As Safir Logo
المصدر:

اتفاق الطائف بين النص والتطبيق

المؤلف: طعمة جاد التاريخ: 2005-03-21 رقم العدد:10049

إن ثمن إنهاء الحرب الأهلية كان باهظا جدا وجاء على حساب كل مواطن لبناني قرّر عدم المشاركة في حرب ضد شركائه وأخوته في الوطن الواحد؛ لأنه كان يعلم مسبقاً بأنها ستنتهي على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، فتلك الحرب كانت وباعتراف جميع الاطراف المشاركة فيها »حرب الآخرين على ارضنا« هو امر لا يفتخر به أي من تلك الاطراف على الرغم من محاولات تصوير كل طرف لنفسه بأنه كان يحمل البندقية من اجل قضية ناضل من اجلها. المشكلة كانت أن المعايير الوطنية التي صنّف على أساسها المواطنون اللبنانيون كانت حكراً على كل فريق لبناني في تلك الحقبة من تاريخ لبنان، وكانت قناعة كل طرف بأنه يملك الحقيقة المطلقة وأن الآخرين خاطئون في وجهات نظرهم المغايرة، الامر الذي دفع باتجاه اعتماد الخيارات التي تلغي الآخر المختلف نتيجة عدم وجود القرار في اعتماد الحوار الوطني أسلوباً حضارياً وديموقراطياً لحل الخلافات وتبادل الأفكار، فكان لبنان الوطن الخاسر الأكبر لخيرة أبنائه الذين قضوا في سبيل قضية لم تخدم أحداً، او أولئك الذين هاجروا البلاد الى غير عودة. وعلى الرغم من ضرورة اتعاظنا من الماضي الأليم لاستخلاص العبر، وعلى الرغم من عدم وجود رغبة بين سائر اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وتياراتهم السياسية حالياً للعودة بالوطن سنين الى الوراء، إلا أننا نجد ان المنحى الذي تتخذه الامور بين الموالاة من جهة والمعارضة من جهة أخرى تُعيد الى ذاكرة كل لبناني عايش مراحل بداية الحرب الأهلية مخاوف من عودة مشاهد الفرقة والقسمة في ظل اصرار كل طرف على احتكار الحقيقة والمواطنية الحقة واتهام الآخرين بالعمالة والمراهنة على الخارج. ولا بدّ في ظل هذا الواقع من العودة الى وثيقة الوفاق الوطني واتفاق الطائف الذي اعتُمد كدستور توافقت عليه أغلبية القوى السياسية الفاعلة في تلك المرحلة برعاية إقليمية ودولية، بعد أن اقتنع المجتمع الدولي نفسه الذي راهن على تقسيم لبنان واقتسام الغنائم فيه، بأن لبنان بالرغم من كل النزاعات التي يمكن أن تقوم بين ابنائه عصيّ على مؤامرات التفتيت والتقسيم. أوجبت وثيقة الوفاق الوطني على الدولة اللبنانية حل الميليشيات فارضة على الميليشيات تسليم السلاح الى الدولة بهدف إعادة تنظيم القوات المسلحة اللبنانية، ومن اجل ذلك اضطرت الدولة اللبنانية الى استيعاب الميليشيات اللبنانية وعناصرها، وهنا كانت المعادلة الأخطر والتي لا تزال ترخي بظلالها على الواقع اللبناني بحيث انتقلت ميليشيات استغلت الحرب استغلالاً كاملاً للعبث بمقدرات الدولة اللبنانية الى كنف هذه الدولة لتصبح هي نفسها من تُلقى عليها مهام رعايتها وحماية مصالحها ومعاملة أبناء هذا الوطن على قدم المساواة. وبدلاً من تسليم مجرمي الحرب اللبنانية الى القضاء اللبناني لتأخذ العدالة مجراها، وجدنا ان معادلة السلم الاهلي فرضت ايضاً كثمن لعودة الدولة اللبنانية إلى السيطرة على الساحة الداخلية الرضوخ لضرورة إصدار قانون للعفو العام وتنصيب أمراء الحرب اللبنانية الملطّخة أياديهم بالدماء في مواقع قيادية داخل السلطات اللبنانية، فمنهم من تاب وأصلح نهجه وكثير منهم نقل العقلية الميليشيوية الى مختلف ارجاء السلطة اللبنانية، فأصبحت الدولة اللبنانية مرتعا للعابثين فيها والمفسدين تمارس فيها مبادئ المحسوبية ويتم التعامل مع المواطنين الذين هم سواسية أمام القانون بمنطق الغالب والمغلوب، وغابت ورشة اطلاق الحوار الوطني الحقيقي بين أبناء الوطن الواحد تأميناً لمصالح فئة لا تنجح استثماراتها ويكبر رصيدها الوطني إلا في ظل أجواء الطائفية والقسمة والفرقة. ومضمون النقاشات التي سبقت إعلان وثيقة الوفاق الوطني والتي طالب عدد كبير من المثقفين اللبنانيين الرئيس حسين الحسيني بنشر محاضرها، ظل مضمونها غائباً عن الرأي العام اللبناني لأسباب مبهمة وغير مبررة، وهذه الوثيقة نوقشت قبل التوافق على صيغتها النهائية جميع النقاط الخلافية التي عصفت في الكيان اللبناني قبل الحرب وأفردت فصولاً خاصة بالعلاقات اللبنانية السورية، تؤكد على ضرورة بسط الدولة اللبنانية سيادتها على كامل الاراضي اللبنانية بعد العمل على قيام الدولة القوية القادرة المبنية على أساس الوفاق الوطني، وذلك من خلال خطة أمنية مدّتها سنة تبسط خلالها الدولة سلطتها تدريجياً على كامل الاراضي بواسطة قواتها الذاتية، ويترافق ذلك مع اقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية كما يتمّ العمل على تنظيم مخابرات القوات المسلحة لخدمة الأغراض العسكرية دون سواها. وقد تمّ التوافق على ان تقوم القوات السورية بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سيادتها الكاملة في فترة زمنية محددة بسنتين تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإقرار الاصلاحات بصورة دستورية، وكان لا بد خلال تلك المرحلة من إعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا المديرج عين دارة، فإن دعت الضرورة لتواجد هذه القوات في نقاط اخرى يتم ذلك من خلال لجنة عسكرية لبنانية سورية مشتركة، وتكون علاقة القوات السورية بالسلطات اللبنانية محددة من قبل حكومة البلدين. ما حصل واقعاً على الارض اللبنانية، كان خرقاً لهذه الامور التي تمّ التوافق عليها، وكان من غير المسموح لأحد المناقشة في هذه الخروقات، وسواء تمّ ذلك بصورة رضائية بين الحكومتين او بقرار أحادي واستنسابي فرض من أحدهما فإن الاكيد ان استمرار هذا الواقع لم يكن يحظى بالاجماع الوطني اللبناني الذي أعاد السلم الاهلي وبسط سيادة الدولة، وتمّ ربط هذا الوجود العسكري والأمني السوري باستمرار الاحتلال العسكري الاسرائيلي للجنوب اللبناني وعدم تطبيق اسرائيل مضمون القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي، وحين أصبح الاندحار الإسرائيلي وشيكاً ومؤكداً بدأت عمليات إعادة الانتشار التي خفّفت من حدة النقمة لكنها لم تلغِ امتعاض اغلبية الشارع اللبناني من التدخل الامني السوري في السياسة اللبنانية ومن الوجود العسكري السوري. ولعله يجدر بنا جميعاً إعادة قراءة وثيقة الوفاق الوطني الموقعة في الطائف لندرك حقيقة وخطورة ما تمّ تجاوزه طوعاً أو كرهاً. وبالحديث عن الداخل اللبناني والمؤسسات الدستورية التي نتجت عن دستور الطائف، نجد ان الهدف الأسمى أعلن عنه في مضمون المادة 95 من الدستور التي أوجبت على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضمّ بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية تكون مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية التي تتمّ خلالها مراعاة التمثيل الطائفي العادل في تشكيل الوزارة ولدى حصول التعيينات في وظائف الفئة الاولى. الامر الأكيد أن هذه المادة الدستورية لم تُحترم، لأنها تحتاج إلى حوار وطني حقيقي بين اللبنانيين يتضرّر منه كل من نصّب نفسه زعيماً بمعايير طائفية بحتة يصبح من دونها مفلساً إفلاساً تاماً من أي رصيد شعبي ووطني، فلا خطة مرحلية وضعت ولا هيئة وطنية جدية شكلت، وها نحن على أبواب انتخاب المجلس النيابي الرابع ما بعد الطائف بناء على أسس المناصفة، ولا نزال أسرى المبادئ الواجبة التطبيق خلال مرحلة تنفيذ الخطة المرحلية. ونتج عن ذلك بطبيعة الحال عدم تنفيذ المادة 25 من الدستور اللبناني التي تنص على انه إثر انتخاب اول مجلس نيابي على اساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. ولكي لا يكون هذا البحث عقيماً لا بد من وجود مسؤول ما في الدولة اللبنانية، يتحمّل المسؤولية تجاه الشعب اللبناني عن عدم تطبيق وتنفيذ مواد الدستور اللبناني. إن مضمون المادة 49 من الدستور تنص على ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور. والمادة 50 من الدستور توجب على رئيس الجمهورية أداء اليمين الذي ينص حرفياً على ما يلي: »أحلف بالله العظيم أني أحترم دستور الامة اللبنانية وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه«. والمادة 60 من الدستور تشير الى عدم وجود تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور وفي حال الخيانة العظمى. إذاً، إن عدم تطبيق مواد دستورية أساسية تهدف الى ترميم اللحمة الوطنية الداخلية يتحمّل تبعتها حسب الدستور اللبناني رئيس الجمهورية، ولا ينسى أحد خطاب القسم الناري والوجداني الذي زرع الأمل بوطن افضل في نفس كل مواطن عانى خلال الحرب واستمرّت معاناته بعد الحرب، قبل أن نكتشف خلال السنوات التي تلت انه لم يكن إلا جملاً أدبية محكمة البلاغة والصياغة وإن العصا السحرية التي لم يكن يجدر بأي مواطن توقع وجودها تحوّلت إلى عصا غليظة يضرب بها كل من يحاول توجيه النقد ولو كان الهدف منه محاولة الاصلاح، وهي عصا حالت دون تمكن صاحب المشروع الانمائي والاعماري من متابعة أعماله لأنها وضعت في العجلات فلم تؤد الى وقف هدر المال العام واستمرار تراكم الفوائد ولم تقمع المحسوبيات داخل الادارات العامة، ليدخل الوطن في ظل حالة الفوضى السياسية الى غرفة العناية المركزة، مرة نتيجة الهجر السياسي ومرة اخرى لرغبة في الاعتكاف ومرات عديدة لإجراء عمليات غسل القلوب. تجار السياسة في هذا الوقت كان شغلهم الشاغل تحقيق مصالحهم الخاصة والضيقة بعيداً عن أي حس بالمسؤولية، وكان الحرص الاكبر على أن يفتح كل نائب لبناني بابه لمستزلميه وحاشيته وأبناء طائفته من خلال مكاتب الخدمات الاجتماعية، فتعارضت تصرفات ومطالب معظمهم مع مضمون المادة 27 من الدستور التي توجب أن يكون عضو مجلس النواب ممثلا للأمة جمعاء. وكيف لا يكون ذلك وكل نائب مستخدم لدى رئيس كتلة نيابية ساهمت بشكل مباشر في ركوبه الباص أو بالاحرى المدحلة التي أوصلته الى مقعده النيابي، وكلما كانت الطاعة لزعيم اللائحة أكبر كلما تعزز رصيده وزادت احتمالات الاستفادة من مضمون المادة 28 من الدستور التي تنص على إمكانية الجمع بين النيابة والوزارة، لكي يتحول من يفترض به أن يحاسب الحكومة على أعمالها هو نفسه الذي يخضع للمحاسبة، تطبيقاً لقول الشاعر: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، وليضرب مبدأ فصل السلطات بالعمق. إن مبدأ فصل السلطات واستقلال المؤسسات الدستورية هو مبدأ عام أساسي، وفي هذا المجال نحدّث ولا حرج عن حجم التدخلات والضغوط التي تمارسها كل مؤسسة على الاخرى، ومؤسسة القضاء هي الضحية الاكبر لأنها يجب أن تكون منزهة وفوق كل اعتبار لكنها لا تسلم من تدخلات سياسية يشكو منها القضاة أنفسهم والتي تحول دون إمكانية قيامهم بواجباتهم بحرية ووفقا لقناعات معظمهم من الذين يتمتعون بالضمائر الشريفة، فحيث يترك القانون سلطة استنسابية للقاضي نجد أن التدخلات السياسية تحصل لا محالة، والحديث هنا ليس عن القضايا البسيطة العابرة بل عن القضايا التي تكون فيها الملفات عابقة بأسماء كبار من المحسوبين على سلطة هنا وزعيم هناك، ويبقى رهاننا الأوحد جميعاً على القضاة النزيهين داخل قصور العدل الذين يشتد الخناق عليهم يوماً بعد يوم ولا يزالون يقاومون. المادة 20 من الدستور تنص على ان السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة، ويفترض بالقانون تحديد شروط الضمانة القضائية، وكل حكم يصدر باسم الشعب اللبناني. إذاً إن المسؤولية الملقاة على عاتق القضاة تثقل كاهلهم، فمن يتعاون مع النظام السياسي والامني يكافأ بترقيات ومواقع مميزة، ومن يصر على ممارسة قناعاته بضمير حي يُنفَ الى مواقع جغرافية أو وظيفية لا تليق به، وهناك شعور عارم يزداد يوماً بعد يوم بضرورة فضح الممارسات الخاطئة بحق الجسم القضائي وتأمين الاستقلالية التامة لهذه المؤسسة بطريقة تحول دون تمكين السلطة الإجرائية من شهر سيف الانتقام من كل قاض يصر على استقلاليته التي يؤمنها له الدستور والقوانين المرعية الإجراء، ولا بد من تمكين القضاة من محاورة الرأي العام من خلال إطلالات إعلامية للبعض منهم لمصارحة المواطنين اللبنانيين والحديث عن المشاكل التي تواجهها هذه المؤسسة الدستورية المستقلة. فالسلطة الممنوحة للقاضي بحسب الدستور لا يتمتع بها سواه، فأن تكون قناعاته في دعوى ما صادرة باسم الشعب اللبناني مسؤولية كبرى، تفرض على كل قاض الاقتناع بأنه لا يمارس وظيفة يتقاضى عليها راتباً في نهاية كل شهر من خزينة الدولة، وإنما يجب أن يدرك كل قاضي بأنه وجدان هذا الشعب وعليه الاحتكام للقانون وللضمير فقط لا غير. وانتقالاً للحديث عن المادة 64 من الدستور اللبناني التي كانت من المواد الدستورية التي أثارت اللغط في المرحلة السابقة من الحياة السياسية اللبنانية، لا سيما انها تنص على ان رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة لمجلس الوزراء ويرأس اجتماعاته. بمقابل هذه المادة برزت المادة 53 من الدستور التي تنص على ترؤس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يشارك بالتصويت. لقد تم استغلال مضمون المادة 53 لضرب صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء المنصوص عليها في المادة 64 والمتعلقة بترؤس اجتماعات مجلس الوزراء، ومع انه يفترض بالحكومة أن تكون فريق عمل يتعاون في ما بينه تحت إشراف رئيس الحكومة ويكون مسؤولا عن أفعاله أمام مجلس النواب الذي يراقبه ويحاسبه، فإن التركيبة اللبنانية الغريبة العجيبة فرضت وجود صراعات داخل الحكومة، وبات مجلس الوزراء كالمجلس النيابي اللبناني صالوناً يكون فعالاً ومنتجاً في حالة الوفاق بين الزعماء المعروفين في هذا النظام، ومكاناً للسجالات والتراشق الكلامي من العيارات المختلفة في حالات الخلاف على المواقف أو الحصص. ونحن على أبواب الانتخابات النيابية لا بد من أن يقتنع الجميع بأن خلاص لبنان لا يمكنه أن يتم إن استمر الحال على ما هو عليه الآن، فمن الضروري أن يكون المجلس النيابي الساحة التي تتمثل فيها مختلف الشرائح اللبنانية حسب أحجامها الحقيقية، وإطلاق الحوار الوطني عبر مجلس النواب مهما احتدم هذا الحوار لأنه سيكون الخطوة الاولى باتجاه إنقاذ وخلاص لبنان من كل ما يعاني منه حالياً، فالشارع وإن كان ساحة يستطيع من خلالها الشعب إبداء الرأي، إلا أنه لا يمكن أن يكون ساحة المصالحة الوطنية الحقيقية. ولا بد من تبرير سبب مخالفة وثيقة الوفاق الوطني لجهة اعتماد القضاء كدائرة انتخابية في قانون الانتخاب المقترح في ظل وضوح النص على وجوب اعتماد المحافظة، ومن غير المقبول انه لا يمكن اعتماد النسبية في ظل اعتماد المحافظة كدائرة انتخابية لعدم وجود خبرة ودراية كافية حول هذا النظام لدى الشعب اللبناني، ذلك ان النظام النسبي هو النظام الأمثل لضمان صحة التمثيل داخل المحافظات اللبنانية، ولا بد للشعب اللبناني من أن يدرك ثقافة الاقتراع بناء لقانون انتخابي يحقق ديموقراطية حقيقية وتمثيلاً وطنياً صحيحاً، فالخطابات الطائفية والمناطقية التي يجب أن تزول من الخطاب السياسي اللبناني هي التي سترافق حتماً حملة انتخابية تعتمد القضاء كدائرة انتخابية، ولا نعتقد أن الداخل اللبناني مستعد لتحمل مثل هكذا حملات في الوقت الحاضر. لا بد أخيراً من التوقف عند مبادئ عديدة ثابتة منصوص عليها في مقدمة الدستور، تنص على ان لبنان واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دولياً، وفي ظل حسم الأمين العام للأمم المتحدة موضوع القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن واعتباره ان اسرائيل طبقت منطوقه، فإن وثيقة الوفاق الوطني توجب على لبنان التمسك باتفاقية الهدنة المعقودة بتاريخ 23/3/1949، ونشر الجيش اللبناني على الحدود المعترف بها دولياً، وعلى هذا الأساس لا يجوز أن يبقى هذا الامر موضوع سجال داخلي بل لا بد من الحوار حوله، فقد عانى لبنان الكثير نتيجة ربط مصير استقراره بحصول الاستقرار الاقليمي والدولي، وإن كان لا بد للبنان عدم الاسراع في التخلي عن أوراق القوة لديه وتفكيك خطوط دفاعه الامامية التي تحميها المقاومة الباسلة والرشيدة، فمن غير المنطقي ألا يحظى موضوع حماية المقاومة وإنجازاتها واستمرارها بالإجماع الوطني، ويا ليت القيادتين اللبنانية والسورية تقتنعان بضرورة وضع الوثائق الرسمية التي تثبت لبنانية مزارع شبعا في الدوائر المعنية داخل الامم المتحدة للقول بعدم إنفاذ اسرائيل مضمون القرار 425 الذي ينص على الانسحاب الاسرائيلي من كامل الاراضي اللبنانية المحتلة، لكن هذا الأمر ما زال معرقلاً لأسباب نجهلها ونعتبر بأنها غير مبررة في ظل التأكيد السوري، لا سيما خلال زيارة رئيس الوزراء السوري الاخيرة الى لبنان والتي أكد فيها شفاهة لبنانية هذه المزارع. أما عن ضرورة احترام القرارات الدولية، فإن مقدمة الدستور اللبناني توجب على لبنان العربي الهوية، العامل في الأمم المتحدة، أن يحترم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان، ذلك مع التزام الدولة اللبنانية بتجسيد هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء. وعليه، لا بد من احترام الحريات العامة وحفظ مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها دون غض البصر عن ضرورة القيام بمشاريع الانماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، لأن هذا الأمر يضمن وحدة الدولة واستقرار النظام. إن مقدمة الدستور اللبناني تؤكد على عدم حصول التوطين ضمانة لحق الشعب الفلسطيني بالعودة الى دياره، كما انها تشير الى عدم شرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. بعد هذا الاستعراض المختصر لمضمون وثيقة الوفاق الوطني وبعض مواد دستور الطائف، لا بد من التوجه الى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية بمحبة وصدق للطلب منه الحفاظ على اليمين الذي أقسم عليه بأن يكون صماماً للأمان في هذا الكيان اللبناني، ضامناً لوحدة الوطن وساهراً على احترام الدستور والاستقلال، وأن يتسع صدره لتقبل النقد البناء وأن يبني المؤسسات الدستورية ويحرص على استقلالية كل منها، وأن يكون راعياً لإطلاق الحوار الوطني بين اللبنانيين ولو على حساب رصيده الشخصي الزاخر بالانجازات الوطنية، لأن الحاضر وإن ظلمه فالتاريخ سينصفه حتماً، ففي هذه اللحظات الاقليمية والدولية العصيبة لا يمكن لأي لبناني إلا أن يطلب من كل زعماء لبنان على اختلاف مواقعهم تحكيم الضمير والرأفة بالمواطن والوطن. (*) محام

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة