As Safir Logo
المصدر:

هل تراجعت أولوية قضية فلسطين؟

المؤلف: هويدي فهمي التاريخ: 2005-04-26 رقم العدد:10079

أسوأ أخبار الساعة هي التي تحدثت عن احتمال تطبيع العلاقات بين إسرائيل و10 دول عربية البعض يتحدث عن 11 أو 12 دولة قبل نهاية العام الحالي. أما أقبحها أو أفحشها فهو ان إسرائيل طلبت من إحدى العواصم العربية مساعدتها في ذلك! هذه الأخبار سرّبتها إسرائيل على لسان وزير خارجيتها وتناقلتها الصحافة العربية، الأمر الذي قد يشكك في صدقيتها، لكن هناك عوامل أخرى تجعلنا نميل إلى تصديقها، منها أن ما سرّبته إسرائيل ولم تكذبه العواصم العربية المعنية، ومنها أن ثمة اتصالات عدة تمهد لذلك الاتجاه جارية بالفعل، بعضها أعلن عنه رسمياً (زيارة شارون المرتبقة لتونس مثلاً). صحيفة »الشرق الأوسط« نشرت في 13/4 تقريراً لمراسلها في تل أبيب عن الدول العربية العشر التي عناها سيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي في تصريحاته. وذكر المراسل أن ثمة 4 دول عربية تحتفظ الآن بعلاقات طبيعية رسمية مع إسرائيل هي: مصر والأردن وموريتانيا وأريتريا (التي تعتبرها إسرائيل دولة عربية). أما الدول الأخرى التي تتحدث عنها دوائر الخارجية الإسرائيلية فهي: * تونس، التي تبادلت المكاتب التجارية مع تل أبيب. واجتمع شالوم مع وزير الخارجية السابق مستشار الرئيس الحالي الحبيب بن يحيى، مرتين خلال السنة المنصرمة. ومن المتوقع أن يقوم شالوم بزيارة رسمية إلى تونس في القريب لاستنئاف العلاقات بشكل رسمي. * المغرب، أيضاً كانت العلاقات تجارية، قبل انقطاعها على اثر الانتفاضة في أيلول (سبتمبر) 2000، بقرار من القمة العربية. وكان شالوم قد اجتمع مع نظيره المغربي محمد بن عيسى في أوروبا في آذار (مارس) الماضي كما اجتمع نائب رئيس الحكومة الأول، شمعون بيريز، مع الملك المغربي محمد السادس ومع أحد شقيقيه. وهي إشارات تدل على أنهما يمهدان الطرق إلى استنئاف العلاقات في القريب. * قطر، التي أغلقت مكتب مصالحها التجارية في تل أبيب، التزاماً بقرار القمة العربية إثر الانتفاضة، لكن إسرائيل لم تغلق مكتبها في الدوحة، الذي ما زال يعمل كالمعتاد. والطريق أمام الإسرائيليين مفتوحة إلى قطر طوال الوقت. واللقاءات بين المسؤولين من الطرفين لم تنقطع. لذلك يتوقع أن تستأنف العلاقات بشكل رسمي وعلني في وقت قريب. * سلطنة عمان، الوضع شبيه بالعلاقات الإسرائيلية مع تونس والمغرب، لكن بفارق أن هناك مصالح تجارية بين سلطنة عمان وإسرائيل لم تتوقف مع إغلاق المكاتب التجارية بين البلدين، أحدها وأهمها مشروع مركز الأبحاث لتحلية مياه البحر. الذي يعمل بشراكة إسرائيلية عمانية فلسطينية أردنية يابانية. ويستفيد من المركز عدد كبير من الخبراء العرب في دول الخليج وشمال افريقيا، بينها الجزائر التي لا تقيم أي علاقات ثنائية خاصة مع إسرائيل. تبقى الدولة العاشرة التي يتحدث عنها شارون. وهي ليست معروفة بعد وليست مؤكدة، لكن هناك عدة دول مرشحة لذلك هي: * البحرين، التي كانت مرشحة لإقامة علاقات أولية مع إسرائيل منذ سنة 2000، حيث بدأت اتصالات سرية وتبادل بعض المسؤولين الزيارات، لكن الانتفاضة جمدت المشروع، واستؤنفت الاتصالات أخيراً. * ليبيا، هي أيضاً تقيم اتصالات مع إسرائيل عبر عدة قنوات، أهمها قناة اليهود الليبيي الأصل الذين هاجروا إلى إسرائيل في الخمسينيات والستينيات ويفاوضون طرابلس اليوم على تعويضات عن ممتلكات خلّفوها وراءهم. ويقال في إسرائيل ان أحد أبرز المهتمين بهذا الموضوع هو أحد أنجال العقيد القذافي. وحسب المصادر الإسرائيلية، فإن ليبيا كانت تنوي استخدام إسرائيل واسطة للوصول إلى الولايات المتحدة كي تلغي الحظر والعقوبات عنها، إلا أنها وجدت سبيلاً آخر أجدى في حينه ولجأت إلى الواسطة البريطانية. * الإمارات العربية المتحدة، وقد تبنت حتى الآن موقف الرفض لإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل، إلا أنها تبدي »مرونة« في التعامل مع الإسرائيليين. فهي تقيم العديد من المؤتمرات والمعارض الدولية في شتى المواضيع. ولم تعد تمانع في مشاركة إسرائيليين في تلك النشاطات، حتى لو لم يكونوا شركاء في شركات أوروبية. وقد وجهت في السنة الماضية دعوة إلى وزير المالية الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للمشاركة في مؤتمر اقتصادي دولي. لكنه اعتذر لأسباب أمنية وأرسل مندوباً عنه. * العراق، وهو مرشح قوي في ظل الوضع المستجد، الذي تبدي قيادته »تفهماً وتعاطفاً« مع إسرائيل، لأسباب سياسية مفهومة، ولحاجة العراق إلى جهود إعادة الإعمار. مع ذلك فالاحتمالات تبدو بعيدة وفي الخارجية الإسرائيلية يستبعدون أن تقوم علاقات كهذه خلال السنة الجارية. * اليمن، هنا أيضاً طموحات إسرائيلية عالية، إذ ان الاعتقاد السائد أن اليمن معني بتحسين صورته لدى الولايات المتحدة، وأن إسرائيل تعتبر اليوم أقصر الطرق إلى واشنطن. وقد تفاءلت إسرائيل خيراً في هذا المجال، عندما سمح لليهود من أصل يمني أن يزوروا اليمن باعتباره وطنهم. طبقاً لمصادر الخارجية الإسرائيلية فإن شالوم يعتقد أن واحدة من تلك الدول ستنضم إلى قائمة الدول التسع حتماً. بل انه لا يستبعد أن يرتفع العدد إلى 11 أو 12 دولة عربية. ومع انه لا يكشف على الملأ سبب ذلك التفاؤل، إلا أن أوساطاً مقربة منه تؤكد أنه يبني طموحاته على وعود قدمها له بعض المسؤولين العرب. ورداً على تساؤل حول كيف يستطيع أن يكسب الود في العالم العربي وهو المتطرف الذي يتخذ موقفاً سلبياً حتى من المشروع المتواضع الذي يطرحه شارون للانسحاب من غزة، أجابت أميرة سلطاني مسؤولة الإعلام بالخارجية الإسرائيلية، قائلة ان الرجل صوّت ضد الخطة أثناء اجتماع مجلس الوزراء، ولكن في اللحظة التي اتخذت فيه الحكومة قراراً، فإنه التزم به. مما يدهش له المرء أن تلك التكهنات والإشارات التي تلوح في الأفق والتي أتمنى أن تكذبها الأيام تتوالى في الوقت الذي لا تخفي فيه إسرائيل إصرارها على المضي في مخططات إهدار الحقوق الفلسطينية وتحدي القرارات الدولية الخاصة بالقضية. وهو ما تمثل بالدرجة الأولى في التوسع في عملية الاستيطان بالضفة الغربية، والاستمرار في بناء الجدار الوحشي، إذ بلغ عدد المستوطنات التي أقيمت فوق الأرض المحتلة (عام 67) 160 مستوطنة تضم 242 ألف شخص، يمثلون 80$ من المستوطنين المستقدمين من أنحاء العالم، وهي موزعة على ثلاث كتل كبيرة، يحيط بها الجدار العازل، ويراد لها أن تضم إلى إسرائيل في أية تسوية محتملة. وفي الوقت ذاته فإن بناءها يقسم الضفة الغربية إلى قسمين، ويحول دون التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المرجوة. والمعروف أن مواقف القانون الدولي وقرارات الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية صريحة في تقرير بطلان إقامة المستوطنات والجدار فوق الأراضي المحتلة. وهو ما لا تعبأ به إسرائيل في ممارساتها (إذ تواصل عملية التوسع وقررت مؤخراً بناء 3500 مسكن في »معاليه ادوميم«) كما عبرت عنه تصريحات مسؤوليها، وأحدثهم رئيس الوزراء ارييل شارون الذي أعلن ذلك في »لاءاته« (لا لتفكيك مستوطنات الضفة لا للعودة إلى حدود عام 67 لا لعودة اللاجئين)، وهو الموقف ذاته الذي عبر عنه في لقائه الأخير مع الرئيس بوش. وإذ تستمر في التحسن العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي، فإن الموقف من قضية المستوطنات أصبح مصدراً لتوتير العلاقات بين واشنطن وتل أبيب. وتلك مفاجأة أخرى لم تكن في الحسبان. صحيح أنه توتر منضبط ومحكوم، ولكنه حاصل على أي حال أياً كانت درجته، ثم إنه أفضل من لا شيء على الإطلاق. صحيح أيضاً أن استياء واشنطن أو عتابها ليس غيرة على حقوق الشعب الفلسطيني، ولكنه احتجاج على إخلال تل أبيب باستحقاقات »خارطة الطريق«، إلا إنه يظل »موقفاً« أفضل من اللاموقف. ذلك أن واشنطن ترى أن ثمة فرصة لحل الصراع في المنطقة، بعد رحيل عرفات وتولي أبو مازن السلطة وقبول فصائل المقاومة لفكرة التهدئة. وانتهاز هذه الفرصة للتوصل إلى »حل« من شأنه أن يرفع من أسهم الرئيس بوش ويدخله التاريخ، وقد يبيض صفحته ويمسح له كل خطاياه. ولذلك فإنها لا تخفي استياءها إزاء المماطلات والألاعيب الإسرائيلية، التي لا تتوقف عن اتهام أبو مازن والتشكيك في قدرته. وتتحايل على خارطة الطريق، وتستثمر الأجواء الراهنة للتمدد وتحقيق أكبر قدر من المكاسب على الأرض. ظهر الخلاف بين بوش وشارون حول مسألة الاستيطان إلى العلن في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في ختام زيارة الأخير للولايات المتحدة. وقالت الإذاعة والصحف الإسرائيلية ان الرجلين اختلفا أيضاً حول الموقف من السلطة الفلسطينية ومواصلة العملية السياسية بعد الانسحاب من غزة. وتحدثت مصادر أخرى عن أسباب إضافية للخلاف، بعضها يتصل بالتحقيق الذي تجريه المباحث الفيدرالية الأميركية حول العلاقات المريبة بين مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية وإسرائيل، التي تمت من خلال اللوبي الصهيوني في أميركا »ايباك«. والبعض الآخر تحدث عن تجميد المشاركة الإسرائيلية في تطوير سلاح الطيران الأميركي عبر تصنيع سلاح جديد أطلق عليه »قاذفة الضرب المشتركة«، وذلك رداً على قيام إسرائيل ببيع أسلحة أميركية متقدمة إلى الصين، في حين أنها حصلت عليها لاحتياجاتها الخاصة. المشهد يبدو مقلوباً وعبثياً. حيث لا يكاد يصدق أحد أن موضوع المستوطنات يتسبب في تعكير العلاقات الإسرائيلية الأميركية، في حين لا يحرك شيئاً في العلاقات الإسرائيلية العربية. حتى يتم تجاهله تماماً، ويصبح المطروح هو احتمالات تحسين تلك العلاقات. وهي عبثية لا تختلف كثيراً عن تبني القمة العربية في بيروت لمبادرة تعليق التطبيع مع إسرائيل على تمام انسحابها من الأراضي المحتلة عام 67 (التي رفضتها إسرائيل)، ثم »تسرب« بعض الدول العربية وانخراطها في عملية التطبيع، في تجاهل مستغرب لذلك الموقف. وهي العبثية ذاتها التي تسببت في إثارة ضجة في كواليس قمة الجزائر الأخيرة، بسبب ما تردد عن مشروع أردني يتبنى »التطبيع قبل التوقيع«، الأمر الذي ترتب عليه استبعاد المشروع من جدول الأعمال، وأدى إلى اعتذار الملك عبد الله الثاني عن عدم حضور القمة، وإذ رفض المشروع في العلن، إلا أن البعض أيده وعمل بمقتضاه وراء الكواليس وبعيداً عن الأعين. هذه الملابسات تستدعي السؤال التالي: هل ما زالت فلسطين قضية مركزية حقاً في العالم العربي، أم أنها تراجعت تدريجياً؟ وهو السؤال الذي كان عنواناً لمقالة نشرتها (في 12/4) صحيفة »الحياة« اللندنية للدكتور كلوفيس مقصود، المفكر العربي المعروف. السؤال لم يكن استفهامياً، ولكنه كان تقريرياً، بمعنى إن أراد أن يحلل الأسباب التي أدت إلى تراجع مركزية القضية الفلسطينية، و»ضجر« البعض بها، وتحولها في نهاية المطاف من »قضية« إلى مجموعة من المشاكل، حتى صارت المفاوضات الجارية بشأنها بمثابة »تمرينات في العبث«، على حد تعبيره، لا تصب في مجرى تمييع القضية فحسب، وإنما تسهم أيضاً في تهديد الأمن القومي العربي. في هذا الصدد، فإنه تحدث عن تراجع مجمل الوضع العربي، الذي استصحب تنامياً للدعوات القطرية والانعزالية، واستفراد للولايات المتحدة بكل دولة على حدة، مما أدى إلى فقدان الأمة للمناعة الوطنية والقومية، وإلى استقواء واستعلاء إسرائيل بالتالي. وهو ما دعا »الواقعيين الجدد« إلى تصور أن الطريق إلى واشنطن لا بد أن يمر بإسرائيل، الأمر الذي فتح الباب لتنافس بائس في ذلك الاتجاه. قال الدكتور كلوفيس إنه لا بديل عن »ترميم« الموقف العربي، باعتباره »الضامن الأفعل لردع الاستباحة المتواصلة لحقوق الشعب الفلسطيني، المعترف بها دولياً على الأقل«، ومن ثم لصد الخطر الذي يهدد القضية كما يهدد أمن الأمة. ودعا إلى وقف المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية كي تتحول إلى مفاوضات، وهو ما لا يتحقق إلا إذا أقرت إسرائيل بأنها منذ عام 67 سلطة محتلة. وفي رأيه أن الدول العربية ذات العلاقة مع إسرائيل يجب أن تتبنى الموقف ذاته، حتى تستقيم المعادلة. وفي حالة رفض إسرائيل للتجاوب مع الاستقامة المنشودة، فعلى تلك الدول أن تعلق علاقاتها، حتى تدرك تل أبيب أن تسويفها لن يبقى بغير تكلفة. أشار الدكتور مقصود إلى الضغوط الانتخابية التي تتعرض لها السياسة الأميركية، خصوصاً في الموضوع الفلسطيني، وانتقد كون الموقف الأميركي لا يواجه أي ضغوط عربية مقابلة ذات صدقية، الأمر الذي يجعل من التخلي العربي الفعلي مساهماً وإن بدون قصد في فقدان التوازن الذي يحول دون تحول المباحثات والتسويات إلى مفاوضات حقيقية تمس العناصر الأساسية في القضية. ويظل غاية ما يمكن تحقيقه في ظل التوازنات الحالية هو السعي إلى التهدئة، ومحاولة تلطيف شراسة الممارسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة. تشخيص الدكتور كلوفيس مقصود صحيح وغير دقيق. إن شئت فقل إنه صحيح بصورة نسبية لا مطلقة. ذلك ان ما قاله ينسحب على الأنظمة وبعض النخب السياسية ويتعذر تعميمه على الشعوب. والشواهد الدالة على مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان الشعبي العربي عديدة. وفي مكتبي جبل من الخطابات والبرقيات الدالة على ذلك، في مصر بوجه أخص. والتحرك الشعبي الواسع النطاق الذي فاجأ الجميع في بلد انقرضت فيه التظاهرات مثل تونس، وجاء احتجاجاً على إعلان نبأ زيارة شارون للبلاد، دليل قوي لا يمكن تجاهله. والمؤسسات الأهلية التي ما زالت نشطة في الدفاع عن القضية الفلسطينية في المغرب شاهد آخر يعزز ما نقول. والاستقصاء الذي أجراه في خمس دول عربية مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، وبيَّن أن القضية الفلسطينية تحتل مقدمة اهتمامات الناس بعد غلاء المعيشة والبطالة، مؤشر رابع عظيم الدلالة. هذه المؤشرات وغيرها تدل على أن شعوبنا لم تفقد »بوصلتها« السياسية، وأنها على حق في المسألة، الأمر الذي يقنعنا بأن المشكلة ليست فقط في تصحيح معادلة التفاوض مع إسرائيل، ولكنها أيضاً في تصحيح علاقة النخبة بالمجتمع في العالم العربي. (*) كاتب مصري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة