في هذا المفترق الخطير، نحن بين أمرين: عز لا تنفصم عروته، ولا تقرع مرّته، أو ذل تهاوت معه كواكب السعد، وتقوضت منه سرادق المجد. فإن نبذتم الأهواء الشخصية، وآثرتم شرف القضية، فلنكونن في حرز لا يفصم، وتكون بلادكم في حمىً لا يقحم. أما إذا غلبكم الهوى، فلتكونن مذقة الشارب ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، أمام قوة العدو وشدة الفتن، وتظاهر الزمان... فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته، وأخمدوا بالصبر الجميل فتنته، فإنه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية..ألا وإن النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير..(1) »إنه لا حياة لهذه الأمة إلا بإجماع آرائها، وتوحيد أهدافها، بجميع مذاهبها، وشتى مشاربها على إعلاء كلمتها بإعلان وحدتها، في بنيان مرصوص، يشد بعضه أزر بعض«. ألا إن الاستعمار الغربي يغزونا في عقر دارنا معتدياً غاشماً، ألا ومن مات دون حفنة من تراب وطنه مات شهيداً.(2) »أما الغزاة الطغاة من كل محتل أثيم، وغاصب زنيم، فسيعلمون أي منقلب ينقلبون، وأن الأرض لا يرثها إلا عباد الله الصالحون«.(3) »تنمر الصهاينة يتحدى رسالة القرآن..«(4) »أيها العرب.. أيها المسلمون: لقد حمّ الأجل وموعدنا فلسطين، على أرضها نحيا وفيها نموت والسلام عليكم يوم تموتون شهداء، ويوم تبعثون أحياءً«.(5) إن هذه الكلمات الواعية في حثها على الجهاد على قاعدة الوحدة الوطنية والإسلامية، لم يكن توقيتها في الربع الأخير من القرن العشرين ولم يكن مطلقها قائد المقاومة الإسلامية الحجة المجاهد السيد حسن نصر الله، بل كان توقيتها بدءاً من الربع الأول من القرن العشرين وكان مطلقها قائد المقاومة الإسلامية الإمام المجاهد آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره). إن هذه الكلمات تظهر شدة التشابه بين الأمس واليوم فالاستعمار هو الاستعمار، والمحتل هو المحتل، والموقف هو الموقف، والقائد هو القائد. من هذا المنطلق أحاول الورود إلى حرم الساحة الجهادية للقائد الفذ الرجل الأمة الإمام شرف الدين. ففي أيام تحمله مسؤولية المجتمع غزا الغرب بلاد المسلمين فدهمهم »بخيله ورجله وأناخ بكلكله وضرب بجرانه«(6) ونفذ في فلسطين وعد بلفور المشؤوم فانتهك الصهاينة حرمتها محتلين الأرض غاصبين الحقوق مشردين الأهل مجددين المجازر، وقسم الاستعمار بلاد المسلمين شر تقسيم بل قسموا الأمة أمماً والنفس أنفساً، وأقام بين العراق وتركيا وإيران حلفاً على باطل واعتدى على مصر بعدوانه الثلاثي. إنها عناوين من التداعيات الكثيرة لغزو الغرب بلاد المسلمين عايشها الإمام شرف الدين لينهض في مواجهة هذا الغزو الخطير بدوره الرائد القائم على الحكمة والشجاعة اللذين رسما خطوط المواجهة التالية: 1 التأكيد على وحدة المسلمين: فقد كانت الوحدة بين المسلمين قناعة راسخة في عقل الإمام شرف الدين وجذراً مغروساً في قلبه ووجدانه، فقد كان رضوان الله عليه يستند في دعوته وإصراره على الوحدة بين المسلمين إلى رؤية فقهية وأخرى سياسية، تمتاز كل واحدة منهما بعدم انحصارها بمنظار الإمامية من المذاهب، بل هما واضحتان بمناظير أهل السنة بمذاهبهم المتعددة. من هنا سعى الإمام شرف الدين سعياً محموداً ليبرز الرؤية الفقهية للوحدة المنطلقة من أساس عقيدي محكم عند جميع المذاهب، فكتب فقه الوحدة لا بقلم فقيه إمامي لا يغترف حبره إلا من مصادر المذهب الخاص به بل بقلم فقيه عام يطل على جميع مذاهب المسلمين مغترفاً من مصادرهم المتعددة مما هو حجة ملزمة عند الجميع. بناء على هذه القاعدة كتب الإمام »الفصول المهمة في تأليف الأمة« الذي ربط فيه تحرر الأمة من الأجنبي وسيادتها وتقدمها بوحدة المسلمين واجتماعهم، فقد قال فيها »لا تتسق أمور العمران، ولا تستتب أسباب الارتقاء، ولا تنبت روح المدنية، ولا تبزغ شمس الدعة من أبراج السعادة، ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية بيد الحرية إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة وترادف القلوب واتحاد العزائم والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة ورفع كيان الملة وبذلك تهتز الأرض طرباً وتمطر السماء ذهباً وتتفجر ينابيع الرحمة«(7). 2 التأكيد على الوحدة الوطنية: كما أكد رحمه الله حرصه على الوحدة الوطنية بين أبناء البلد الواحد مسلمين ومسيحيين. ففي كلمة له في المسجد العمري في وسط بيروت »... وإنكم مؤهلون فيها بحكم الإسلام، ونص القرآن لتوطيد السلام، وتأكيد الوئام بينكم وبين طوائف هذا البلد الذي اتخذتموه سكناً، ورضيتم به وطناً، وليكن القرآن سفير صدق بينكم وبينهم يعلن قول الله سبحانه (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ). إنه مرسوم من رب الأرباب يأخذ بأعناقكم إلى مودتهم، لأنهم أقرب الناس مودة لكم«.(8) لقد أدرك الإمام شرف الدين أن وحدة أبناء الأمة وأبناء الوطن هي هدف لأسهم الأعداء الغازين. لذا رفع شعار التعايش الوطني النزيه عنواناً في خطابه وعمله السياسي لا سيما في مواجهة المؤامرات التي تستهدف هذا التعايش، فها هو يخطب في مؤتمر الحجير أمام زعماء جبل عامل وعلمائه وثواره: »ألا وإن النصارى إخوانكم في الله، وفي الوطن، وفي المصير، فأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم وحافظوا على أرواحهم وأموالهم، كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تحبطون المؤامرة«.(9) 3 المقاطعة السياسية للاحتلال وأعوانه: وعلى قاعدة وحدة الصف الإسلامي والوطني أصرّ الإمام شرف الدين على مقاطعة المحتلين، فكان استقباله للاحتلال الفرنسي كما يعبر بنفسه »استقبالاً صاخباً محتجا، يواجهها بالرفض والمصارحة والميل عنها ميلاً لا هوادة ولا لين«.(10) وأراد الاحتلال استمالة سماحته وإرضاءه بواسطة مفاوضات ينتج عنها إعطاء صلاحيات واسعة في الحكم المحلي، وكان موقفه رفض المفاوضات والمساومات هذه وردها. يقول رضوان الله عليه »ثم كان لنا مواجهات مع المسيطرين من الفرنسيين ك بيكو، وغورو، وشربنتيه، ودلبستر، ونيجر، وقد حضر بعض هؤلاء إلى صور وفاوضَنا دون خجل في أن تكون الإرادة المطلقة في التعيينات وأسس الحكم المحلي وما إلى ذلك، ولكنا رفضنا هذه المساومة ورددناها«.(11) وأعلن أمام الملأ موقفه السياسي رافضاً »أن يكون لأية دولة يد في حكم، أو دخل في انتداب«(12). وإن التاريخ يعيد نفسه، والقائد بالأمس ينتج قادة اليوم، فكم عُرض على قادة المقاومة الإسلامية أن يكون لهم الشأن السياسي النافذ في لبنان مقابل التخلي عن الموقف من الاحتلال وكان ردهم كرد الشهيد الشيخ راغب حرب تلميذ مدرسة الإمام شرف الدين »الموقف سلاح والمصافحة اعتراف«. 4 توجيه ودعم مقاومة الاحتلال: ولم يقتصر جهاد الإمام شرف الدين على المقاطعة السياسية السلمية فقد رأى فيه أولئك الثوار المتحمسون لقتال الاحتلال قائداً ومرشداً وموجها، وما يدل على مكانته هذه في نفوسهم هو ردة فعلهم حينما أشرف عليهم في مؤتمر وادي الحجير التاريخي الذي تجمع فيه صفوة جبل عامل من علماء وزعماء ووجهاء وأعيان إضافة إلى جمع كبير من الفرسان المتحمسين للجهاد وذلك للتشاور في قرار المقاومة المسلحة للاحتلال. فما إن اشرف الإمام شرف الدين على جمعهم هذا »حتى جلجل الوادي وجرجر صداه وانطلقت الحناجر والأكف والبنادق تمدّ الصدى بموجات إثر موجات تتجلجل في عنق الجبل ثم تنطلق في الفضاء«(13). يصف الأديب الحوماني ذلك المشهد العظيم في تأثر الناس بشخصية الإمام شرف الدين قائلاً يخاطبه »... ولو شئت أن يُرمى بهم يومئذ في البحر لما عصوا لك أمراً«(14). أراد الإمام شرف الدين بجاذبيته القوية معتمداً على رصيده المعنوي الكبير لدى هؤلاء المتحمسين أن يحافظوا على النفَس الثوري الجهادي فيهم لكن من دون أن تأخذهم حماستهم للوقوع في مستنقع الفتنة الداخلية التي خطط لها الاستعمار الذي جهز المسيحيين بالسلاح وتغافل عن الثوار المسلمين الذين بذلت لهم الحكومة السلاح أيضاً (15). وعلى رغم نداءات الحكمة الكثيرة لا سيما التي أكدها في مؤتمر الحجير وأثناء وجود الإمام شرف الدين في دمشق يحث ملكها فيصل على جمع الشتات وتطهير الأرض من رجس الاحتلال، فإذا بالاستعمار يشعل الفتنة بين أهل جبل عامل ليتخذ ذلك ذريعة لإعلان الأحكام العرفية فيه وليطال النفي إمام عاملة شرف الدين. فلم يكتف الاستعمار بمحاولة اغتيال الإمام حينما دخل عليه جنود فرنسيون مع أحد عملائهم شاهرين السلاح فصدتهم شجاعة الإمام الذي باغت ذلك العميل بضربات عنيفة ارتفعت بعدها الأصوات ليفر الجنود خاسئين(16). بل استرسل المحتلون فجهزوا حملة جرارة قدرت بألف فارس مجهزين بالمدافع الثقيلة والدبابات والمدرعات لتتجه إلى منزل الإمام شرف الدين الذي استطاع مغادرة منزله متخفياً قبل أن يحرق الاحتلال داره ويأسر وجوهاً من البلدة الكريمة. وحكم الاحتلال الغاصب بالنفي المؤبد على الإمام المجاهد(17) الذي كان يقول في منفاه الدمشقي »كنت أحس.. بلذة الجهاد الذي صيّرني في نعمة أخرى من ضميري«(18). لقد أراد الاحتلال أن يوهن من عزيمة الإمام ويضعف إرادته لكنه لم يدرك علامة التعجب من الإمام الذي قال مجيباً »فكيف يلين الهاشمي لحادث ويلبس.. ملابس الخوف«(19). وهو القائل لوفود زائريه في القاهرة إثر شيوع خبر إحراق المحتلين لداره ومكتبته »فكيف أراعي وأنا منهم أهل البيت جبلت من فاضل طينتهم صخرة في واد، وطوداً من الأطواد..نعم هذا شأن من يرسم لأمته خطط الحرية ويتوقل معارج الشرف سنة الله في الذين يقدمون أنفسهم قرباناً لعقائدهم وفداءً لأوطانهم«(20). لقد أصر الإمام شرف الدين على مواصلة جهاده ودعمه للمقاومة وهو صاحب الموقف العصامي الذي قال لموفد فيصل الذي قدّم له خمسة آلاف دينار ذهبي »نحن لم نثر على القوم من أجل المال، ولكنها عقيدة دينية نستجيب لها كلما خشينا على تراث محمد (ص) أن يصاب«(21). وقدم الإمام هذا المبلغ لصندوق الجيش العربي قائلاً »تمنيت أن أكون درهماً لأضع نفسي في صندوق الجيش العربي لأدافع عن الإسلام والعرب«(22). بهذه الروح الجهادية عاد الإمام إلى لبنان مرغماً الاستعمار على الاعتذار والعفو عن المسجونين(23) وليبقى فيه صادحاً بصوت الحق وصوت المحرومين الذين لم يستطع استقلال لبنان أن يدفع عنهم الاعتداءات الصهيونية فكانت مجزرة حولا الرهيبة المشابهة لمجزرة »دير ياسين« و»كفر قاسم«. فإذا بالإمام يرسل كتاباً لرئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري يقول فيها »حسبنا الآن نكبة جبل عامل في حدوده المتاحة ودمائه المباحة، وقراه وقد صيح فيها نهبا، وأطفاله وقد تأودت رعبا، وقد استمر به الفتك إلى ما هناك من هلاك الحرث والزرع، هذا الجبل المرابط بدفع جزية الدم لشذاذ الآفاق من كل من لفظته الأرجاء ونبذته الأرض والسماء... هذا الجبل العريق، تضرب عليه الذلة والمسكنة، ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة في سحق التاريخ. هذا الجبل الذي يقوم بما عليه من واجبات ولا يعطى ما له من حقوق، كأنه الشريك الخاسر، يدفع الغرم، ومن الغنم يحرم.. فإن لم يكن من قدرة على الحماية، أفليس من طاقة على الرعاية«(24). إن الإمام شرف الدين رحمه الله يطرح في هذا الكلام ما تتطلبه الحكمة حينما تعجز الدولة بجيشها عن حماية حدود الوطن، حينها يُطلب من الدولة رعاية المقاومة الشعبية لتشكل رعايتها الثنائية بين المقاومة ورعاية الدولة وهو ما حصل ويحصل أخيراً في لبنان والذي أدى إلى اندحار الجيش الإسرائيلي. إننا اليوم في ظل الكلام عن نزع سلاح المقاومة نستذكر هذا البعد السياسي الوطني للإمام شرف الدين في تجربة مضت تطالب بالثنائية كما نستحضر الثنائية القائمة اليوم التي حررت الوطن من براثن العدو. (*) باحث وكاتب إسلامي المراجع (01) و(02) الإمام شرف الدين، عبد الحسين، بغية الراغبين، تحقيق السيد عبد الله شرف الدن، ط1، بيروت الدار الإسلامية 1411ه /1991م، ج2، ص 440438. (03) المرجع السابق: ص 446 (مقتطفات من خطبته في القاهرة 1338ه / 1920م ). (04) المرجع السابق: ص 461 (مقتطفات من رسالة إلى الملك عبد الله لدى انعقاد مؤتمر عمان من أجل إنقاذ فلسطين عامه 1367ه/ 1948م ). (05) المرجع السابق: ص 461 (مقتطفات من نداء وجهه للمسلمين والعرب في أول محرم عام 1367ه /1947م ). (06) بغية الراغبين ص 124. (07) الفصول المهمة، ط2، قم، الرضي، 1364ه، ه ش ص 14. (08) بغية الراغبين ص 448 و449. (09) المرجع السابق ص 519. (10) المرجع السابق ص 147. (11) المرجع السابق ص 148. (12) المرجع السابق ص 149. (13) بغية الراغبين ص 154153. (14) المرجع السابق ص 154. (15) المرجع السابق ص 151150. (16) المرجع السابق ص 150. (17) المرجع السابق ص 163162. (18) المرجع السابق ص 164. (19) المرجع السابق ص 469. (20) المرجع السابق ص 445. (21) المرجع السابق ص 526. (22) المرجع السابق ص 506. (23) المرجع السابق ص 168. (24) المرجع السابق ص 472471.