As Safir Logo
المصدر:

»في عزلة حقول القطن« نص كولتيس لغتان وجسد وكتاب في الحيز الفارغ

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2005-04-02 رقم العدد:10059

لدى عرض مسرحيته »في عزلة حقول القطن« لأول مرة، كتب بيرنار ماري كولتيس (1948 1989) نصاً توضيحياً يمكن اعتباره بمثابة ملاحظات إخراجية. قال، ربما على سبيل توضيح العلاقة بين بطلي مسرحيته الوحيدين، السمسار والزبون: »إذا التقى كلب بهرّ (...)، ليس في وسط جمع غفير، ولا في وضح النهار، لأن الجمع الغفير والنور يخفيان الوجوه والطبائع، ولكن على أرض حيادية ومقفرة ومبسطة وصامتة، حيث نرى أنفسنا من بعيد، وحيث نسمع الخطوات، مكان يمنع اللامبالاة، أو المواربة، أو الهروب«. ينطوي هذا النص التوضيحيّ على ملاحظتين؛ الأولى تتعلق بعمل الممثل حين يجري مقاربة الشخصيتين بكلب وهرّ، الأمر الذي يعتبر جزءاً من بحث الممثل، الذي يأمل دائماً العثور على معادل حيوانيّ لشخصيته يعمل بهديه ويرتسم على الشخصية مثل ظلال بعيدة. والملاحظة الثانية تتعلق بوضع الممثل في الفراغ (أرض حيادية ومقفرة...) وهذا ما يأخذ جان داميان باربان المخرج والممثل الفرنسي إلى وضع المسرحية في قالب يسميه »توضع في الفراغ«. في الأيام القليلة للتمرين (التقى المخرج بممثليه للمرة الأولى يوم الأحد، ومساء الأربعاء كان يقدم العرض)، القليلة إلى حد أنها لا تكفي لمجرد قراءة عادية لنص بهذه الصعوبة، لا نظن أن الممثليْن (جهاد سعد وعروة نيربية) استطاعا أن يسبرا أغوار النص بما يتطلب عمل الممثل، وأن يكتشفا معادلات له، وربما كان حلاً مريحاً أن يظهر الممثلون على الخشبة وهم يقرأون النص حاضراً بين أيديهم، ويمكن لنا كمتفرجين أن نجد لذلك مَخرجاً، بل ونحبه أيضاً باعتباره نوعاً من الاحتفال بالقراءة، والاحتفال باللغة وبكولتيس. أول الأمر قلنا إن العمل أكثر قليلاً من أمسية شعرية، وأقل من أن يكون عرضاً مسرحياً. لكن ما اعتقدناه حكماً نقدياً كان يقترب فعلاً مما أراده المخرج عبر توصيف دارج كشكل مسرحي في أوروبا، على ما يقول باربان، هو »التوضع في الفراغ«، الذي يعتبره منطقة وسيطة بين القراءة الحيادية للنص وبين التجسيد. هذا »التوضّع هو محاولة لفهم النص، فيما الإخراج شغل على التفاصيل«. ولعل افتتاحية العرض تضفي شيئاً من ذلك المعنى، فحين يدخل الممثلان تسطع الإضاءة خلفهما في عمق الخشبة، لتضيء، لبرهة، الجانب الذي يريده العرض مهملاً؛ هو مستودع الأغراض، كأن الإضاءة تقول إننا لسنا بحاجة إلى كل ذلك. فالأدوات هنا شديدة الاختصار؛ الممثل الجسد، والكتاب اللغة، وكلاهما في الحيز الفارغ، في الأرض المبسّطة والصامتة، ولكن الضيقة إلى حد يجعل المواجهة محتومة بين سمسار وزبون (كلب وهرّ) وبين سمسار ومتفرجين (سيقرر العرض أن الزبون هو واحد منا حين يخرج إلى الخشبة من بيننا). ولكن لماذا ظهرت النسخة الفرنسية السورية من عرض كولتيس بثلاث شخصيات لا باثنتين؟ حيث ظهر المخرج باربان ممثلاً يلعب بالفرنسية مرة دور السمسار ومرة دور الزبون، إلى جانب الممثلين السورييْن. يقول باربان: »يندرج العمل في إطار مشروع »ممثل وكاتب«، ما يعني تقديم الأدب الفرنسي المعاصر في الخارج. ولمّا كان العمل أيضاً يقدم في إطار »أيام الفرنكفونية 2005« كان ينبغي الاحتفال باللغة، ولذلك تحضر اللغتان جنباً إلى جنب. ولكن إذا اقتربنا من دراماتورجيا النص، سنجد أن هنالك ثلاث شخصيات لا اثنتين؛ البائع، والزبون، وهناك اللغة كشخصية ثالثة، وفي هذا الإطار حاولتُ إعادة بناء النص«. الالتفات إلى اللغة والاحتفال بها عبر نص كولتيس »في عزلة حقول القطن«، لا يجد مبرره فقط في تلك الشعرية الهائلة التي يفيض بها النص، وإنما في ما تحمله من »جوع اللقاء إلى الآخر ولمسه« كما تعبّر حنان قصاب حسن مترجمة النص، وذلك في إطار صفقة غامضة بين شخصيتي السمسار والزبون »لا يتوصلان فيها لشيء لأن البائع يرفض أن يعلن عن البضاعة والمشتري يرفض أن يحدد ما يرغب بشرائه«. ولعل الصفقة هنا ليست سوى ذريعة للبحث في مسائل شائكة كالهوية والعزلة، الحب، الجريمة، الموت والحياة. كل ذلك عبر علاقة شبه حيوانية، تخفي وراءها ما تخفي من مشاعر متجذرة ومتطرفة، بالضبط لأنها تقع على الحافة، الحد الفاصل بين الموت والحياة، ومنها يشتمّ المرء رائحة الدم، حيث »لا تماهي مع الآخر إلا بالموت«، ولعل الشعر هنا نوع من الدبلوماسية التي تغطي كل ذلك القدر من الفزع. وكما يوضح كولتيس: »أول فعل عداء يأتي مباشرة قبل توجيه الضربة هو الدبلوماسية، أي الاتجار بالوقت. تتظاهر الدبلوماسية بالحب في غياب الحب«. ولذلك ستنتهي الصفقة، بما حملته من شعر وبلاغات ومواربات، إلى إعلان الزبون ما يشبه بدء المبارزة: »أي سلاح تختار إذاً؟«، وذلك بعد أن »تُسْفَح رغبته عبثاً مثل دم على أرض غريبة«. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة