As Safir Logo
المصدر:

سوريا من وجهة نظر مسيحية

المؤلف: بو حبيب عبد الله التاريخ: 2005-04-21 رقم العدد:10075

انهى اتفاق الطائف لعام 1989 الحرب اللبنانية التي ابتدأت عام 1975، لكن السلام لم يفرز الوفاق الوطني الذي أراده اللبنانيون بعد خمسة عشر عاما من الحرب والهدم والدماء. وبينما عادت الاتصالات الى مجراها بين الفئات اللبنانية المتعددة بعد اعادة توحيد لبنان، الا ان العلاقات بين معظم مسيحيي لبنان وسوريا، اللاعب المهم في لبنان بعد الطائف، بقيت عدائية طوال هذه المدة. ان العرض التالي يلخص من وجهة النظر المسيحية العلاقات بين الطرفين في السنوات ال15 السابقة ومطالب الفئات المسيحية والاسباب التي منعت سوريا من ان تلاقي هذا الفريق الى منتصف الطريق. انتهت الحرب اللبنانية في خريف 1990 بعملية عسكرية سورية كبيرة وبدعم اميركي وعربي. ودعم ايضا الاجتياح السوري للبنان بعض القيادات المسيحية، التي عوّلت على دعم سيد بكركي مار نصر الله بطرس صفير، للنواب المسيحيين في الطائف لأن ينهوا هذه الاجتماعات بنجاح، رغم المعارضة الشعبية المسيحية الواسعة التي قادها رئيس الحكومة حينذاك العماد ميشال عون. ودعم الاجتياح السوري ايضا وتعاون معه الميليشيا المسيحية الرئيسية للقوات اللبنانية. رغم ذلك انتهت الحرب بغالب ومغلوب عكس ما أوحى وأوصى به اتفاق الطائف. تبيّن للمسيحيين منذ البداية ان سوريا وحلفاءها اللبنانيين أرادوا إضعافهم بهدف خلق فراغ في قيادتهم. فبعد سنوات قليلة من الهيمنة السورية الكاملة على لبنان في بداية التسعينيات، قامت السلطات اللبنانية بنفي وسجن القيادات المسيحية السياسية الرئيسية، وأحالت على التقاعد او طردت او اعطت مهام غير اساسية لكبار الموظفين والدبلوماسيين المسيحيين. ولم تستثن هذه المعادلة السياسيين والقادة المسيحيين الذين كان لهم دورهم الاساسي في إنجاح اجتماعات الطائف في خريف 1989. كذلك، اتهم قائد الميليشيا المسيحية بجرائم حرب وحكم عليه وسجن عام 1994، ولم تعط مواقف البطريرك الماروني المتكررة من اجل تنفيذ صادق للطائف اي اهمية من اهل الحكم. وحكمت سوريا لبنان بواسطة »ترويكا« تألفت من »الرؤساء« الثلاثة ومارست سلطات وصلاحيات لا سابقة لها على حساب دور مجلسي النواب والوزراء والقضاء. لكن، بينما كان رئيسا مجلسي النواب والوزراء ركنين اساسيين لطائفتيهما، فإن الاكثرية الساحقة من المسيحيين لم تعتبر يوما رئيس الجمهورية المسيحي ممثلا لطموحاتها السياسية والايديولوجية والاقتصادية. وفي الحقيقة لقد كان الرئيس الياس الهراوي منبوذا في مجتمعه المسيحي. ومددت سوريا وحلفاؤها اللبنانيون عام 1995 لرئيس الجمهورية الياس الهراوي ثلاث سنوات رغم المعارضة المسيحية القوية على المستوى الشعبي والقيادي السياسي والديني. وفرضت قانونا جديدا للانتخابات لكل من دورات 1992 و1996 و2000 يتلاءم مع مصلحة اصدقائها ويزيد من إضعاف القوى المسيحية. وكانت نتائج الانتخابات تعطي دائما الكتل النيابية الموالية لسوريا اكثرية مسيحية تفتقر الى دعم حقيقي لمن يفترض ان تمثل. وبقيت سوريا متمسكة بزمام تأليف الوزارات ومن ثم كان التمثيل الماروني في مجالس الوزراء المتتالية يضعف تدريجا مع الوقت. وزادت المقاطعة المسيحية لانتخابات 1992 و1996 في اضعاف القوى المسيحية وأدارت كليا الدول الغربية الديموقراطية نظرها عن كل ما يحدث في لبنان. وبلغت اللامبالاة الغربية ذروتها عندما قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك وهو صديق حميم لرئيس وزراء لبنان آنذاك المغفور له رفيق الحريري، في خطاب ألقاه في البرلمان اللبناني عام 2001 بالطلب من اللبنانيين ان يتقبلوا الوجود السوري في أوساطهم الى حين انتهاء النزاع العربي الاسرائيلي. كان مرسوم التجنس الذي وقعه رئيس الجمهورية عام 1994 ضربة قوية للنظام السياسي اللبناني وخاصة للقوى المسيحية. ان ميزان القوى السياسي في لبنان لا يعتمد على ارقام ديمغرافية وإنما على اتفاق بين الاطراف، وقد ساوى اتفاق الطائف عدد النواب والوزراء المسيحيين والمسلمين في المجلسين، لكن زيادة عدد سكان لبنان بحوالى عشرة في المئة في شحطة قلم، تؤثر دون شك على التوجهات السياسية للنواب المنتخبين ومن ثم على توازن القوى في مجلس الوزراء. وأغضب ذلك المسيحيين جميعا لأن غالبية المجنسين هم من الطوائف الاسلامية. لقد اعتبر المسيحيون ان مرسوم التجنس أعده السوريون لغاية إضعافهم وإضعاف تمثيلهم في مجلسي الوزراء والنواب. ورغم صدور حكم عدلي اعتبر ان هناك تزويرا في عملية التجنس، لم تصلح الدولة الاخطاء كما طالب حكم القضاء. انتهى حكم الترويكا مع انتهاء عهد الرئيس الهراوي الممدد والذي استمر تسع سنوات. كان ذلك في خريف 1998 عندما كان الدكتور بشار الأسد المستشار الرئيسي لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد وقد بدأ يستلم تدريجا الملف اللبناني. واختار ان تتعامل سوريا مع لبنان من خلال رئيس جمهوريته الجديد الذي أعاد بناء الجيش اللبناني، وقائده منذ انتهاء الحرب عام 1990 العماد اميل لحود. ورحب المسيحيون بانتهاء الترويكا بحيث عادت هيبة الرئاسة الاولى وإحياء دور مجلس الوزراء حسب اتفاق الطائف. وعلى رغم ذلك، بقي المسيحيون في المعارضة بثبات بسبب تبرير وتعزيز رئيس الجمهورية للدور السوري في لبنان ولرفضه القيام بأي جهد من اجل تحقيق أي من الشكاوى المسيحية. ان عام 2000 كان حافلا بالاحداث. انسحب الاسرائيليون من جنوب لبنان في شهر ايار/ مايو منفذين بذلك قرار مجلس الامن 425 بعد 22 عاما على صدوره. وتوفي الرئيس السوري حافظ الاسد في حزيران/ يونيو وخلفه ابنه الدكتور بشار في آب/ أغسطس. وأنهى المسيحيون مقاطعتهم للدولة واشتركوا في انتخابات ايلول/ سبتمبر التي اعطت تقدما طفيفا للوضع المسيحي في البرلمان. لكن الانتخابات ابرزت خيبة امل المسيحيين من عهد الرئيس لحود والسوريين الذين استمروا بالتدخل في تفاصيل الامور اللبنانية ومن ضمنها العملية الانتخابية. والحدث الاخير في هذا العام يتعلق بالبيان الشديد اللهجة لمجلس الاساقفة الموارنة في ايلول/ سبتمبر الذي اكد الاستياء المسيحي الشديد من الوضع في لبنان. كرر بيان الاساقفة مواقف البطريرك الماروني المتعلقة باتفاق الطائف والتورط السوري في قضايا لبنان الداخلية، كما عكس البيان الغضب اللبناني، وخاصة المسيحي، لرفض سوريا تطبيق اتفاق الطائف بعد ان انسحبت اسرائيل الى الحدود الدولية حسب تأكيد الأمم المتحدة. رفض مجلس الاساقفة التبرير السوري لبقائهم في لبنان، خاصة ان قوات الجيش والأمن اللبنانية قد اعيد بناؤها وبدأت فعلا بممارسة مسؤولياتها الوطنية. ان بيان الاساقفة قد قطع العلاقات الضعيفة التي كانت قائمة بين بكركي والدولتين اللبنانية والسورية. ان الرد الرسمي في لبنان وسوريا على الاساقفة الموارنة كان مباشرا وعنيفا. وقام حلفاء سوريا المسيحيون والمسلمون بنعت رجال الدين الموارنة بانعدام الحس الوطني عندهم واتهامهم بالعمل مع أعداء سوريا لزعزعة الوضع الامني في البلدين. ووصل بعض حلفاء سوريا من المسيحيين الى حد مطالبة البطريرك والاساقفة بحصر اهتمامهم بالقضايا الدينية فقط. كما قام بعض من رجال الدين المسلمين بمهاجمة البطريرك واتهامه وأساقفته بتهديد الوحدة الوطنية والسلم الاهلي في لبنان. ان دعم عدد من السياسيين والاحزاب اللبنانية والمسيحية في ربيع 2001 لمشروع الكونغرس الاميركي »قرار محاسبة سوريا وإعادة سيادة لبنان«، زاد في تدهور العلاقات بين المسيحيين والدولتين السورية واللبنانية. ووصل التوتر الى ذروته عندما اصطدم مع قوى الامن اللبنانية متظاهرون من الاحزاب والتيارات المسيحية، فأوقف المئات من هؤلاء الناشطين واتهم بعضهم بالتعامل مع اسرائيل فحوكموا وسجنوا لأشهر عديدة. ان احداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة ارست مرحلة جديدة للعلاقات بين بكركي وسوريا. لقد رفض البطريرك الماروني قطعا الوقوف الى جانب واشنطن ضد حركات المقاومة في المنطقة، وأعلن تفهمه للموقف السوري المعارض لواشنطن بهذا الشأن. ورحبت دمشق بموقف البطريرك وأشارت الى حلفائها في لبنان بأن يخففوا من التوتر مع بكركي كما بعثت رسائل ودية الى البطريرك، لكن دون اي محاولة حقيقية لتحسين الواقع السياسي للمسيحيين. ويجب الإقرار هنا بأن الرئيس بشار منذ تسلمه زمام الحكم عام 2000 خفض القوات السورية في لبنان مما يزيد على 40 الفاً الى اقل من 15 الفاً وأحال ايضا الى التقاعد سوريين كانوا مسؤولين عن لبنان خلال التسعينيات. لكن المسيحيين لم يشعروا بأي تغيير بالدور السوري في لبنان نتيجة لهذه القرارات، حيث ان القوات السورية بقيت منتشرة في المناطق اللبنانية نفسها تقريبا كما ان عملية تغيير المسؤولين السوريين في لبنان كانت لحسابات سورية داخلية وليست نتيجة لتصرفاتهم في لبنان. ان مراجعة الشكاوى والمطالب المسيحية قد تفسر الاسباب لاستمرار النزاع بين سوريا وأكثرية مسيحيي لبنان. ويمكن تلخيص هذه المطالب كما يلي: اولا: التنفيذ المباشر والصادق لاتفاق الطائف، وهذا يعني الانسحاب الكامل للجيش السوري والمخابرات العسكرية. ان القيادات المسيحية كانت لوقت قريب متسامحة لوجود سوري في لبنان حسب اتفاق الطائف ومماثل للوجود الاميركي في اوروبا واليابان وذلك لغاية انتهاء النزاع العربي الاسرائيلي. ثانيا: ان استعادة سيادة لبنان تتطلب ان تتوقف سوريا عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية. يعتقد المسيحيون وقياداتهم ان السوريين يديرون جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والادارية في لبنان من دمشق بواسطة مخابراتهم المتمركزة في لبنان. ثالثا: على الدولة اللبنانية ان تعمل جاهدة من اجل تحقيق الوفاق الوطني. وهذه تعني اولا عودة وإطلاق القيادات المسيحية من المنفى والسجن. وصياغة قانون يعتمد العدالة والمساواة في الانتخابات ويسمح للبنانيين بأن يترشحوا بحرية في معركة انتخابية نظيفة. بكلام آخر، لقد تعب المسيحيون من تمثيلهم في مجلسي النواب والوزراء والبيروقراطية بسياسيين مسيحيين يصنعون في سوريا او يدعمون من سوريا. رابعا: ودعا الموقف المسيحي الى لبنان حر وديموقراطي يلتزم علاقات اخوية مع سوريا ويدعمها في نزاعها مع اسرائيل. كما يرفض الالتزام بأي اتفاق او علاقات مع الدولة العبرية قبل ان تعود مرتفعات الجولان الى سوريا. باختصار، وفي نظر القوى المسيحية، لو تخلص الرئيس بشار من النظرة السورية الى ان لبنان جزء منها، فإن عليه تفهم مطالبهم وشكاواهم. ويعتقد المسيحيون ان مصلحة سوريا العليا كانت تقتضي تنفيذ اتفاق الطائف كاملا، كما تتطلب وقف تدخلها في الشؤون الداخلية اللبنانية. لكن المصالح المالية للأقوياء في النظام السوري تغلبت على مصلحة سوريا العليا. ولذلك بقيت سوريا متورطة في الشؤون اليومية للدولة اللبنانية. بالاضافة الى ذلك، ان متابعة سوريا تنفيذها لقرار مجلس الامن 1559 يحيّر القوى المسيحية حيث اختارت سوريا الاذعان للضغوط الدولية، عندما كان في امكانها تنفيذ ما يخصها من اتفاق الطائف بكرامة ودعم قوي من جميع اللبنانيين. يبدو للقوى المسيحية ان سوريا تفضل إهانة المجتمع الدولي لها على التعامل مع اللبنانيين على قدم وساق. لذلك كله يصعب إيجاد تعاطف محسوس عند المسيحيين في لبنان لمصير ومستقبل حكام دمشق. وقد انتشر هذا الاحساس عبر لبنان بعد اغتيال رئيس حكومته السابق رفيق الحريري. (*) المستشار السياسي لنائب رئيس وزراء لبنان وسابقاً سفير لبنان لدى الولايات المتحدة ومسؤول كبير في البنك الدولي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة