As Safir Logo
المصدر:

من أنت أيها العميل »بابل«؟

المؤلف: ملتسار غيل/برغمان رونين التاريخ: 2005-05-09 رقم العدد:10087

قبل أربع سنوات من حرب يوم الغفران، دخل شاب مثير للاهتمام، بدا واضحا انه حريص جدا على لباسه وقوامه الى السفارة الاسرائيلية في لندن طالبا الحديث مع مندوب الموساد، وبعد الكثير من الجدل معه نال مراده. وفوجئ الرجل بشدة لأن ضابط الموساد لم يتأثر لدى سماع اسمه. وقال: »أريد العمل معكم، وتسليمكم معلومات يمكنكم فقط أن تنالوها في أحلامكم الوردية. وأريد أموالا مقابل هذه المعلومات، أموالا طائلة. وصدقني، انكم ستفرحون لدفع هذه الاموال«. وبأدب طلب ضابط الموساد من الرجل أن يغادر. ولكن هذا الرجل قال: »فقط أرسل الاسم الى اسرائيل. وسوف أعود اليك في الاسبوع المقبل«. وخرج من السفارة. ونقل ضابط الموساد الاسم الى اسرائيل. وفي مقر قيادة الموساد في تل أبيب لم يصدقوا النبأ. فالقصة كانت أفضل من أن تكون حقيقية. وفورا سافر »ش« وهو ضابط عملاء قديم جدا، فورا الى أوروبا وانتظر لقاء هذا الرجل. وبعد تجنيد الرجل، جرى تعيين »د« وهو ايضا ضابط عملاء قديم في الموساد، لأن يكون ضابط الارتباط مع المصدر الأهم، الذي سيسمى من الآن فصاعدا »بابل«. وكما تنبأ في لقائه الاول، كانت اسرائيل متحمسة لأن تدفع ل»بابل« مقابل المعلومات التي جلبها. وبالاجمال دفعت اسرائيل له ثلاثة ملايين دولار. وللمقارنة فإن الروس دفعوا لأولدريج إيمس، العميل الاهم الذي استخدموه أبدا في وكالة المخابرات المركزية، أقل من ذلك وما زالوا يدينون له بأموال. واسم »بابل« لم يكن ابدا اسم الشيفرة لمصدر المعلومات هذا، وإنما كان مجرد لقب للقب، أطلقه أحد مؤلفي هذا الكتاب في مقالة صحفية. ومنذ ذلك الحين تحول هذا اللقب الى اسم مقبول ومتداول حتى في الاجهزة الاستخبارية ذاتها. والرقابة العسكرية ما زالت تحظر حتى اليوم نشر الألقاب الحقيقية التي أطلقت على العميل الارفع مستوى الذي استخدمته اسرائيل في القيادة المصرية. ولكن الاسم الحقيقي للرجل، ان صدقنا ما نشر في الخارج، صار متداولا للعموم: الدكتور أشرف مروان، صهر الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأحد المستشارين المقربين من خليفته، الرئيس أنور السادات. ومروان من مواليد عام 1934، ابن لعائلة مصرية محترمة، وهو دكتور في الاقتصاد حصل على شهادته من بريطانيا. وفي الستينيات تزوج من الابنة الثالثة والمحبوبة لجمال عبد الناصر، منى. وأدخل هذا الزواج أشرف مروان الى الدائرة الداخلية حول الرئيس المصري الراحل. وحظي برتبة سفير متجول، حيث خرج في مهمات دبلوماسية حساسة في أرجاء العالم. وفي أيلول 2002 صدر في لندن كتاب الباحث الاسرائيلي أهرون (روني) برجمان: تاريخ اسرائيل. وفي الكتاب سمى برجمان العميل »بابل« باسم »الصهر«، بسبب علاقاته العائلية مع الرئيس ناصر، وزعم تحديدا انه كان عميلاً مزدوجاً، غرس معلومات زائفة في قدس أقداس الاستخبارات الاسرائيلية. وبعد نشر الكتاب أجرت صحيفة مصرية مقابلة مع أشرف مروان وصف فيها الكتاب بأنه »قصة بوليسية سخيفة«. وفي أعقاب تلك المقابلة منح أهرون برجمان مقابلة مضادة مع صحيفة »الاهرام« المصرية، أكد فيها صراحة ان »الصهر« هو حقا أشرف مروان. وفي المقابلة قال انه لم يكن يرغب في نشر اسم مروان صراحة، ولكنه اضطر لفعل ذلك للدفاع عن شهرته كمؤرخ. وكرر الادعاء بأن الخداع المصري في حرب يوم الغفران نجح اولا وقبل كل شيء بفضل هذا الرجل. فهل هذا صحيح؟ ويعصف هذا السؤال بقيادة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية منذ تلك الحرب وحتى اليوم. فالكثيرون، وفي مقدمتهم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في حرب يوم الغفران الجنرال ايلي زعيرا يزعمون، مثل برغمان، ان »بابل« كان عميلا مزدوجا، وأنه إخفاق هائل ومتواصل للموساد، قاد الى المباغتة التامة في يوم الغفران. وبالنسبة لزعيرا ورجال وحدة الابحاث في الاستخبارات العسكرية، والذين أهينوا الى حد الاذلال في أعقاب الحرب بسبب تقديراتهم الخاطئة، يشكل »بابل« الذريعة المطلقة. وبالمقابل، يزعمون في الموساد، ولكن ايضا في وحدة الابحاث في الاستخبارات العسكرية نفسها، ان هذه النظرية حول كون »بابل« عميلا مزدوجا، لا تستند الى أي أساس. والعميد عاموس جلبوع، الذي كان يحتل منصبا رفيعا في وحدة الابحاث في الاستخبارات، وترأس هذه الوحدة لاحقا، قال في هذا السياق: »أود القول، كشخص ضليع بهذه المواد، ان هذا كلام فارغ من بلاد الترهات ليس هناك عميل مزدوج ولا سواه. ولن أدخل في التفاصيل ولكنني سأقول: لم يحدث أبدا، وأشدد أبدا، ان المصدر قام بتضليلنا. ولكن قيادة شعبة الاستخبارات هي التي ضللت نفسها. وليتشرف زعيرا ويتحدث مع أحد الزملاء الذين كانوا أعضاء في لجنة الفحص الخاصة في شعبة الاستخبارات بعد الحرب، قبل أن يشرع في الحديث علناً عن المصادر«. وبالفعل، فإن لجنة الفحص في الموساد، والتي حققت في قضية »بابل« بعد الحرب وجدت انه ليس عميلا مزدوجا. وإذا كان بالوسع الاشتباه بموضوعية الموساد، الذي قام بتشغيل »بابل«، فقد تشكلت في وحدة الابحاث في الاستخبارات لجنة عام 1974 وتوصلت الى الاستنتاج نفسه. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم جرى فحص قضية »بابل« عدة مرات. وكانت النتيجة على الدوام واحدة: المصدر حقيقي لا مزدوج. والتحقيق الداخلي الذي جرى حول »بابل« من جانب شخص صاحب خبرة قبل عدة سنوات توصل ايضا الى استنتاجات مشابهة. ومن جهة ثانية، يجب التذكير بأن كل التبريرات تمت على أيدي جهات ذات مصلحة بأن مجرد الاشتباه بأن الحديث يدور عن عميل مزدوج يلقي ظلا كثيفا على قدراتهم المهنية. وقد وجد زعيرا تأييدا معينا لزعمه بشأن »بابل المزدوج« من جانب عدد من كبار المسؤولين السابقين في الاستخبارات وبينهم ابراهام شالوم، رئيس الشاباك السابق، المعروف بقدراته في اكتشاف الجواسيس المزروعين من جانب العدو. وروى شالوم في حديث مع مقربين منه قبل عدة سنوات أنه رأى ملف تشغيل »بابل« وأنه على قناعة بأن الحديث يدور فعلا عن عميل مزدوج، من بداية طريقه. روما، القاهرة، تل أبيب لماذا غدت قصة »بابل« مربكة ومشحونة الى هذا الحد حتى اليوم؟ من أجل توضيح ذلك ينبغي العودة الى فترة تشغيله. فمنذ تلك اللقاءات الاولى في لندن أتحف »بابل« ضباط الارتباط بتقارير جارية من الغرف المغلقة في القيادة المصرية. وقدم تقارير، وقت حدوثها، عن لقاءات يجريها الرئيس المصري مع جهات داخلية وخارجية، وعن المشتريات الاخيرة للجيش، كما انه قدم لمستخدميه أكثر من مرة كميات مذهلة من الوثائق الاصلية. وذات مرة قدم تقريرا معينا عن لقاءات حاسمة لعبد الناصر مع الرئيس السوفياتي بريجنيف في كانون الثاني 1970. كما ان هناك وثيقة مصيرية اخرى هي الرسالة التي بعث بها السادات لبريجنيف في 30 آب 1972. وفي الوثيقتين طلب المصريون »سلاح الرد«، والتبرير هو انه من دون سلاح كهذا لا يمكنهم شن أي عملية عسكرية. وقال »بابل« ان حكام مصر توصلوا الى استنتاج بأن الحصول على طائرات قاذفة بعيدة المدى وصواريخ »سكاد« هما شرط مسبق وإلزامي لخوض الحرب، ومن دونهما لن تهاجم مصر اسرائيل. وكانت لدى الموساد إشارات اخرى تطابق هذه المعلومات. وهذا ما شكل برهانا إضافيا على صدقية ونوعية المصدر. وقدم »بابل« ايضا خطط العبور المصرية والتعديلات المدخلة اليها الى جانب عدد لا يحصى من التفاصيل العسكرية والسياسية والاشاعات المسلية. وبالمناسبة فإن »بابل« نفسه، وفق أحد رجال الموساد سابقا الضليع بالتفاصيل، كان »مشبوها« طوال السنين لدى مستخدميه بإقامة غراميات عاصفة مع عدة نساء، وبينهن مشهورات جدا في مصر. وفي السادس من ايلول 1973، بالضبط قبل شهر من نشوب حرب يوم الغفران، أغارت قوات خاصة لمكافحة الارهاب تابعة للشرطة الايطالية، على مجمع سكني سياحي في بلدة اوستيا، قرب مطار روما. وكانوا يعرفون بالضبط من وماذا يريدون. ففي الشقة رقم 12 في الطابق الثاني اكتشفوا خلية مخربين تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وصاروخي ستريلا ضد الطائرات مع راجمتيهما. وقائد الخلية التي ضمت خمسة مخربين هو اليوم قائد الاستخبارات الفلسطينية في غزة، أمين الهندي. وكان هو ورجاله على وشك تفجير طائرة »إل عال« على مدرج الاقلاع. وبعد ساعات من ذلك اعتقل في فندق »أطلس« في وسط روما باقي أفراد الخلية الفلسطينية. وقد أشارت الصحف الايطالية الى ان الموساد هو الذي قدم التفاصيل عن الخلية، وكتبت ان رئيس الموساد، تسفي زامير، كان في ذلك الوقت في روما. وقبل عدة سنوات نشر الملحق العسكري المصري في ليبيا في ذلك الوقت، صلاح الدين السعدني، مذكراته وكشف فيها النقاب، للمرة الاولى، عن ان مصر وليبيا وقفتا وراء محاولة تنفيذ تلك العملية. ففي الحادي والعشرين من شباط 1973 أسقطت اسرائيل عن طريق الخطأ طائرة ركاب ليبية، اخترقت المجال الجوي باتجاه المفاعل النووي في ديمونا. وتقريبا لقي جميع الركاب مصرعهم. وزعم القذافي ان المراقبة الجوية المصرية أسهمت في حدوث هذا الحادث المأساوي وطلب من السادات مساعدته في تنفيذ عملية ثأرية. وخشي السادات ان يهدم القذافي عناصر المباغتة في الحرب المخطط لها ووافق على الطلب مضطرا. وعين السادات الدكتور أشرف مروان. مستشاره الاقرب ومنسق العلاقات مع ليبيا لترتيب هذه العملية. ووفر صاروخي ستريلا ووضعهما في الحقائب الدبلوماسية المحصنة ضد التفتيش والتابعة لزوجته، منى، التي رافقته من دون ان تدري شيئا، في رحلته الى روما. وبعد وقت قصير من تسليم مروان هذين الصاروخين لرجال الاستخبارات الليبية في روما، وقيام هؤلاء بتسليمهما للهندي، جرى اعتقال الجميع. وإذا صدقنا ما نشر في ايطاليا، فإن سرعة اعتقال أفراد الخلية تشير الى معلومات ممتازة بأيدي اسرائيل. ويلمح السعدني في مذكراته الى انه كانت لمصر مصلحة واضحة في تخريب هذه العملية. واذا كان الامر كذلك فإن في هذا التلميح ما يدعم فكرة ان »بابل« كان فعلا عميلا مزدوجا، وانه في هذه الحالة خدم بشكل مطلق مصالح الطرفين. فقد حصلت اسرائيل على إنذار حول العملية الدموية المخطط لها، والسادات أحبط عملية كان يعارضها. وصارت معلومات »بابل« تزداد أهمية مع مرور سنوات خدمته لمصلحة اسرائيل، كما أن اسرائيل تحولت بشكل متزايد الى دولة مرتبطة بهذه المعلومات. والحديث يدور تحديدا عن مشكلة استخبارية صعبة وصفها رجل الاستخبارات العسكرية، العميد اهرون لبران في مقابلة مع الباحث اوري بار يوسف بأنها »لعنة الوفرة«. وكان لبران حينها نائب رئيس وحدة الابحاث، ارييه شاليف، قد اعترف بأن الاعتماد على »بابل« قاد الى انه طالما لم يقل ان هناك حرباً، فإن المسؤولين عن التقدير في الاستخبارات، وبينهم لبران نفسه، لم يكونوا ليؤمنوا بأن هناك حرباً، حتى لو كانت كل الدلائل الاخرى تشير الى خلاف ذلك. وقال لبران في مقابلة مع القناة الاولى في تشرين الاول 2003 »في رأس الهرم كان لدينا »بابل«. وحيد عصره. وببساطة كنا نعض الشفاه. وكان ذلك بمثابة مخدر من الناحية الاستخبارية. فهذه المعلومات وهذا المصدر خلقا وباء يخطف أبصار الاستخبارات، وكل معلومات اخرى كانت تهبط تلقائيا في أهميتها«. وفي القسم السري من تقرير اغرانات، جرى وصف كيفية إدمان القيادة الاسرائيلية على تقارير »بابل«. »فالحديث يدور عن معلومات خاصة من مصدر بالغ الاهمية« حسب ما جاء في تقرير اللجنة »اعتاد الموساد نفسه توزيعه »بشكل واسع« وبالتوازي لكل من رئيس الحكومة، وزير الدفاع وسلاح الاستخبارات«. وبكلمات اخرى: فإنه بخلاف الاغلبية الساحقة من المواد الاستخبارية التي يتم نقلها للقيادة بعد معالجتها وتقديرها فإنه في حالة »بابل« كانت المعلومات الخام، كما كتبت بأيدي الرجال الذين يلتقون »بابل«، إضافة الى الوثائق الاصلية التي وفرها، تنقل مباشرة لرئيس الحكومة ولوزير الدفاع بموازاة تسليمها لوحدة الابحاث في الاستخبارات العسكرية ولرئيس الشعبة. وأبدى رئيس شعبة الاستخبارات قبل زعيرا، اهرون ياريف، غضبه تجاه هذا الإجراء وطلب من رئيس الموساد، تسفي زامير، الكف عن التوزيع المباشر. وغضب ديان، الذي رأى فجأة انهم يحجبون عنه معلومات خاماً وصرخ على زامير، الذي استأنف توزيع المعلومات. وعند تعيين ايلي زعيرا رئيسا لشعبة الاستخبارات أضيف الى قائمة مستلمي المعلومات اسم رئيس الاركان. وكان الافتراض هو ان معلومات »بابل« هامة جدا لدرجة انه يحظر السماح لأحد بتغيير حرف فيها قبل وصولها الى صناع القرار. وفي داخل وحدة الابحاث في الاستخبارات رأى قلة فقط هذه المعلومات، وبينهم رئيس شعبة الاستخبارات، رئيس وحدة الابحاث ونوابه، رئيس الفرع السادس (مصر) يونا بندمان، ورئيس الفرع الثالث (القوى العظمى) تسفي يعبتس. ولم يكن المسؤولون الآخرون يطلعون على هذه المواد. وبين ما كان يرسله »بابل«/ مروان وثائق وانطباعات أقامت عليها وحدة الابحاث، وبعدها كل المؤسسة الامنية، ما سمي لاحقا ب»المفهوم«. وبحسب المفهوم، كما حددته لجنة اغرانات، أقر الرئيس المصري بأنه يتعذر عليه شن حرب شاملة ضد اسرائيل، طالما تتمتع الاخيرة بتفوق جوي، وذلك انطلاقا من التجربة المريرة للجيش المصري على يد سلاح الجو الاسرائيلي في الحربين السابقتين والضرر الاكبر الذي ألحقته الضربات الجوية بالعمق المصري أثناء حرب الاستنزاف. ولذلك اشترط السادات خروج مصر لحرب شاملة ضد اسرائيل بأن تضمن لنفسها تفوقا جويا عن طريق شراء طائرات قاذفة ذات مدى طويل، قادرة على ضرب المطارات الاسرائيلية وشل سلاح الجو الاسرائيلي. وأضيف الى ذلك مدماك آخر: تطلع مصر للحصول على صواريخ ارض ارض من طراز سكاد، كشرط إضافي للحرب مع اسرائيل. وفي مقابلة طلب موشي ديان عدم نشرها وهو على قيد الحياة، قال للصحافي رامي طال ان »هذا المفهوم لم يكن اختراعا من أي عبقري مجنون في شعبة الاستخبارات أو رئيس الشعبة أو وزير الدفاع. لقد تبلور عندنا استنادا الى معلومات استخبارية موثوقة جدا، اعتقدنا انها أفضل ما يمكن الحصول عليه... وبوسعي القول بثقة مطلقة ان كل جهاز استخبارات في العالم، وكل وزير دفاع أو رئيس أركان يحصل على هذه المعلومات، ويعرف كيف تم الحصول عليها، كان سيصل الى الاستنتاجات نفسها«. فهل ضلل »بابل« الاستخبارات الاسرائيلية؟ في حزيران 1973 أرسل تقريرا عاجلا لمستخدميه في الموساد يفيد بأن مصر على وشك الشروع بتسلم صواريخ سكاد الاولى من الاتحاد السوفياتي. وعندما بدأت الصواريخ في الوصول في آب تأكدت مرة اخرى مصداقية المصدر. وأشارت تقديرات استخبارات سلاح الجو الى حاجة مصر الى ستة شهور لتأهيل طواقم مصرية لتشغيل صواريخ سكاد. وبموازاة ذلك أرسل »بابل« تقريرا بأن السادات أجّل الحرب حتى نهاية العام. وقبل ذلك أنذر »بابل« مرتين بحرب وشيكة، لم تتحقق، وذلك في نهاية 1972 ونيسان 1973. وجراء الانذار الثاني أعلنت في الجيش الاسرائيلي حالة التأهب وجرى تجنيد قوات احتياطية. وفي ليلة الخميس الجمعة 54 تشرين الاول أرسل »بابل« تقريرا عاجلا لمستخدميه في الموساد، بأنه يريد الاجتماع بهم في لندن بأسرع وقت ممكن. وحسب احدى الروايات فإن التقرير تضمن اسم الشيفرة للحرب الوشيكة. ويقول مسؤول سابق في الموساد انه في المرتين السابقتين اللتين أنذر فيهما »بابل« بالحرب الوشيكة استخدم اسم الشيفرة. واسم الشيفرة الذي استخدمه هذه المرة (»تبريد«) يقول انه يريد الحديث عن حرب، ولكن بدرجة استعجال أدنى. وفي اللقاء مع زامير في لندن، قبل أربعين ساعة من بدء الحرب، أبلغ »بابل« ان الحرب ستبدأ يوم السبت »قبل الغروب«. وهنا تختلف الآراء. اذ يصر زعيرا على ان المكالمة الهاتفية التي أيقظته في الرابعة إلا عشر دقائق فجرا أبلغه رئيس مكتب رئيس الموساد ان الحرب ستقع في السادسة مساء، في حين ان الحرب بدأت فعليا في الساعة الثانية ظهرا. كما ان أفنير شاليف، رئيس مكتب رئيس الاركان اتصل برئيسه وقال له انها ستقع في السادسة مساء. ويقول مسؤول كبير في الموساد ان »كل هذه القصة عن السادسة مساء نشأت في مكان ما بين زامير وقادة المؤسسة في اسرائيل. وهذا لم يكن في التقرير الاصلي الذي بعثه زافير عن لقائه مع المصدر، وثمة من أضافه. وحتى اليوم لا أحد يعرف من أضافه«. وفي الموساد يزعمون ان المعلومات التي سلمها »بابل« في المقابلة مع زامير لم تكن كل شيء. فقد قال »بابل« ان السادات يريد شن الحرب غدا (يوم الغفران) وان جنرالاته يطلبون المزيد من الوقت. ويقولون في الموساد ان زامير حلل المعلومات وتوصل الى الاستنتاج الصائب وهو ان رأي السادات هو الحاسم. ورغم ذلك، يقولون هناك، ان قرار تقديم ساعة الصفر الى الثانية ظهرا اتخذ في لقاء سري لوزير الحربية المصرية، الفريق علي، في دمشق في الثالث من تشرين الاول، الامر الذي يعني ان مروان لم يطلع عليه. ويثير معسكر المقتنعين بأن »بابل« كان عميلا مزدوجا سلسلة تساؤلات قوية عن سلوكه، منذ تجنيده للموساد وحتى ما بعد الحرب. والأول بينها هو كيف يتجرأ شخص رفيع المستوى، وحذر وماكر الى هذا الحد، على دخول ممثلية اسرائيلية علنية لا ريب انها تخضع لمراقبة جهاز الامن المحلي، على الاقل، في يوم مشمس ومن دون خوف؟ والتفسير الوحيد لهذا السلوك المهمل هو ان »بابل« عرف سلفا انه ليس هناك ما يخشاه من الاستخبارات المصرية، لأنه كان يعمل في خدمتها. وسؤال آخر يثيره زعيرا وأنصاره يتعلق بالدافع. لقد كان »بابل« تحديدا هو من يشدد طوال الوقت في أحاديثه على ضرورة الحذر وأنه لا يملك سوى عنق واحد. فلماذا يقدم شخص كهذا، وهو حينها على درجة كبيرة من الغنى، ويحظى باحترام الملوك في مصر، على ان يتحول ذات يوم الى صهيوني؟ ويقول مسؤول كبير جدا في الموساد في تلك الفترة: »كل هذا كلام فارغ. وأنا لن أكشف كيف تم تجنيده، ولكنني سوف أشير الى انه اتخذ الاحتياطات عندما جاء ليعرض خدماته«. وسؤال ثالث يتعلق بالانذارات الفاشلة التي سبقت حرب يوم الغفران، في نهاية 1972 وفي نيسان 1973. وزعم زعيرا ان هذا كان عملا تضليليا مزدوجا من جانب المصريين. اولا من أجل إدخال اسرائيل الى حالة »صرخة الذئب... الذئب«، واستنفاد يقظتها. وعدا ذلك أراد المصريون التعرف على طريقة اسرائيل في التجاوب مع إنذارات »بابل«، وما هو الوقت الذي تحتاجه لتجنيد القوات الاحتياطية. ويضيف زعيرا ان الانذارات في تلك المرات وصلت قبل وقت طويل من التاريخ المحدد للحرب. فلماذا تحديدا في المرة التي نشبت فيها الحرب فعلا لم يقم بالابلاغ إلا قبل اربعين ساعة فقط؟ ولكن المسؤول الكبير في الموساد يرد على ذلك بأن »بابل« نفسه كان يلغي الانذار بالحرب في الموعدين المذكورين. ويتساءلون في الموساد انه عدا ذلك لماذا، ان كان العميل مزدوجا، يقدم إنذارات كاذبة، حيث ان ذلك يمس بمصداقيته وبكل مناورة الخداع التي هو جزء منها كما يزعمون. والذين يزعمون ان كل قضية مروان خديعة، يعرضون كتأكيد على ذلك كتب الرئيس المصري السادات ورئيسي الاركان في الحرب الشاذلي والجمصي. وفي هذه الكتب جاء ان جلسة مشتركة واحدة عقدت بين قادة الجيشين السوري والمصري لتحديد تاريخ محتمل للحرب لعرضه على السادات والأسد للمصادقة عليه. وهذا اللقاء جرى بسرية تامة في الاسكندرية بين الحادي والعشرين والثالث والعشرين من آب. ووصل المندوبون السوريون الى مصر بجوازات سفر مزورة على متن سفينة سوفياتية وصلت في رحلة عادية من ميناء اللاذقية. (وعلى هامش الامر تجدر الاشارة الى ان هذا اللقاء مثل العمى الهائل للاستخبارات الاسرائيلية. فكل قادة الجيش السوري، المفترض ان يكونوا تحت المراقبة الدقيقة والدائمة اختفوا من تحت أنظار التجسس الاسرائيلي، وذهبوا لاجتماع حاسم في الطريق الى الحرب من دون أن يعلم أحد بذلك. ويتساءل زعيرا ورجاله، ان كان قد تقرر أمر الحرب في هذا التاريخ، فكيف قدم »بابل« مرتين قبل ذلك بلاغات عن قرار الحرب؟ وعلاوة على ذلك: اذا كان هو عميلا جيدا الى هذا الحد فلماذا لم يبلغ عن القرار بشن الحرب في يوم الغفران، والذي اتخذ في تلك القمة؟ وهناك قضية اخرى: وصل الملك حسين للاجتماع بغولدا مئير في مقر الموساد في 25 ايلول 1973 من أجل تحذيرها من حرب وشيكة الوقوع. ويتساءل عدد من الشخصيات، كيف ان حسين كان يعرف في ذلك الوقت عن الحرب الوشيكة و»بابل« لا يعرف ولم يبلغ بذلك الموساد؟ وسؤال آخر: في نهاية آب اجتمع السادات مع الملك السعودي فيصل وأبلغه ان مصر وسوريا قررتا خوض الحرب »قريبا جدا«. وحضر اللقاء مدير مكتب السادات، أشرف مروان، كما روى بنفسه بعد سنوات من ذلك لصحافي بريطاني. ويرى زعيرا بذلك ان »بابل« لم يبلغ عن هذا اللقاء، الامر الذي يشكل برهانا قاطعا على انه كان عميلا مزودجا ضلل اسرائيل. والاخطر من ذلك، انه بعد ذلك اللقاء أبلغ »بابل« عن ان الحرب أجلت الى نهاية العام. وفي الرد على هذه التساؤلات يزعم قادة كبار في الموساد ان السادات أخفى الامر حتى عن »بابل« حتى اللحظة الاخيرة، تقريبا الى عشية الحرب. وحسب زعمهم، فإنه في اللحظة التي علم فيها المصدر بالأمر، أبلغ عن ذلك. ويقدم مؤيدو نظرية المؤامرة أمر لقاء »بابل« مع زامير قبل اربعين ساعة من بدء الحرب كإثبات على انه كان عميلا مزدوجا. وفي نظرهم فإن لقاء العميل الكبير مع رئيس الموساد في لندن أعد من أجل المحافظة على مكانة »بابل« لفترة ما بعد الحرب، ولمواصلة الخديعة. وهم يسألون: كيف يمكن للسادات أن يسمح لشخص على هذه الدرجة من المسؤولية مثل »بابل« أن يترك مصر تحديدا عشية الحرب؟ ويشير مسؤولون كبار في الموساد ردا على ذلك الى ان »بابل« لم يكن الوحيد من أعضاء القيادة المصرية الذين جالوا في ذلك الوقت في الخارج. ويبدو ان نقطة الضعف المركزية في نظرية »بابل المزدوج« تكمن في نهاية المطاف بالانذار الدقيق جدا الذي أرسله حول الحرب. وبكلمات اخرى، ان كان كل هدف »بابل« هو دفع المؤسسة الاسرائيلية للثقة به، لدرجة التحذير الكامل، وعدم الانتباه لكل ما بقي من إشارات الحرب، طالما لم يبلغ عنها، فلماذا اذن قام فعلا بالانذار فيها؟ اذ كان بوسعه الجلوس بهدوء في القاهرة وتكون المباغتة اكبر. ويزعم زعيرا ان المصريين كانوا يعلمون جيدا، وفق الانذارات الكاذبة السابقة، الوقت الذي تحتاج اليه اسرائيل لتجنيد القوات الاحتياطية. وقد انطلقوا من الافتراض بأنه خلال العشرين ساعة السابقة للحرب سوف تلاحظ اسرائيل ما يجري، ولذلك فإن إنذار »بابل« لن يغير في الواقع شيئا. ويقول أنصار نظرية المؤامرة ان هذا تشغيل روسي تقليدي: عميل مزدوج يغذونه ب95$ معلومات دقيقة وفي اللحظة الحاسمة ينقلون عبره معلومات كاذبة. وفي الموساد يردون على هذا الزعم بأنه ليس هناك في مصر، ولا حتى السادات، من هو على استعداد لتحمل مسؤولية تسليم معلومات مركزية وهامة لمصر كالتي سلمها »بابل« طوال سنين فقط من أجل التضليل في لحظة معينة. ويقول مسؤول سابق في الموساد بشيء من الضجر »وعدا ذلك، فإن الموساد أبدى تقديره بأن الحرب سوف تقع قبل أن يقدم »بابل« إنذاره في اللقاء مع زامير. كما انه كانت لدى شعبة الاستخبارات هذه المعلومة واخرى أكثر منها من مصادر اخرى. واليوم يحاول ايلي زعيرا عزل قضية المصدر لتطهير سمعته. وقد زعم طوال الوقت ان احتمالات الحرب متدنية وأننا عندما قلنا عكس ذلك رد علينا بأننا لا نعرف كل شيء، وأن لديه مصادره. وبعد الحرب تبين أن كل هذا كان خداعا. فليظهر ايلي زعيرا معلومة واحدة فقط كانت بحوزته أو تؤيد احتمال عدم وقوع الحرب. فهناك وثائق، وهناك سجل، وكل شيء مسجل. وكل من يعرف هذه الوثائق يفهم الى أي حد يمكن أن يكون المصدر مزدوجا، وهي فرضية فحصت مرارا ورفضت، هي فرضية ضعيفة وغير قائمة«. ولكن زعيرا ومؤيديه يثقون بصدقية موقفهم بشكل لا يقل عن ذلك، ويقولون ان كل الفحوصات التي تمت بشأن المصدر لا تساوي قشرة بصل. اذ انه يتعذر على الموساد، اولا قبل كل شيء، ان يعترف بأن أكبر عملائه في جميع الاوقات خدعه. وعدا ذلك، يزعمون ان هذه الفحوصات لم تأخذ بالحسبان مقومات مركزية جدا للموضوع جرى التعرف اليها فقط في الثمانينيات والتسعينيات، من خلال كتب قادة الجيش المصري في تلك الفترة. وعندما عرضت هذه الامور على قائد كبير في الموساد، ذهل، ولكن محاولته فحص الامر بجدية، جوبهت بعوائق من جانب المسؤولين عنه. ويستمر الجدال والسجال، حيث يتمسك كل طرف بالواقعة ذاتها كإثبات حاسم على صحة موقفه. وعلى سبيل المثال سقط خلال الحرب صاروخا سكاد في الضفة الغربية للقناة وأصابا القوات الاسرائيلية. وسارع »بابل« للابلاغ بأن هذا حادث منعزل وانه لن تطلق صواريخ باتجاه مراكز السكان الاسرائيلية. ويكشف رجال الموساد هذه المعلومة، التي ثبت انها صحيحة، برهاناً على أصالته. أما أنصار نظرية المؤامرة فيقولون ان هذه كانت طريقة السادات في استخدام »بابل« من اجل التلميح لإسرائيل، بأنه غير معني بتصعيد الحرب في اتجاهات كهذه، وان هذا كان مجرد قصف تكتيكي. وجاء تأكيد اضافي لنظرية المؤامرة من واقعة أنه منذ الحرب وحتى اليوم، وبعد ما نشره أهرون برغمان، يحظى أشرف مروان بالازدهار والأمن، وبالقدرة على دخول مصر والخروج منها كما يشاء. وهناك من يرون في ذلك برهانا آخر على ان قادة الحكم المصري والسادات كانوا يعرفون انه عميل مزدوج، وانهم زرعوه في الموساد لهذا الغرض. وفضلا عن ذلك فإن عمرو موسى وزير الخارجية المصري آنذاك، سمح لابنه بالزواج من ابنة مروان، في الوقت الذي كان فيه موسى في منصب يسمح له بالاطلاع على المعلومات الأشد سرية في الاستخبارات المصرية. ويقول رجل من وحدة الإبحاث في شعبة الاستخبارات انه »لو كان مروان خائنا حقا، فإن موسى لم يكن أبدا ليسمح بهذا الزواج«. ولكن في الموساد يقولون انه مع إطلاع مروان على الاسرار الحميمة للسلطة المصرية فإن آخر ما يريده أي منهم هو تقديمه للمحاكمة بتهمة التجسس. فالعار، والارتباك وتشويه سمعة عائلة عبد الناصر، الى جانب احتمال ان تكون لدى مروان في أدراجه أسرار صغيرة وغير لطيفة على المسؤولين وقصص أخرى يمكن ان تنتشر ان حدث له شيء ما. فصل من كتاب »حرب يوم الغفران زمن الحقيقة«

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة