اللافتة تشير الى سد البوشرية. الى الامام قليلاً قوس كبير كتب عليه المدينة الصناعية الباب الثاني. نحن الآن في المدينة التي يفترض انها الاكثر كثافة وازدحاماً. ولكن اليوم يصادف يوم عطلة (امس) والمحلات جميعها مغلقة والهدوء يخيم على المكان، كما كان في ليلة العيد تماماً. عندها كان المشهد مختلفاً. عندها تحول الهدوء والظلام الدامس في ثوان معدودة الى »قنابل من اللهب تتقاذفها الابنية كما لو كانت مشهداً منسقاً من إحد أفلام هوليوود«، هكذا يصف أحد الجنود المولجين بحراسة مكان الانفجار ما كان يحصل بعد وقوع الحادث مباشرة. لحظات عديدة تحولت بعدها المنطقة الى هيستيريا يتصارع خلالها رجال الاطفاء مع أشد المواد القابلة للاشتعال (خشب، مفروشات، عبوات اوكسيجين وغاز، مواد بترولية وغيرها الكثير). النيران تتمدد وخراطيم المياه تحاول التهامها في أسرع وقت ممكن. لم ينته الصراع قبل ساعات الصباح الاولى. عندها بدأت تتضح الكارثة. المتفجرة أحدثت حفرة قطرها متران وعمقها متر، ولكنها أحرقت، في المقابل، ستة أبنية. هذا ليس كل شيء، يبدو المشهد أكثر وضوحاً ومأساوية. ثمة شارعان كاملان تحولا خراباً ودماراً. عند الصباح بات بالامكان رؤية هول الكارثة التي أحدثها الانفجار في مكان يعتبر شرياناً للصناعة اللبنانية، ولكنه كان من المستحيل حصر الاضرار بدقة. إلا ان رئيس جمعية صناعيي سد البوشرية ايلي انطكلي أكد ان قيمة الخسائر تتجاوز ال15 مليون دولار. فالشارعان يضمان 140 مؤسسة تجارية وصناعية: مطابع، معامل ألبسة ونجارة وموبيليا، محلات تصليح سيارات، مصانع حديد وستانلس وحديد والمنيوم، بالاضافة الى المطاعم. مع الاشارة ان ثمة محلات لم نستطع التعرف على ما تحويه بسبب الدمار الذي غير معالمها. بالنتيجة انتقل مصير ما يزيد على الالف عامل الى المجهول نتيجة الخراب الذي لحق بمصادر رزقهم، لا سيما انه من المرجح أن تستغرق فترة التأهيل وإعادة البناء فترة طويلة، يضاف اليها حالة جمود متوقعة في المنطقة المتضررة، الامر الذي ينذر بفقدان عدد كبير منهم لأعمالهم، مع الاشارة الى انه برزت بعض المواقف التي تشير الى احتمال أن ينتقل بعض المستثمرين الى خارج المنطقة، بسبب ما يتوقعونه من تأخر في عودة الحياة الى طبيعتها قريباً. وأكد انطكلي ان الجمعية شكلت لجنة من أصحاب المحلات المتضررة مهمتها البدء بمسح الاضرار، بالتعاون مع رجال الامن والخبراء لتحضير البيانات التقريبية لكلفتها، على ان يصار بعدها الى اجتماع يعقد مع رئيس بلدية الجديدة انطوان جبارة واتحاد البلديات، لتحدد خلاله الخطوات اللاحقة وطرح الموضوع على المسؤولين، للبحث في كيفية مساعدة المتضررين أو التعويض عليهم، وحفظ حقوقهم، لا سيما ان المنطقة تشكل العمود الفقري للصناعة اللبنانية. بالعودة الى المشهد في مسرح الجريمة، يبدو الجميع في حالة ترقب وقلق، وقد تجمع بعض المواطنين عند الشرائط التي وضعتها القوى الامنية في محيط الشارعين المنكوبين. أما أصحاب المؤسسات المتضررة فكان يسمح لهم بالدخول لتفقد ممتلكاتهم التي أضحت خراباً. يدخلون لتفقد ممتلكاتهم وحالات الصدمة والذهول تسيطر على وجوههم. تسأل أحدهم عن الاضرار والحلول التي يتوقعها؟ يضرب كفاً بكف ويتنهد عميقاً، ويجيب »ما بعرف شي«، ثم يعود أدراجه الى حيث الجموع. هناك تأخذ الاحاديث منحى واحداً: ماذا بعد؟ هناك يتساءل الجميع: ما الهدف من ضرب الاقتصاد؟ فمنذ اغتيال رجل الاقتصاد الاول الشهيد رفيق الحريري، وصولاً الى انفجار المدينة الصناعية، مروراً بحادثتي الجديدة والكسليك، لا تزال يد الإجرام تستهدف شرايين الاقتصاد، فهل ستستمر هذه السلسلة أم ستتغير الاستراتيجية. في المقابل، لا ينسى الجميع حمد الله على ان هذه الاعمال التخريبية لم تحصل في النهار، لأنه عندها لا شك كانت ستحصد مئات الابرياء. أحاديث ونقاشات وتحليلات لا تنتهي يجمعها سؤال واحد: الى متى سيستمر هذا المسلسل الاجرامي؟