ماهر شرف الدين شاعر سوري شاب له مساهمات نقدية وسياسية عدة في الصحف البيروتية. كتب بداية الشعر العمودي ومنه الى قصيدة النثر في إصداره الجديد »سورة فاطمة«، عنه هذا الحوار: متى كتبت قصيدة النثر؟ وهل سبق التحوّل إليها من الشعر العمودي، محاولة انتحار فعلية؟ { بقيت أكتب الشعر العمودي الى أن سكنت بيروت، الأصح اني لم أكن لأكتب قصيدة النثر لولا السكن في بيروت. كنت قبل ذلك قرأت حواراً مع الشاعر الاردني أمجد ناصر يقول فيه كلاما كهذا. وأذكر اني علقت يومها بالاستغراب، فما علاقة المدن بشكل القصيدة؟ ربما قصدت الامكنة. لكن الحاصل اني عندما كتبت مسوّدة أولى قصائدي النثرية، والتي هي »سورة فاطمة«، كان ذلك أثناء، أو عبر محاولة انتحار أقدمت عليها. كتبت القصيدة وفي ذهني انني أكتب وصيتي. وصية احتجاج للذين سيجدون جثتي في احدى ورش البناء المهجورة التي كنت أعيش فيها، والتي قررت الانتحار فيها. نعم الشعر هو شيء يشبه الوصايا، لكنها الوصية غير المشروطة بموت فوري. الشاعر يكتب وصيته مع أول قصيدة، وطوال عمره. بالطبع كانت محاولة انتحاري فاشلة كما يليق بشاعر يريد تسجيل احتجاج ما، أو تهديد ما. طوال عمري لم أقم إلا بمحاولات انتحار فاشلة. لكن الهام انني وجدت أمامي مسودة القصيدة التي أصبحت كتاباً في ما بعد. ربما سيبدو غريبا التفكير بأنني احتجت محاولة انتحار كي أنتقل من الشعر العمودي الى قصيدة النثر، لكنها الحقيقة التي لا تقل غرابة عن وجود علاقة بين المكان وشكل القصيدة. هل اقتضى إصدارك الشعري الجديد »سورة فاطمة« محاولة انتحار أم ثمة دوافع ايضا لمثل هذا الفعل؟ { فكرة الانتحار لديّ قديمة. أنا في حالة قلق دائم، وأعرف جيداً انني شخص مريض وهش، وغالبا ما ألجأ الى طرق احتجاج عالية وعنيفة. وقتذاك كانت طرق النشر موصدة أمامي، وكنت مضطراً للعمل أكثر من سنة كي أستطيع نشر كتيّب أشعاري. أمضيت أعواما خمسة أعمل بالفاعل بين بيروت وعاليه، ونشرت أثناء ذلك مجموعتين. لم أترك مهنة تعتب عليّ. كان الرفش نهاري، والقلم ليلي. عشت خلطاً مرعباً بين الرفش والقلم. كنت كلما أمسكت القلم أعرق وأحس بلهاث محبوس داخلي. وعندما صارت الكتابة الليلية توحي إليّ بعمل عضلي ما، وعندما صار اليأس أعمق من الشعر، قررت أن أنتحر. هكذا ولدت »سورة فاطمة«، من الجوع والبرد والرفش والتسكع، وأخيراً من محاولة انتحار. أمي، حبيبتي ثمة إهداء طريف وملتبس في المجموعة الى والدتك، ما كنه العلاقة الفعلية بينك وبينها؟ { الإهداء الطريف والملتبس في آن، كما تصفينه، يلخص العلاقة القلقة بيني وبين أمي، والتي يدور في فلكها جزء كبير من قصائدي، والتي تقوم على شعور متبادل بالذنب، لا أعرف مصدره، لا أنا ولا هي. بالطبع أنا أعيش بعيداً عنها بسبب إقامتي في لبنان. أحيانا أحس انني انتهازي في شعري عندما أستغل هذا الشعور في كتابتي، وإلا فكيف يمكن لي أن أقول في القصيدة: »أمي كأذان المساجد. جميلة عندما تكون بعيدة؟« لقد تجنبت سؤال اخوتي عن رد فعل أمي على القصيدة. وحتى تجنبت سؤالهم اذا كانوا قد قرأوا لها القصيدة ام لا. لكي تكون أمي أساسية في شعري بهذا الشكل، عليّ أن أكون ولداً عاقاً، أليس كذلك؟ هل فاطمة حبيبتك الفعلية، أم هي المواربة الشعرية التي اقتضت »سورة فاطمة«؟ { بالنسبة الى اختلاط الاسماء في القصيدة بين منال التي أهديتها الكتاب، وفاطمة التي خاطبتها من خلاله، لا أدري اذا كان في ذلك نوع من تقيّة شعرية. قلت فاطمة حين قصدت منال. لا أدري ما السبب. ربما لان اسم فاطمة يوحي لي بأمومة ثانية. لكنني حتى في قصائدي الاولى لم أخاطب حبيبتي باسمها الحقيقي، دائما كنت أمنحها اسماً حركياً في الشعر. ولذلك قلت في القصيدة: »كان عليّ أن أسميك مريم لكي أنجز ألوهيتي. كان عليّ أن أناديك باسمك يا منال«. آخر القول، لا أملك الاجابة. هناك هامش في آخر كتابك عبارة عن نص نثري، كيف بدت لك مؤالفته مع نصك الشعري؟ { الهامش الموجود في آخر الكتاب هو في حقيقته نص نثري مواز للنص الشعري، أردته هامشاً فجاء متناً. وأنا في حقيقة الامر لا أجد فارقاً حاسماً بين الشعر والنثر، بل لا أجد هذا الفارق بين الشعر وأشياء اخرى نقيضة له. على سبيل المثال، هل نستطيع الادعاء بأن المقولة العلمية التالية: »المد والجزر سببهما جاذبية القمر«، هي مقولة خارج الشعر؟ على كل اذا كان الشعر يشدني من شعري، فالنثر يسوقني من أذني. النقد والشعر »سورة فاطمة« هل أخذ حصته في النقد برأيك، وكيف ترى مجيئك من النقد الى الشعر؟ { أنا لم آت من النقد الى الشعر، وانما العكس هو الصحيح: لقد أتيت من الشعر الى النقد، فأنا شاعر أولا. لكنني ككل شاعر لي رأي في الشعر، هذا الرأي الذي اشتغلت عليه لأكون ناقداً. ويؤسفني القول إن حال النقد بائس لدينا، لأنه غائص في الانشاء، ومدعوس بأحكام القيمة، وفي أحسن الاحوال مزروب في اسطبل المصطلحات. أكثر من ذلك، من يستطيع أن يحدد لي ما هو »التوهج«، أو ما هي »المجانية« في قصيدة النثر؟ يؤسفني القول انني لم أصبح ناقداً عندما فهمت معنى التوهج أو المجانية، بل العكس تماما، لقد أصبحت ناقداً عندما اكتشفت انهما كلمتان بلا معنى حقيقي. النقد لدينا مع كل أسف هو ما يمكن تسميته نقد ال»بالقياس«، أو بتعبير أدق، النقد المرجعي، والذي هو أسوأ أنواع النقد، لأنه يلتزم السلبية لمجرد انعدام المرجعية، أي انه محكوم بنفي كل ما هو جديد، وأحيانا رجمه، باعتباره خارجا عن النمط والسياق اللذين يحكمانه. هذا عن النقد الجاد، وهو قليل على علاته، فما بالك بالحديث عن النقد السائد في صحافتنا، والذي يقوم في معظمه على العلاقات الشخصية والمجاملات. »سورة فاطمة« لم يأخذ حصته في النقد، وأنا لست مكترثاً لذلك، اولا لأنني أفهم طبيعة وسطنا الثقافي، وأستطيع الاستشهاد بإحدى مقالاتك الاخيرة التي وصفت فيها أحوال هذا الوسط المليء بالضغائن، وثانيا لأنني لست مهتماً بأن يجاملني أحد، مثلما لم أهتم للذين صفوا حسابات شخصية في تعليقات ومقالات حول كتابي. كيف ترى الى مقولة الاجيال الشعرية؟ { أريد القول اولا ان فكرة الاجيال الشعرية في عالمنا العربي هي فكرة كوميدية، فمرور عشر سنوات يعني أن جيلا مكتملا قد فقس من بيضته. وبينما يتحدد الجيل الشعري في أوروبا مثلا بإنجاز قد يستغرق مئات السنين، يتحدد الجيل الشعري لدينا لمجرد مرور »المهلة الدستورية«: عشر سنوات! آخر الصرعات الشعرية لدينا انه بات كافياً ان تكون مجموعاتنا الشعرية صادرة عن الناشر نفسه لنكون جيلا شعريا واحداً! لذلك أنا ضد هذه الاجيال الاوتوماتيكية التي لا تبذل جهداً سوى انتظار مرور السنوات العشر. وبالنسبة الى أقراني من الشعراء الشباب، وبعيدا عن المجاملات، أحب تجربتي غسان جواد وناظم السيد. في مقالاتك الادبية، ملامح روائية بارزة. هل أنت بصدد إنجاز رواية ما؟ { كتابة المقال (الادبي خصوصا) استنزاف لا بد منه من أجل نفس روائي أطول، وقلم أكثر إيلاما. مقالاتي الاخيرة في ملحق »النهار«، هي تمارين على الكتابة الروائية. في الفترة الاخيرة باتت الرواية هاجسي الكبير، وربما يعود الفضل في ذلك الى تشجيع الناس والاصدقاء لي. فبعد كل نص سيرة أكتبه تأتيني الاتصالات من كل حدب وصوب لتحثني على إنجاز رواية ما. وأنا الآن، ومنذ أشهر، أعمل على رواية صغيرة تحمل عنوان »اليد«. وهنا لا أجد مفراً من القول ان محمد أبي سمرا كان له الفضل الاكبر في تحريضي الدائم على ارتكاب هذا النوع من الكتابة. وأذكر انه ذات مرة، وبعد نقاش مستفيض حاول فيه إقناعي بأنني روائي قبل أن أكون شاعراً، قال لي مازحاً: فيك تتفادى شعرك.