من قماشة مشابهة، لكن مع تركيز أكبر على التهريج في اللفظ وحركة الجسد، بما في ذلك الغناء والرقص. ولعل اشتغال عرفة مع إمام، قاده الى هذه المتاهة من مزيج الاستنساخ والمسخ، التي يمكن القول انها »استمساخ« للكوميديا. ورغم انه قدم أفلاماً أكثر جودة مع إمام، وأقوى في المعنى الكوميدي، مثل »الارهاب والكباب« (1992) و»اللعب مع الكبار« (1991) و»المنسي« (1993)، إلا ان ذلك لم يحل دون انحداره الى ...»فول الصين العظيم«!