كان من غير المعقول، ومقتل الحريري أصاب الحياة الجارية في أعماقها، معاودة الانشطة الفنية على ما كانت عليه قبل موته. ومن غير المعقول في آن، استمرار حفلة الذهول من وقع الحدث الأليم، لذلك عمد بعض الفنانين، وفاء للراحل ودعما للحاضر القلق، الى النحو في سبيل لحظة فنية مناسبة هي نتاج توافق التصور الجمعي لما مثله الشهيد في حياتهم، فظهرت اغنيات جديدة وتجارب جديدة إذا جاز التعبير، والجدة هنا نابعة من كون هذه الاغنيات ذات طابع وفائي عاطفي، تبتعد عن ان تكون اغنيات سياسية بالمعنى الذي نعرف. اغنية جديدة بنصها وموسيقاها ونبرتها الراثية في بعض الاعمال التي ظهرت، ومقسمة على الوفاء ومتوعدة وثائرة في اعمال اخرى. الحدث بفجائعيته الباهظة، سمح للغة العامية ايضا بالدخول في النصوص المنشدة او المغناة، لما للعامية من رحابة عاطفية تسمح بإطلاق المشاعر الى أقصاها الاقصى، وتقرب بشكل كبير احداث الفقد الموجعة والمدمرة. تمردت بعض النصوص على ما عهدناه في الاغنية السياسية، لتصب في حادثة الموت، الذي بدا شخصيا لكل واحد منا. فبقيت بعض الاغنيات »مزغولة« في الشرط الفني، مع أنها استقطبت جمهورا متأثرا يحتاج الى اغنية تعبر عن احزانه في واقعه الجديد. لم تنج الا اغنيات نادرة، من جموح اللحظة وعاطفيتها، مع ذلك لم تبد اغنية سياسية ولا أغنية حرب. حاول مغنو حدث استشهاد الحريري، ان يمحضوا اغنيتهم نوعا من الفنية التي تدوم، بيد أننا لسنا نراهن على ديمومتها، لأن منشأ حضورها في معناه العاطفي، وفي سرعته وعفويته، حال دون إمدادها بالعصب والشروط اللازمة، لمطلق نشيد وطني ما زلنا نترنم به حتى اليوم. ماذا يفعل الفنانون اليوم إذن؟ ما مدى تأثير تلك »الخبطة« على عمودهم الفقري الحياتي والفني على السواء. بمستطاع الكثيرين التمييز بين انفعالية محضة، وبين فنية انفعالية، لأن ما غلب على معظم النتاج هو انفعاله، وهذا حق لهم، ورد طبيعي على الحدث. بيد ان غربلة الغث من السمين متروكة للزمن، فهو الحَكَم الصالح في مثل هذه الحالات. وقد لا يكون مطلوبا ان تجاهر الاغنية بنوع من الفنية وسط الاخطار المحدقة وحال القلق العميم الذي تلبّس المواطن من بغداد الى بيروت ومن القاهرة الى فلسطين. أما سؤالنا عددا من الفنانين عن التفاؤل اذا ما استثنينا قول الراحل سعد الله ونوس بأننا محكومون بالتفاؤل، فهو ليس قضية حسابية بل يخضع لمعايير حدسية داخلية، وعلمية في آن. ثم ان الامور ليست بمجرياتها بل بخواتيمها. ما يحدث، يستدعي الكثير من الاسئلة على المواطن العادي والفنان خصوصا. ولقراءة الالتباس الواقع في العالم والمنعكس على بلدنا، لا بد من تكثيف الرصد في اكثر من موقع ومجال، محاولين التأريخ للمرحلة الفنية حاضرا كي نسمح بقراءتها مستقبلا. مرحلة جديدة الفنانة سمية بعلبكي كان لها اكثر من حضور إثر استشهاد الرئيس الحريري، شاركت فيه معبرة عن فقدها الشخصي الذي عادل فقدها لأمها على ما قالته لنا. ÷ هل تنتظرين ان تؤثر هذه الاحداث في عملك الفني؟ { بالتأكيد. الذي حصل كان له التأثير الكبير على الوضع العام من كل النواحي، أهمها اقتصاديا واجتماعيا فكيف الحال بالوضع الفني المتأثر حكما بهذه الاوضاع، وهو شهد حالا من الترقب والجمود وذلك بسبب حالة الحداد التي مرت بها البلاد، وبسبب الوضع الامني الذي أثر على النشاطات العامة كافة. ولعلها مرحلة استبطان واختزال قد تمهد لتجربة جديدة في زمن جديد. ان الكثافة التي رافقت استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لا تعادل حتى الآن جزءا من كثافة حادثة الاغتيال. لذا أميل الى الاعتقاد أن ما وقع مرحلي، وأن ثمار استشهاد هذا الكبير لن تقطف الا في المرحلة المقبلة. ولكن المبادرة التي قامت بها السيدة بهية الحريري كان لها التأثير الكبير على عودة النشاطات الفنية والثقافية، وقد شاركت بالعديد من هذه النشاطات وكان من أبرزها ماراتون بيروت وحفلات عديدة في وسط بيروت، وذلك لإعادة ثقة الناس بهذه المدينة. وأنا أحضّر حاليا لحفلة خلال شهر ايار على خشبة مسرح المدينة الذي أعيد افتتاحه من جديد في قلب شارع الحمراء لنقول ان بيروت مدينة للفن والحياة برغم كل المحن، بالاضافة الى المهرجانات الصيفية التي نأمل ان تكون الظروف مؤاتية لانطلاقتها ومنها مهرجان صور الدولي. كما أتطلع الى تنفيذ بعض الاعمال المتفق عليها خارج لبنان، على أمل ان تحمل المرحلة المقبلة الامن والأمان لعودة الحياة الطبيعية، وخاصة ونحن على ابواب الموسم السياحي. عما يشعر به الآن، وحول تفاؤله او قلقه حيال الأحداث الاخيرة، أجاب الفنان أحمد قعبور بما يشكله من وجدان حقيقي وجمعي لدى الكثير من اللبنانيين: أنا في غاية القلق. إنما الفارق بين هذا القلق وقلق ما قبل 14 شباط، أنه قلق له معنى، وواضح، تجلى بالنسبة لي منذ يومين اثنين، حيث ان مجموعة من اللبنانيين تهتف للجنود السوريين المنسحبين، بينما مجموعة اخرى تبكي مصير أبنائها المسجونين في السجون السورية. هناك لحظة سياسية في غاية الارباك، وهي غاية في التعقيد. لا أدعي القدرة على استشراف المناخ السياسي المقبل. ما أراه بشكل واضح هو سقوط لسياسة اعتمدت زمنا طويلا على التخوين والتخويف والتزييف والتشكيك، وفرصة للسعي نحو مناخ سياسي يؤكد على الحياة المدنية السياسية التي تعزز العمل السياسي، وتعطي معنى لأسئلة الشباب في لبنان. ممنوع التشاؤم الفنان عبد الكريم الشعار بما له من إطلالات جادة لا تساوم في ذائقته الفنية الصحيحة، بالاضافة الى مشاركته الوجدانية والفنية في إحياء ذكرى الراحل من خلال اعادة إحياء البلد فنيا، أجاب عن سؤال التفاؤل والتشاؤم: { متفائل، وممنوع التشاؤم، بعد »هيك« زلزال حل بالوطن وبالأمة. اعتدوا على الوطن بشخص الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الابرار. هذا الارهاب الحاقد العنصري الذي حل بنا، ايقظنا من سبات عميق. كدنا ندخل في »كوما« المخابرات المعسكرة. خطفوا منا رجل الرجال، اعتدوا على من أَحب، أخذوا من أعطى، قتلوا المعلم البناء، سرقوا منا التفاؤل والبسمة التي كانت ترتسم على وجهه النيّر المتسامح وعلى غفلة منا. وقف لبنان لهم في ساحة التحرير مطالبا بالحقيقة، هذه الحالة الصوفية التي تجلت في ساحة التحرير، هزت ضمائر العالم بأسره، ولأول مرة شهداء الساحة يشعرون بأنهم ليسوا تماثيل صامتة اصيبوا وقطعت اوصالهم منذ 30 سنة، بل ردت الروح لهم وكانت وقفة عز وكرامة. فهم بجوار الشهيد الأكبر فلا تسأليني عن 15 ولا 59 ولا عن التفاؤل، بدنا نعرف الحقيقة مهما كلفتنا ولو بعد حين، فما ضاع حق وراءه مطالب. كل هذا تجلّ، فما بالك اذا كانت أمة، وطنا وشعبا، فلا بد ان يستجيب القدر. لبنان أنجب لنا رفيقا، ما صدقوا الا بعد رحيله عنا، كان حلما فسره لنا بالسعد، فالولد سر أبيه والوطن وفيّ لبنيه. الفنان الشاب زياد سحاب، محض أسئلتنا إجابات مباشرة، شبابية، فيها ذلك القلق الحار والتبصر، وهو شارك في جملته الانسانية والفنية بعد خسارة الحريري، فتابعناه لأكثر من مناسبة في مرافقات موسيقية على عوده لأمسيات شعرية بدت موفقة تماما وسط الأنشطة التي أقيمت، بالاضافة الى مشاركات متنوعة. { إنني متفائل لغاية الآن. ولكن أعتقد أن المرحلة الصعبة لم تنته بعد. باعتقادي، ان المشهد الحاصل اليوم كان يجب ان يحصل مباشرة بعد اعلان نهاية الحرب اللبنانية. يبدو كما لو أن هناك من جمّد البلد مباشرة بعد انتهاء الحرب لمدة 15 عاما، والخوف ألا تكون بعض مفاعيل هذه الحرب قد انتهت. آن الأوان ان نعيش آمنين دون ان »يُمننا« أحد بهذا الأمن الذي لم يمنع من اغتيال شخص بحجم الشهيد الرئيس رفيق الحريري. عن مدى تفاؤلها او تشاؤمها حيال الأحداث الاخيرة أجابت الفنانة سمية بعلبكي: { الزلزال الذي حدث مؤخرا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما تبعه من متغيرات وأحداث، كان له التأثير الكبير في الواقع اللبناني المتأزم اصلا. وهذه الاحداث فتحت الباب واسعا لكثير من الاحتمالات، ما جعلني اشعر بقلق كبير على مستقبلنا في هذا الوطن، نتيجة ما حدث ونتيجة الوضع الأمني الذي أقلق كل اللبنانيين. ولكنني بالرغم من هول ما حدث أشعر بأن الأمل ما زال موجودا بخلاص هذا الوطن. وهذا نابع من إيماني بقدرة هذا الشعب »البناء« على النهوض من هذه المرحلة العصيبة، فلقد مررنا بأوقات صعبة وحرجة في فترات كثيرة من تاريخنا لم تجعلنا نفقد الأمل، بل زادتنا إيمانا وتشبثا بأرضنا. المقاومة آلية داخلية يمتلكها الانسان من دون ان يدرك ذلك. لقد قاومنا دائما، وسوف نقاوم كما فعل الرئيس الحريري في مشروعه لإعادة بناء الوطن، او في سلوكه الباسم حتى في أشد اللحظات تأزما وقلقا. عن سؤاله حول تأثير الاحداث الاخيرة في عمله الفني أجاب أحمد قعبور: { تجمع حوالى مليون مؤمن في روما وداعا لقداسة البابا بولس الثاني في أكبر تظاهرة ذات بعد إنساني وديني وأخلاقي وربما سياسي في اوروبا. أليس من الغريب ألا نتأثر بتظاهرة مليونية اخرى (لا أحب الأرقام) في ساحة شهدت صمتا وفراغا وخواء وقصورا في أيام السلم، وقتلا وتذبيحا واقتتالا في ايام الحرب. ولكن، لا أريد ان أستسهل كيفية انعكاس هذا الحدث الكبير الذي أتى إثر حدث اكبر وأُعطي »روشتة« جاهزة في التعاطي معها. أنا كنت دائما من القائلين إنه عندما نتعاطى فنيا مع حدث كبير، علينا ان نسعى الى الارتقاء الى مستواه. وفي الحقيقة، حينها لم يكن بوسعي ان اقول شيئا. ولكن، عندما أتتني مكالمة تلفونية من الصديق عبد الغني طليس ومفادها »قولوا الله وقوموا يلله«، شعرت ان هناك رسالة يجب ان توجه الى الناس بعدم الاستكانة والقبول بيأس جديد يضاف الى يأس سابق. أعتقد بأن التأكيد على القيمة الابداعية والجمالية هو ما يصنع قيمة اي نتاج فني. ليو فيري، او كما يُسمى بامبراطور الاغنية الفرنسية، غنى لكلبته اغنية هي من أروع ما كتب ولحّن. وغنى اغنية »الملصق الاحمر« بأرقى ما أنتج ولحّن. ان التعاطي مع هذين المثلين ليس على اساس الموضوع المختار إنما بما يحمله من قيمة إبداعية وجمالية وإنسانية. ان ما نسمعه اليوم، سوف تكون الايام المقبلة »الغربال« لما سيبقى منه من جمال في ما سمعنا. وهنا أتحفظ على مسألة التصنيف الجاهز، وكأن هناك حفنة من الفنانين هم وكلاء حصريون للحظات العصيبة، وينتظر الجمهور منهم التعاطي مع »المسائل الكبرى« دون غيرها من التفاصيل الانسانية. وأعتقد ان هذه مسألة يجب ان تُحسم نهائيا. الفنان عبد الكريم الشعار، عن سؤال تأثير الاحداث الاخيرة على عمله، أجاب: { انتظرنا طويلا، فالأحداث التي حلت بنا أثرت سلبا وإيجابا ابتداءا من 14 شباط »عيد الحب ما قتل« الى 14 آذار: »الحقيقة«. تفجر كل شيء، فكل شيء انكشف وبان على حقيقته وكل حسب اختصاصه وهواه والعالم بأسره شاهد علينا و»ما عاد في شي مخبا«. حروب مستوردة وإرهاب عشناه على مدى 3 عقود في لبنان. فأنا ابن طرابلس وشاهد على تدمير مدينتي وإحراقها فوق رؤوس ابنائها وقتل نسائها وأطفالها على مدى 90 يوما بحجة تحريرها من مَن؟ اليوم رحل الارهاب والاحتلال عنا الى غير رجعة بعد ان عاثا فسادا. كل هذا أثر ليس على العمل الفني والثقافي بل على كل الاصعدة والوطن كله. الكثيرون يغتنمون الفرص ويركبون الصعاب للوصول. عشنا وشفنا مساطر منهم على الشاشات، فالشهرة شهوة وغرور أداتها الكذب والتنصت والثرثرة والتبييض. كلهم يسأل ويستغرب: شو قصتك، زملاؤك وصلوا وانت؟؟ رأينا كيف كانوا يتدافعون ويتباكون ليغتنموا الفرص وهم وصلوا الى النهاية وسيدفعون ما جنوه. نحن في البداية، ونحن على مسرح التحرير وعلى درب الرفيق سائرون. الفن السياسي الفنان زياد سحاب في جوابه المباشر والمقتضب: { بالنسبة للجواب العملي الآني، فقد تأثرت كل الأعمال حتى غير المرتبطة بأي شكل بالسياسة، فكيف بالحال بالنسبة للموسيقى. فمن لا يغنِّ عادة الاغنية الاجتماعية غناها بعد 14 شباط. أما على المدى البعيد، فآمل ان يكون التغيير السياسي نحو الافضل، وبالتالي فان اي نهضة سياسية لا تكتمل دون نهضة ثقافية وفنية. اختصارا، الجواب هو: نعم، سيتأثر العمل الفني وعملي بشكل طبيعي، والمأمول ان يكون التأثير نحو الافضل. حول السؤال الاخير، الذي يطرح نفسه بقوة اليوم، ويبحث في امكانية أننا عدنا الى الادب السياسي والفن السياسي بحسب رأي هؤلاء الفنانين، ام على العكس، فالأمر لا يتعدى ان يكون »طفرة« وينتهي، الفنانة سمية بعلبكي قالت: نشهد حاليا زحمة انتاج بهذا المعنى وحوله. وهو انتاج يمكن ان يكون مبالغا فيه في بعض الاحيان. ولكن برأيي، لا اعتقد ان كل ما يقدم في هذه المرحلة، يمهد لعودة الفن السياسي بالمفهوم السابق له. فلا أعتقد ان هذه المرحلة الفائرة بالنتاجات ستكون أبعد من مرحلة آنية او »طفرة« يستغلها البعض، وربما يعبر فيها البعض الآخر عن هموم وطنية آمن ويؤمن بها ويشتغل لها على طريقته. اعتقد ان المرحلة تفرض نفسها حاليا، فلا مجال الآن لتقديم فن »هز يا وزّ« خصوصا انها مرحلة استثنائية، وهذا ما يفسر الإقبال الشديد على تقديم الغناء السياسي او الوطني. الفنان عبد الكريم الشعار أجاب بأننا »عدنا نعم عدنا. بعد 3 عقود من الزمن أخلي سبيلنا. عدنا الى الحرية، عدنا الى الحقيقة بل الحقائق بعد ان حررَنا دمُ الشهيد الطاهر الصادق. الحقيقة تبرع لنا بها رئيس الشهداء وقدم نفسه فداء للبنان، وبعد كل هذا الفداء »بدك ما نغني سياسة وحب وثقافة«. بعد كل هذا الميراث الذي تركه لنا الشهيد الرفيق من فن السياسة والادب والحب والنضال والفن الاسلامي هو شغلنا ونضالنا ولطالما غنينا للوطن العربي برمته فما بالك الوطن الأم بعد لقائه وتوحيده في ساحة التحرير. بصراحة، أنا وبعيدا عن الفن السياسي بالمعنى الحرفي والأكاديمي، أجد نفسي اكثر في الغناء الصوفي والفن الاسلامي الصوفي، وهذا ما أوحاه لي تجمع الجماهير الكثيرة التي احتشدت في قلب البلد، في دلالة حركة صوفية واضحة. عملية »اللاشعور« التي حصلت بين الناس، والتوحد نحو رمز واحد، والحزن والأمل في آن. ما قدمته وسط البلد، هو الفن الذي وجدته يعبر عني اكثر من سواه. وهو ليس غريبا في الاسلام بل في قلبه تماما فلقد قدمنا حركات التجلي التي أداها الراقصون والمنشدون وأطلقنا العنان لهذا الفن الملتصق بالاسلام منذ القدم بدلا من ان يظل متقوقعا. عدنا أجل، للفنون الراقية، ليس بالضرورة الفن النضالي او السياسي، بل كل شيء راق وحضاري ويعبر عن تراث حقيقي. الفنان الشاب زياد سحاب أجاب: »لا أعتقد ان الفن السياسي قد توقف كي يعود. لقد تغيرت اشكاله، وحتى رموزه، ولكن لا يمكن اغفال على سبيل المثال ان كليبات »لعيونك« كانت محملة سياسيا منذ بداية خط الرئيس رفيق الحريري، لكن الاجماع حول فحوى هذه الاغنية السياسية الجديدة في مضمونها أتى بعد حين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن القول بأن الاغنيات الرثائية التي أمطرت، وبعضها (جيد فنيا) هي اغنيات سياسية. أحمد قعبور، صاحب النتاج الكبير في هذا الشأن، وفي ملامسته، وفي توجهه للصغار ايضا، وفي وجه نتاجه الآخر الذي لم يتسن لنا حتى اللحظة سماعه، أجاب كالآتي: »رياض السنباطي لم يعمل يوما في العمل السياسي المباشر. وهو لم يُدل يوما بتصريح عن الوطنية والقومية وما شابهما من القاموس السياسي المستهلك. إنما هذا الموسيقار العظيم اعطى مصر والعالم العربي ارقى انواع التآليف الموسيقية والاغاني والقصائد لمصر ولنا. وأعتقد ان في حقبة رياض السنباطي كان هناك فنانون »شاطرون« في الحكي عن القومية والعروبة، الا انهم لم يقدموا ابداعا كما قدم هو. برأيي، علينا ان ننحاز نهائيا الى القيمة الفنية والابداعية والانسانية أيا كان منتجها، وان نسقط نهائيا اي تصنيف جاهز، أو حكم مسبق لفنان ملتزم سياسيا.