As Safir Logo
المصدر:

قراءات من بريطانيا في مرحلة ما بعد اغتيال الحريري .. وفي لندن الكثير من الأسئلة القلقة على الآتي لبنانياً

المؤلف: ايوب حسين التاريخ: 2005-03-26 رقم العدد:10054

عاجل: انفجار في شرق العاصمة اللبنانية يدمّر مبنى ويوقع إصابات. إنها الحادية عشرة ليلاً بتوقيت العاصمة البريطانية، أي الواحدة فجراً بتوقيت بيروت. لحظة بادرت إحدى الفضائيات اللبنانية إلى بثّ »الفلاش«. وجوم. تتسمّر عيون لبنانية وعربية في »كافيه لبنان« في »ادجوارد رود«، نحو الشاشة الكبيرة. يشتغل الخلوي مع الأصدقاء في بريطانيا او بيروت. تشتعل الاسئلة القلقة ولو من بعيد: ماذا بعد وهل من خوف حقيقي على لبنان؟ في هذا الشارع، العربي في ظاهره، الكوسموبوليتاني في مضمونه، كما معظم مناطق لندن، تزدحم اللافتات العربية لمطاعم ومقاهٍ ومحلات ومكتبات الخ... وفي الرصيف ارجحية عربية ومسلمة. في المطاعم مثل »مروشش و»مروش غاردن« و»الدار« و»نروش« و»بيروت اكسبرس« وغيرها، ازدحام ومآكل عربية وشاي ونارجيلات من عيارات مختلفة. وفي الداخل حلقات مسائية يومية من النقاش، بدأت في الرابع عشر من شباط المنصرم، تاريخ سقوط رفيق الحريري شهيدا، ولا يبدو انها ستنتهي في موعد قريب. معارضة وموالاة وخط ثالث. صور للحريري والسيد حسن نصر الله. توحّد اللبنانيون بالحزن على الحريري واختلفوا في التعبيرات اللاحقة، او بالاحرى صاروا موزعين بين المعسكرات وتبعاً لاصطفافات بأرجحيات طائفية، لكن تحت سقف الثقافة الانكليزية. الكل من اللبنانيين يتحاور يوميا، واحيانا ينضم اليهم عرب آخرون ولا ضير من طرفة من هنا وهناك كان يخاطب أحدهم العامل السوري في احد المطاعم: »بتعرف آخر نكتة عليكم«، يردّ الشاب السوري »خبّرنا«، فيجيبه زميله اللبناني: قرر اهل حمص تقليد مظاهرات ساحة الشهداء فنزلوا في شوارع حمص يرددون: »هيه ويلا... سوريا طلعي برا«... البعض من اللبنانيين اعتصم امام 10 داونينغ ستريت مقر توني بلير احتجاجا على مقتل الحريري وبعضهم الآخر امام السفارة السورية تأييداً للقرار 1559 ولا تخلو ال»هايد بارك« القريبة من »ادجوارد رود« من مشهديات لبنانية مع كل صبيحة أحد. لا أرقام دقيقة للبنانيين في بريطانيا. اقرب الأرقام للمنطق، وهي غير رسمية، تلك القائلة بأنهم يتراوحون بين ثلاثين وأربعين ألفاً، من اصل ربع مليون عربي هناك. اللبنانيون ينشطون في مجالات الصحافة والمصارف والعقارات والخدمات الفندقية والمطاعم بالإضافة الى فئة الطلاب والأساتذة الجامعيين. هم لا يشكلون كيانا واحدا لا بالمعنى السكني ولا بالمعنى العرقي او الثقافي. هي مجرد بيئات لبنانية على شاكلة بلدها المشرّع النوافذ والأبواب. يكتسب موضوع التدخل الدولي في لبنان حيّزه من النقاش، فيقول اللبناني علي الصغير إن البعض يريد ان ينتهي من السوري ليعيدنا إلى أمجاده الغابرة في السابع عشر من أيار. هل بمقدور لبنان ان يكون خارج هذا او ذاك؟ يردّ رئيس المعهد اللبناني في اوكسفورد نديم شحادة ان الدول الصغيرة مثل لبنان لا يمكنها العيش والبقاء من دون الحماية الخارجية، وبالتالي فإن لبنان يسعى في تاريخه دائماً الى تأمين مثل هذه الحماية. منذ احداث العام 1860 تكرّست الحماية الدولية لمتصرفية جبل لبنان. تدريجيا أصبحت الحماية الخارجية ركيزة في السياسة الخارجية للبنان من أجل حماية الاستقرار الداخلي. الحربان الأولى والثانية وأحداث العام 58 فالعام 1975، ثم مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 82 وصولا الى الطائف. هذه »الأجندة« بكل جذورها التاريخية كانت هي الهدف وراء اغتيال الحريري في الرابع عشر من شباط الماضي يقول شحادة. يتضح أن حدثاً كاغتيال الحريري، فتح ابواب جهنم على البعض وابواب الجنة على البعض الآخر. وبمعزل عن هذا او ذاك فان سوريا في موقع صعب لا تُحسد عليه، إما قتلت الحريري او تدفع ثمن مقتله. الاشارة التي يطلقها الكاتب البريطاني باتريك سيل الى صعوبة موقع سوريا في ندوة نظّمها مركز السياسة الخارجية البريطاني في لندن، الاسبوع الماضي، يضيف اليها ان ثلاث قوى مستهدفة اليوم من فريق المحافظين في الولايات المتحدة، سوريا عبر تضخيم دورها في دعم المقاومة العراقية و»حزب الله« عبر تضخيم دوره كمصدر لخطر استراتيجي حقيقي ضد إسرائيل وإيران عبر تضخيم موضوع ترسانتها النووية. وبالتالي يجب إيجاد كل المبررات التي تؤدي الى تحطيم الثلاثة معاً. يدلل الارشيف الرسمي البريطاني الى معطيات تاريخية قد تغيب أو تُغيّب. في حالة جمال باشا الجزار حاكم عكا، كان على كل ولاة متصرفية ان يسترضوه ويعطوه نسبة من ارباحهم في الصفقات التي يعقدونها مع الغرب. النسب كانت تكبر وتصغر حسب ظروف حاكم عكا والولاة. مشكلة رفيق الحريري اليوم انه تجاوز الدور المرسوم له، كما يقول شحادة، او بالاحرى تخطى حجمه »حدود طائفته«، كما يقول الزميل غسان شربل، فيما المطلوب من كل زعيم طائفي لبناني ان يبقى ضمن حدود أبناء ملّته. »الرئيس بشار الأسد يواجه أزمة في لبنان كالتي واجهها والده عام 1976 حين دخلت سوريا إلى لبنان لحماية المسيحيين، وفي 1982 حين احتلت إسرائيل لبنان«، يقول باتريك سيل طارحاً السؤال الآتي: »هل بإمكان سوريا الاسد تحقيق هذه الأهداف التي من اجلها دخلت الى لبنان بعد سحب جيشها منه؟ وسرعان ما يجيب على السؤال نفسه مدير الجمعية البريطانية السورية غيث الارمنازي بالقول »لعل الانسحاب السوري يشكل حافزاً للنظام السوري للتركيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية الداخلية«. يشدّد باتريك سيل في هذا السياق على أهمية ان تحصل سوريا على ضمانات من اللبنانيين »تطمئنها بان انسحابها لن يحوّل لبنان الى بؤرة تآمر وعدوان ومؤمرات ضدها«، فهل هناك من هو مستعد لمنحها ضمانة كهذه؟ لا يملك احد في لندن أو بيروت وباقي العواصم حتى الآن ضمانة كهذه، وربما الأمور تتجه إلى اخطر من ذلك. بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة على الوصول إلى بيروت أطلّ خبر عاجل جديد على الشاشة نفسها: انفجار جديد في شرق العاصمة اللبنانية يوقع قتلى وجرحى ويدمر »سنتراً تجارياً«. تشتعل الاسئلة والمخاوف والشائعات. غداً اين سيكون مكان الانفجار الجديد وهل يتغير موعد »انفجارات الفجر« وهل ينوي المخططون إراقة دماء أم ترويع الناس صوتياً ومعنوياً؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة