هل هناك معادل سوري لأحمد زكي؟ نلقي بالسؤال كنوع من المجازفة إلى مثقفين وفنانين سوريين، أو كنوع من إثارة حوار حول الرجل، وسرعان ما تأتي إجابات متأثرة ومحبِّة: بل ليس هنالك من يعادل أحمد زكي حتى في مصر نفسها. هكذا أجابني نجيب نصير الناقد وكاتب السيناريو التلفزيوني. فيعلق عبد اللطيف عبد الحميد (كنت قد التقيتهم في موعد »السابعة مساء من كل ثلاثاء« في مقهى الهافانا، لمن يريد موعداً سورياً سينمائياً ثابتاً) يقول: لا يخلو الأمر، ولكن هذا يحتاج إلى تراكم في السينما والمسرح يمكن أن ينتج ما له نكهة خاصة. ويتذكر عبد الحميد لقاء وحيداً، وهو لم يكن لقاءً على وجه الدقة، قال بعد أحد أفلامي التي عرضت في مهرجان دمشق السينمائي جاءني معانقاً، قال كلمة واحدة: »جدع«. ومضى. ويضيف عبد الحميد: »لم أر ممثلاً عربياً أمسك بناصية الشخصيات بهذا العمق وهذه الحساسية، في حضوره تشعر وكأنه معك، إلى جانبك، حتى لو كان يؤدي واحداً من أدوار الشر. كان أقل نجوم مصر كلاماً. أمس، سمعت من يقول إن لونه كان عائقاً له في بداياته، مثله لديه من الغنى الداخلي ما يجعله يتجاوز ذلك«. ويحكي حسن سامي يوسف، كاتب السيناريو الأكاديمي الوحيد في سوريا، عن لقاءاته مع أحمد زكي: »التقيته أول مرة قبل أكثر من خمسة عشر عاماً. جمعتنا مناسبة واحدة: دورة مهرجان دمشق السينمائي السادسة. كلانا كان عضواً في لجنة التحكيم. حدث هذا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. عملنا في اللجنة سوية عشرة أيام، أو نحو ذلك. كانت اللجنة حسب ما أتذكر الآن تتألف من تسعة سينمائيين ينتمون إلى بلدان مختلفة، وبالتالي إلى ثقافات مختلفة، أو حتى حضارات مختلفة. كان فيها الياباني والروسي والألماني والفرنسي والبرازيلي والتركي والعربي. وكان المنطق يقول إننا (أحمد زكي وأنا) ننتمي إلى ثقافة واحدة، أو تقريباَ واحدة. والذي جرى هو أننا -رغم ثقافتنا الواحدة لم نكن على وفاق في نقطة جوهرية عند أي لجنة تحكيم: الجوائز. كانت تلك الدورة من المهرجان حبلى بالأفلام الجيدة، بل وحتى الممتازة، وكان عددها سبعة عشر، وبعد التصفيات، التي ربما كانت قاسية، بقي لدينا خمسة أفلام تتنافس على الجوائز الرئيسة الثلاث. وكان الخلاف في اللجنة حاداً، على وجه الخصوص حول الجائزة الكبرى. كنت في حواراتنا أحاول أن أقنع الرجل الذي أشاركه الثقافة ذاتها بأن نمنح هذه الجائزة لفيلم (من الخمسة المتبقية طبعاً) ينتمي إلى سينما فقيرة. كان متعصباً للسينما فقط، كان متعصباً للفن فقط. وكان تعصبه غير محدود، فكان بالتالي منسجماً مع نفسه بلا حدود، فهو رجل شديد الانتماء للفن، وشديد الإخلاص له. ولو لم يكن كذلك لما نجح في تجسيد كل تلك الشخصيات التي تذكرني ولست أدري لماذا بالضبط بالكوميديا الإنسانية؛ شخصيات يعجز عن نظمها أي عقد اجتماعي، أو سواه؛ من بواب العمارة إلى رئيس الجمهورية، مروراً بالطبيب والجندي والمهندس والراعي والفتوة والكوافير وسائق التاكسي ورجل البوليس المهم والمتشرد ورب الأسرة الفقير والمهرج والخارج على القانون والطبال والفلاح والمكنسيان، إلى آخر القائمة الذي هو »حليم« أو العندليب الأسمر كما نحب جميعاً أن نسميه. ألا يذكرنا هذا كله ببلزاك أو الكوميديا الإنسانية؟ إن إنجازاً بهذه الجسامة وهذا التأثير لا يمكن أن يقف وراءه إلا رجل عبقري، ولو لم يكن أحمد زكي كذلك لما أمكنه أن يلعب شخصيتين تبدوان لكثيرين منا شديدتي التناقض (من وجهة النظر الأيديولجية على الأقل): جمال عبد الناصر في »ناصر 56« وأنور السادات في »أيام السادات«. ألا تنظر غالبيتنا إلى هاتين الشخصيتين بوصفهما من الأضداد؟ أظن أن الأمر كذلك. وإن كان ما أظنه جائزاً يكون أحمد زكي قد جسد الأضداد أمام الكاميرا بالإخلاص نفسه، وبالحب نفسه، الإخلاص للسينما، والحب للسينما، وكلاهما بحماسة غير محدودة. أتذكر اليوم ذلك الخريف الذي صار بعيداً. وأتذكر أنه كان خريفاً بارداً بخلاف حواراتنا (أحمد زكي وأنا)، صحيح أننا كنا مختلفين إلى النهاية في نقطة مهنية ما، ولكن الصحيح كذلك أننا كنا متفقين في كل شيء آخر، تقريباً، حتى إن درجة من الصداقة قامت بيننا، رغم قلة الأيام التي ترافقنا بها معاً. أذكر تسكعنا في شوارع دمشق وحواريها العتيقة، وأتذكر أننا اتفقنا على أن نلتقي مستقبلاً في مدينة ما، وأتذكر أنه كان بيننا، فيما بعد، بعض التحيات والرسائل الشفوية عبر هذا الصديق المشترك أو ذاك، في هذه المدينة أو تلك«. سوريون في فيلم »حليم« كانت المشاركة السورية في فيلم »حليم« أمراً مفاجئاً للكثيرين، رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يشارك فيها سوريون في أعمال مصرية، فما من ضرورة درامية على ما يبدو لمشاركةٍ سورية، سوى أن الأمر يعكس هوى قومياً عند منتج الفيلم عماد الدين أديب وعند الفنان الراحل. والمشاركة ليست هامشية على عادة أعمال كثيرة سابقة، فالفنان جمال سليمان يلعب دور الكاتب مصطفى أمين الذي يلازم حليم جل حياته وعبره تروى سيرة العندليب. فيما تلعب سلاف فواخرجي، الوجه الأجمل في الدراما السورية، دور حبيبة مجهولة لعبد الحليم. تقول سلاف إن أجمل أغاني حليم كانت لتلك المرأة التي حال انتماؤها الطبقي من زواجها من حليم. ورغم أن حكايتها موثقة غير أنها ستأخذ في الفيلم اسماً آخر، مراعاة لعائلتها على ما يبدو. وتضيف سلاف: »التقيت بأحمد زكي للمرة الأولى في 16 كانون ثاني الماضي، في المؤتمر الصحفي الذي أجري بمناسبة انطلاقة الفيلم، وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها على الوسط الفني منذ عام، بدا تعباً أول الأمر، وبعد لحظات عادت روحه. أنا كان عندي فرح بلقائه، وخوف على ممثل غير عادي. كان استقباله لي مريحاً، قبّل رأسي وعبّر عن سروره بي، وكان شديد الاهتمام بي وبجمال سليمان، وقال إنه كان متابعاً لنا تلفزيونياً«. يتذكر الفنانون السوريون أحمد زكي بتأثر بالغ ويروون عنه لقاءات أو كلمات مهما قلّت. يتذكر الممثل زهير عبد الكريم: »التقيت أحمد زكي في مهرجان السينما في دمشق بعد عرض فيلم »نجوم النهار«، كانت كلماته كالأوسكار بالنسبة لي. سألني: »كم فيلم عامل؟«، قلت هذا فيلمي الأول. قال: »مش صحيح، ده انت ممثل ابن..«. دعوته إلى قريتي »معربة« وكانت كلها بانتظاره ذلك اليوم، حتى عمتي عزيزة التي لم تكن تعرف ماذا يفعل أحمد زكي. حينما ذهبت إليه في الفندق، انتبهت إلى أنه لا يهتم بصحته، قال أنا عملت كل حاجة، ولا أريد شيئاً من الحياة. ما زلت أذكر انطباعات الناس في قريتي عند لقائه، من بائع السجائر المهربة الذي راحت علب السجائر تتساقط منه مرتبكاً حينما رآه، إلى نادلي الفندق الثلاثة الذين أسقطوا الصحون تباعاً لدى رؤيتهم له«. ربما كانت الممثلة أمل عرفة تقد بالمصادفة تفسيراً لحوادث السقوط والارتباك تلك، حين تقول إن الفنان أحمد زكي من أولئك الذين »إذا أتوا إلى مكان يختل توازن الأشياء وتميل الأرض باتجاه أقدامهم ويبقى كل المحيط دون جاذبية. وهم وحدهم أصحاب المدار، أصحاب الدارة السحرية التي لا تدخل في تركيبتها لا الكهرباء ولا الكيمياء ولا بقية العلوم بل يدخل فيها شيء لا ندركه نحن البشر لأنه سر الخالق«. أما حاتم علي، المخرج التلفزيوني والمسرحي، فقد اعتبر أن رحيل الفنان فاجعة شخصية له، يقول: »في زمن لا وجود فيه للعمالقة، يبدو أحمد زكي وكأنه آخرهم، فهو أستاذ مهنة، أضاف لها الكثير، وأثبت أنها مهنة إبداعية بامتياز، أعطاها من روحه الكثير، وقدم شخصيات نادرة، حارة، وخاصة، عبر تقنيات متميزة، لا يستطيع غيره أن يفعلها. إلا أن جوهر الأمر ليس هذا وحسب، فأحمد زكي نموذج للنجاح في أبهى صوره، مسيرة حياته هي إحدى حكايات الطموح النادرة، فقد بدأ فقيراً معدماً، ولم يكن يملك مواصفات النجم بالمقاييس السائدة، ولكنه استطاع أن يتربع على عرش مهنة التمثيل، ولهذا أصبح الحافز والقدوة، والمثال الذي يبعث فينا الأمل. رحيل أحمد زكي محزن وفاجع لي شخصياً، رغم أنني لم أعرفه يوماً، ولم ألتق به أبداً، ولكنه كان الأمل، والمثال، والطموح الذي نمتلكه جميعاً. وإذا كنا قد فقدناه اليوم، فإن قصة نجاحه ستبقى. ذهب الرجل، لكن حكايته ستبقى«. شيء غريب كانت تشير إليه شهادات الناس وذكرياتهم عن الفنان الراحل؛ أليس غريباً أن يتذكر الناس من بين ستة وخمسين فيلماً، وغيرها من أعمال تلفزيونية ومسرحية، ذلك الدور البعيد لأحمد زكي في »مدرسة المشاغبين»؟ ما السرّ في ذلك؟ ألأن الفتى الهادئ والجاد في مدرسةٍ للمشاغبين كان أقرب ما يمكن إلى صورة الطفل الذي كانه أحمد زكي، فتى يتيماً، وحيداً، وضائعاً؟ أم لأن تلك الصورة البائسة تصلح منطلقاً للمقارنة بين ما كانه الرجل وما صار إليه؟ أي ما يصلح باختصار ليكون تراجيديا تلخص الوضع البشري الممتلئ أملاً والمأسوي على حد سواء، كما يقول الشاعر عابد اسماعيل حين يشير إلى »كآبة خفية ظلت ترافق الفنان في كل الأدوار التي لعبها، يستشعرها المرء في صوته الخفيض وابتسامته الهادئة، لتضفي على الأدوار، رغم تباينها وتعددها، إيقاعاً شخصياً يمكن اعتباره بصمة زكي الفنية. ثمة حزن مستقر في ملامحه، ومسحة تأمل في عينيه، ووداعة لا مرئية تزيدها شجناً البشرة السمراء الضاربة إلى غروب مبكّر. منذ »مدرسة المشاغبين«، العمل الكوميدي الأكثر انتشاراً وشهرة، علقت في الذاكرة صورة هذا الممثل الموهوب، بخطواته الواثقة فوق خشبة المسرح، وتماهيه الصادق مع الشخصية، ليعلمنا درساً جميلاً في الفن آنذاك، مغزاه أن الحزن هو الوجه الآخر للفرح، والمأساة هي الوجه الآخر للملهاة. في ذاك العمل الكوميدي، ساعدت »جدّيته« كلاً من سعيد صالح وعادل الإمام على إبراز موهبتيهما الكوميدية، وحسّهما الهزلي العالي، ولطالما استطاع حضوره الفني، لاحقاً، وفي أفلامه الكثيرة، أن ينقذ ممثلين كثر من عثرات النمطية، ليرتقي أداء الجميع ويتناغم، ليصبح زكي المايسترو الحقيقي في أعمال كبيرة، كما في فيلمي »ناصر 56« و»أيام السادات«. في آخر عمل له لم يكتمل عن الراحل عبد الحليم حافظ تكتمل الحلقة التراجيدية في حياة هذا الفنان المبدع الذي أراد أن يجسد أكثر الأدوار رهافة، بتقمصه شخصية العندليب الأسمر. أراد أن يكمل سيرة الغائب عبد الحليم، قبل أن يغيّبه الموت، لتندمج سيرتان في سيرة واحدة، ولكن ذلك لم يتم، وكأن حياة زكي تحولت إلى تراجيديا يونانية بطلها أحمد زكي نفسه. وكان عليه أن يلعب الدور التراجيدي الأخير في ملهاة »الحياة«، في لحظة استرجاع قصوى للسموّ الفني، كمن يعيش سيرة الألم مرتين، قبل غيابه وتحوّله إلى سيرة. في لحظة الألم تلك، التي هي جوهر الفن أصلاً، تلتقي الشخصيتان، عبد الحليم وزكي في نص ظلّ معلقاً، وفي فيلم ليس له نهاية، كل يكلّم الآخر بلسان الرهافة«. وجه مثقف فارس الحلو ينظر إلى الحادثة/ المسرحية ذاتها ولكن من زاوية نظره كممثل بذاكرة هشة كما يقول هو نفسه: »يعيب عليّ الأهل والأصدقاء أمراً يصعب تصديقه، وبخاصة أني أحد العاملين في الشأن الفني، وهو قلة حفظي أو تمييزي بين وجه هذا الممثل أو ذاك، حتى لو كان الأمر متعلقاً بالنجوم العالميين من ممثلين أو مطربين مشهورين. والحق أن أحداً لم ينصفني أو يفهمني لسبب قلة حفظي وعدم تركيزي وتمييزي لوجه هذا الفنان عن ذاك، اللهم إلا بعض وجوه الفنانين العالميين الذين حفلت حياتهم ببعض الدراما واهتم بها الإعلام فانطبعوا برأسي بالقوة فحفظت وجوههم. فمن طبيعتي أن أركز مشاهداتي الفنية على فكرة العمل وطريقة حبكه، ومن ثم أداء الممثل وبريق عينيه وإيماءاته وحركاته وميزانسيناته النفسية والفيزيولوجية ومقارنتها مع منطوق الشخصية المؤداة، ومن استطاع من الممثلين الطباق والتنافر الجذاب بين الداخلي والخارجي يثير فيّ الفضول والاهتمام. ورغم كل هشاشة ذاكرتي، رأيت أن أمراً غريباً جرى معي حين شاهدت الممثل أحمد زكي في باكورة أدواره في »مدرسة المشاغبين»؛ حين انطبعت صورة وجهه في ذاكرتي، على غير عادتها. فدوره في هذه المسرحية كان أكثر من سيء، ومشاكله الفنية تتفاقم عبر عرض المسرحية، إضافة إلى عدم انسجامه فكرياً وفنياً مع محيطه في المسرحية، ولا مبرر مقنعاً لوجود شخصية طالب فقير في مدرسة خاصة يؤمها طلاب الطبقة الثرية. وبالإضافة إلى هذا الضعف الفاضح للدور المسند إليه، تأتي المسرحية ممتلئة بصولات وجولات الممثلين الموهوبين لتزيد دوره ضعفاً وحجباً فلا تترك له مجالاً لظهور مميز. تعامل زكي مع فيض كوميديا زملائه بطريقة تنم فعلاً عن إدراك ووعي وثقافة فنية عالية، فاستطاع أن يحمي الشخصية الضعيفة المسندة من الانهيار، حين منع نفسه أولاً من الانخراط مع ما يمكن أن يسمى (ميوعة الشخصيات الأخرى)، فالقارىء على العموم لا يعرف حجم الغيظ وقوة الاندفاع والمغنطة والجذب الحثيث الذي يتعرض له الممثل لمشاركة أفعال زملائه حين يجد نفسه وحيداً أعزل في الصف الخلفي من المشاهدة ولا أحد يلقي إليه بالاً. ولكي يستطيع الممثل لجم هذه النرجسية فهو بحاجة فعلاً إلى وعي وإدراك متميزين وموهبة فطرية تسندها ثقافة حسية عالية. والأمثلة كثيرة على ذلك، ويمكن للقارىء أن ينتبه لها في أغلب العروض المسرحية المصرية والسورية التجارية حين يشاهد الممثل الثاني يبالغ في أداء الحركات المضحكة ويرحب بخلق حوار إضافي ليزيد من مدة ظهوره على الخشبة المسرحية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى استطاع الفنان أن يرسم لهذه الشخصية حزناً دفيناً ملفتاً، بدون استجداء لشفقة أو عطف المشاهد وبمهارة فائقة لاتجعل المشاهد ينفر منها وسط هذا العالم الكوميدي الفاقع. ولعل كثيراً من الممثلين، لو كان محل زكي، لجعل من الشخصية دمية كاريكاتورية سمجة تحشر نفسها في مشاهد ليست معدّة لها، فقط لكي يظهر الممثل بأي طريقة كانت. لقد فاجأني حقاً أحمد زكي في تلك المسرحية، فهو لم يسقط في الفخ النرجسي الجذاب، كما الممثلين الآخرين، وأكبرته أكثر حين أمعنت التدقيق بأدائه المنسجم والمتوافق مع ذاته دون أن يسمح لنرجسيته المتوفزة بامتطاء الدور الضعيف لكي يبرز على حسابه. هذه السلوك الذكي في معالجة دوره البسيط وتقديمه الشخصية بأمانة كما هي، والسيطرة على رغباته كممثل غيور للظهور كما زملائه، حمى الشخصية الفنية الضعيفة المسندة إليه من انزلاق حتمي أمام الفوضى الكوميدية العارمة التي صنعها زملاؤه وبالتالي استطاع أداؤه أن يقدم شخصية منضبطة وواضحة حتى ولو كانت ضعيفة، فاستطاع بجدارة أن يرسم وجهه المثقف في ذاكرتي الهشة للأبد«. بهجة اللعب الممثل باسم ياخور، ذهب إلى القول إن هنالك مدرسة في فن التمثيل اسمها أحمد زكي؛ لم يمتلك الرجل ذلك الشكل الوسيم، لقد كرس مفهوم الممثل النجم، لا مفهوم النجم. يقول ياخور: »إنه مدرسة في تناول الأدوات التي تعطي الممثل المصداقية، لديه الشخصية عبارة عن تفاصيل، الحركة وطبقة الصوت، وسواهما. من الواضح أنه عندما اشتغل دور السادات قام بدراسته دراسة نفسية وحركية كاملة، درس العادات البسيطة لديه؛ كيف يحك رأسه، وطريقة شربه من كأس الماء أثناء الخطابات، وغير ذلك«. ونسأل الممثل إذا كان يصنف أحداً من الممثلين السوريين ضمن مدرسة أحمد زكي، فيجيب: »أعتقد أن الفن السوري بشكل عام هو أقرب إلى مدرسة أحمد زكي، مدرسة الممثل الذي يقوم بلعب أدوار متعددة«. لكن اللعب لم يتوقف فقط على تعددٍ في الأدوار، أو تأرجح بين النقائض، كان لعباً داخل الدور نفسه، ربما هذا ما قصده الروائي والسيناريست خالد خليفة بما يسميه بهجة اللعب: »يعتبر أحمد زكي واحداً من الممثلين القلائل الذين أعادوا لمهنة التمثيل بهجة اللعب والتجريب المنظم ضمن فوضى الفن، وأيضاً واحداً من الممثلين الذين آمنوا بأن الخيال هو عنصر أساسي في هذا الفن كما في كل الفنون الأخرى، هذا العنصر الأساسي الذي تناساه المؤدون الكثر في عملهم وادعائهم بأن التمثيل هو فقط ظهور على الشاشات بالإضافة إلى أن قطاعات كبيرة من الجماهير تماهت معه لأنه يشبهها في ظهوره الآسر، وأحست لأول مرة بأنها ليست كومبارساً في الحياة. سيبقى الفن العربي يذكر لمعة عينيه وإحساسه الفائق في أدائه لكل الشخصيات التي لعبها وحاول مرة أخرى إعادتها إلى الشك وهو أصعب ما يستطيع أي ممثل فعله، وقد فعله أحمد زكي كما لو أنه يشرب كأس ماء على ناصية طريق مزدحم«. لا شك بأننا غالباً ما نرى في الخسارات المتلاحقة لآخر المبدعين الكبار، رديفاً لخسارات أخرى وهزائم، وخيبات بحجم تلك الأحلام التي عشناها منذ حوالى نصف قرن وأكثر، هكذا يفعل الناقد السينمائي بندر عبد الحميد حين يرى في الموت المبكر «لأحمد زكي جزء من الموت المبكر الكبير للأحلام العربية المتهاوية، أحلام الفن والحرية وتحديث الحياة بالتقدم العلمي الديموقراطية غير المشروطة، وإزاحة الإرث الثقيل، هذا الكابوس الجهنمي للتعصب الديني والإيديولوجي المتخلف والمسلح بالساطور والسيارات الأنيقة المتفجرة. أحمد زكي نجم شعبي محبوب، متجدد، متواضع، متألق، مشاغب، صقل موهبته في أعمال مسرحية وتلفزيونية، في الحركة والصوت والصورة، وهو لا يشبه غيره، في نزعته الاقتحامية الجريئة، كما نراه في فيلم »ناصر56«، أو في رهانه على أداء دور شخصية سياسية معقدة وغامضة في فيلم »أيام السادات«، وكانت له موهبة نادرة في تقليد نجوم الفن المصري، وموهبة غير معلنة في الغناء والضحك والسخرية اللاذعة. كل هذه الميزات الخاصة، وغيرها، أعطته قدرة على ألا يكون شخصية نمطية محددة، جامدة، أو مكررة، كما هي حالة بعض النجوم من أبناء جيله. وربما يكون في فيلمه الجديد »حليم« تحية وداع طيبة لعبد الحليم حافظ رمز أحلام الشباب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وتحية وداع طيبة أخرى، من أحمد زكي إلى جمهوره العربي الواسع، المنكوب بكوارث الاضطهاد والتعصب والموت المبكر والقتل العائد إلينا من كهوف طالبان«. رجل من لوننا قلما تحدث السينمائيون عن لون أحمد زكي بطريقة سينمائية، فإذا كانت السينما لوناً وصورة كان لا بد للأسمر، متراوحاً بين القمحي والأسود أحياناً (وأحمد زكي نفسه كان يتراوح في السمرة)، كان لا بد أن يشكل اللون ثقلاً، مركزاً في الصورة، ولعل البعد اللوني هو واحد من مرامي حضور الأسود في السينما الأميركية مثلاً. الناقد السينمائي بشار ابراهيم، يتحدث عن »رجل من لوننا«، لا أدري إن كان يقصدنا نحن أبناء المخيمات، أم يقصد أبناء الطبقات الشعبية والفقيرة، ليست البطولة فقط في صعود هذا اللون القريب جداً من الأرض نحو هذه المكانة، وإنما بطولة زكي في تحرّرنا من عقدة اللون. يقول بشار: »لم يكن موت أحمد زكي مفاجئاً، بل هو من طراز الموت الذي ضرب موعداً مع صاحبه، منذ سنة على الأقل. ومع ذلك كان موتاً فاجعاً. فما بين لحظة إعلان الموعد، المحمول على أكفّ المرض العضال، ولحظة الانطفاء الأخيرة، كان ثمّة الكثير من الأمل في تبديل المواعيد، أو تأخيرها، أو التحايل عليها ما أمكن ذلك. وفي تلك المسافة، كانت محاولات الفنان الكبير في مقاومة المرض، مسلَّحاً بحبّ الناس، وعواطفهم، وأكفّ الأدعية الناهضة إلى السماء. وفي تلك المسافة، أيضاً، كانت المحاولة الإبداعية الأخيرة، من خلال العودة (متعبّداً) إلى محراب الكاميرا السينمائية، لتصوير فيلم »حليم«. الآن، رحل أحمد زكي، تماماً، كأنما رتَّب أشياءه، وحزم أمتعته، ورمى تلويحة الغياب، هناك عند منعطف الموت، ومضى. ولم يكن مفاجئاً أن نكتشف، لحظة غيابه، تماماً، أنه ترك فينا الكثير. دائماً كان أحمد زكي »رجلاً من لوننا«، فيه الكثير من نبض أحلامنا، من وجعنا، والكثير من الكلام الواقف على حافة اللسان، خائفاً ومرعوباً من أن يُقال، وأكثر خوفاً ورعباً من أن يظل مسكوتاً عنه. من تراه لم ينتبه إلى نبرة الحزن العميق الساكنة في عينيه، وفي رفّة الرمش القلقة؟ من فقر وقهر وتعب جاء، ليرجّ الساكن في السينما العربية، وليعيدها من انزياحها إلى حيث يجب أن يكون. لم يغيِّر أحمد زكي من نمطية البطل في السينما العربية فقط، بل لعله ارتقى بالإنسان العادي إلى مصافّ البطولة، وهذا مجده. مجده أنه كان واحداً من هؤلاء الناس المرميين على قارعة رصيف الصمت والإهمال والتعاسة، فانتقل بهم إلى بؤرة عين العدسة، ليكشف عن إنسانيتهم الطافحة. في موت الرجل الذي من لوننا ستبهت ألوان كثيرة، وسيبقى الحزن مقيماً، حتى إشعار آخر«. أخيراً يشير السينمائي فجر يعقوب، بغضب إلى موجة الرثاء التي استبقت موت الرجل، ولا ندري إن كان يلمح إلى ما نشرته صحيفة »الثورة« المحلية، التي سبقت موت الفنان بأيام لتعلن موته إلى الناس في زاوية تقول: »رحل أمس، الفنان أحمد زكي« من دون أي مجاز، أو اعتذار فيما بعد. تظل »الثورة« تخطئ، من دون أن يعتذر أحد، ومن دون أن يحاسب أحد! يقول يعقوب: »قد لا يبدو رحيله مفاجئاً للذين استعجلوا الكتابة عنه بمنتهى القسوة لأن نية مبيتة من سادية إنشائية غير مفلترة تصنع باسم السبق الصحفي الذي لا يتكئ إلى وقائع، كانت تسكنهم في اللحظة التي تم فيها تداول تلف دماغه بالكامل عبر الفضائيات والأقمار المأهولة وغير المأهولة. فما يبدو لهم غير مفاجئ في هذه اللحظة، يبدو للبعض الآخر منا نحن الذين نحتكم إلى هواية الرثاء من بعد الموت بالألم المفترس، وكأننا على غير عاداتنا الأليفة في هذا النوع من الكتابة غير المكلفة لنا جميعاً، نحيي المرض العضال الذي يجيء بنا أو يذهب مع بعض التحريف في »أيتها النفس أجملي جزعاً.. إن الذين تحذرين قد وقعا«. لم يوصِ أحمد زكي بشيء، ولنا أن نقف على مبعدة من جنازته، لا أن نقيسها بالأمتار التي تفصلنا عن جنازة »حليم«، حيث يمكن إكمال الفيلم بها، مع التأكيد على حسن الاستعارة، مادام قد استُخدم منها تسعين بالمئة فقط. هل تمتلك الجنازة تلك العشرة بالمئة الباقية من الفيلم كي نكمل بها مشوار عندليب أسمر أصبح ونحن في عوز إليه نمراً أسود »ومحارباً« لا يسمي الأشياء إلا بمجاز نادر الوقوع في مثل حالاتنا الطارئة ؟!«. (دمشق)