إذا كانت كلّ قراءة، كما يكثر القول في هذه الأيام، ضرباً من إعادة إنتاج النصّ المقروء وتأويلاً جديداً يضاف إلى تأويلاته، فلا بدّ أن نقبل، لأسباب كثيرة، أنّ الترجمة من لغة إلى أخرى هي من أشدّ الأمثلة على ذلك وضوحاً وصفاءً. وإذا كانت الترجمة تأويلاً وإعادة إنتاج وقراءة جديدة، فنحن إذاً في نطاق يتعدّى معنى الترجمة التقني ليدخل في ما يمكن أن ندعوه سياسات الترجمة؛ أي ما تنطوي عليه من مؤثّرات ومقاصد وما تحدثه من مفاعيل، مما يتعلّق بالسياق الذي تتم فيه، وأسئلته التي تأتي الترجمة كنوع من الاستجابة لها، وشكل هذه الاستجابة أو نوعها إذ تتأثّر بإيديولوجية المترجم وبجماع تكوينه المعرفي والفكري الذي يؤثّر على خياراته وأدائه ومقاصده، كما يتعلّق بمدى التطابق بين ما يتوّخاه لترجمته من آثار ومفاعيل وما يتحقق فعلاً، سواء على صعيد الذات أم على صعيد العلاقة بالآخر، ما إن يتوضّع النتاج في سياقاته المستقلة. والحال، أنّ ترجمة الكتاب المقدّس إلى مختلف اللغات، وكذلك ترجماته المختلفة في اللغة الواحدة، هي من أوضح الأمثلة على تأثّر الترجمة بكلّ من الثقافة والسياسة والتاريخ والاجتماع، وتأثيرها على كلّ من الثقافة والسياسة والتاريخ والاجتماع. وهذا ما لا تشذّ عنه ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللغة الإنكليزية، بل تبرز بوصفها واحداً من أنصع الأمثلة عليه. فلو أردنا أن نلخّص قصة ترجمة الكتاب المقدّس إلى الإنكليزية لأمكننا القول إنّها قصة انفلات هذا الكتاب من قبضة الكهنة الذين استأثروا به لينتقل إلى أيدي العامة من الناس، كما أنّها قصة تشكّل اللغة الإنكليزية ذاتها من خليط من الفرنسية، والأنكلو نورمانديّة، والأنكلو ساكسونيّة. فعلى الرغم من وصول المسيحية إلى إنكلترا منذ القرن الثالث الميلادي، إلاّ أنّ الكتاب المقدّس بقي طوال ألف من السنين طيّ اللغة اللاتينية التي كادت أن تكون محصورة بالكهنة وحدهم. ولذا، فإنّ المحاولات الأولى في ترجمة النصوص المقدّسة من لغتيها الأصليتين العبرية واليونانية إلى الإنكليزية كانت محلّ صراع اجتماعي وسياسي، ومحلّ سجال ومناظرات دينية عنيفة، كثيراً ما اكتنفتها المؤامرات والدسائس التي رسمت لأولئك المترجمين الذين لم يكونوا مجرّد مترجمين بقدر ما كانوا، في ترجماتهم وفي مجمل مسيرتهم، حملة مشروع للإصلاح الديني والاجتماعي الذي يمكن أن يسوق حامليه، وكثيراً ما ساقهم، إلى حتفهم. لم تبدأ ترجمة الكتاب المقدّس إلى الإنكليزية، بالمعنى الدقيق للكلمة، إلاّ مع عصر النهضة. فحتى بداية هذا العصر، كانت الكنائس لا تزال تستخدم ترجمة القدّيس جيروم اللاتينية التي دعيت، كما سبق القول، »ترجمة جيروم الشائعة« (وهي ترجمة إلى اللاتينية تمّت في أواخر القرن الرابع الميلادي على أساس »الترجمة السبعينية« اليونانية و»العهد الجديد اليوناني«). وقبل هذا العصر لم يكن قد ترجم إلى الإنكليزية من الكتاب المقدّس سوى شذرات مضطربة خشنة الصياغة، كان بعض الكهنة يستخدمونها في إرشاد أبناء أبرشياتهم، فضلاً عن ترجمات شعرية لبعض المقاطع المحببة اقتصر شيوعها على الأوساط المتعلمة وحدها. وما يعنيه هذا هو أنّ تعقّب مراحل ترجمة الكتاب المقدّس إلى الإنكليزية يقتضي، أولاً وأساساً، مراجعة تاريخ إنكلترا السياسي والديني من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر؛ أي تلك الحقبة المسماة بالنهضة والتي كان تفتّحها وازدهارها بمثابة الثورة في إنكلترا. فقد ارتفعت في هذه الحقبة نسب من يعرفون القراءة والكتابة، وجعلت تقنيات الطباعة الكتب أسهل منالاً، وراح البروتستانتيون الأوائل يتحدّون ما اشتملت عليه الكنيسة الكاثوليكية من ضروب التراتب والهرمية. وأثار حفيظة الإصلاحيين الإنكليز الأوائل ما كان يفعله الكهنة في العصور الوسطى بتلاوتهم »ترجمة جيروم الشائعة« على أبناء أبرشياتهم الذين لم يكن بينهم سوى أقلّ القليل ممن يعرفون القراءة أو يفهمون اللاتينية. ولم تكن غضبة الإصلاحيين هنا مقتصرة على أنّ قسماً كبيراً من العامة كان أمّياً وعاجزاً عن فهم اللاتينية، بل كانت ناجمةً أساساً عن أنّ ذلك قد منح الكهنة الكاثوليك سلطة تكاد أن تكون بلا حدود. ولذا، فإنّ ترجمات الكتاب المقدّس الأولى، التي نهض بها الإصلاحيون، لم تكن مجرد محاولات لتقديم هذا الكتاب للشعب بلغته الأصلية بقدر ما كانت ضروباً من الهجوم الحاذق على الرؤية الكاثوليكية لكلّ من الكنيسة والكتاب المقدّس، ومن وراء ذلك على السلطة الكاثوليكية. الترجمات الأولى كان جون ويكليف (13841330)، الذي تلقّى علومه في أكسفورد، من أوائل من أطلقوا شرارة الإصلاح بتحدّيه العديد من ممارسات الكنيسة الكاثوليكية، متّهماً إيّاها بأنّ لا أساس لها في الكتاب المقدّس. كما رأى ويكليف أنّ لكلّ فرد الحقّ في تحرّي الكتاب المقدّس بنفسه، سواء كان من الإكليروس أم من العامّة. ولكي ينتزع الكتاب المقدّس من أيدي الكهنة الكاثوليك، قام ويكليف بأول ترجمة إنكليزية لهذا الكتاب مستنداّ إلى ترجمة القدّيس جيروم اللاتينية. وهذا ما جرّ عليه اتّهام نقّاده بأنه فتح النصوص المقدّسة أمام السوقة من الناس حتى إن »لآلئ الإنجيل قد تبعثرت وديست بأقدام الخنازير«. ولقد فتح عمل ويكليف هذا البوابات أمام فيض من الترجمات الإنكليزية الأخرى. وأول ترجمة قيّض لها أن تطبع، بدل أن تنسخ باليد، كانت ترجمة وليام تاينديل (14921536) العالم المتضلّع من اللغات القديمة، والقادر على قراءة اللاتينية منذ أن كان في العاشرة من عمره. ولقد نشر تاينديل ترجمة العهد الجديد عن اليونانية في العام 1526، حيث طبعت نسخ منه في ألمانيا وهرّبت إلى إنكلترا، ثم نشر لاحقاً ترجمة البنتاتوتش (الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم) وترجمة »سفر يونان« عن العبرية. وبذلك كانت ترجمة تاينديل أول طبعة من الكتاب المقدّس تتناولها يد الجمهور. والأهمّ من ذلك بعد أنّها كانت أول ترجمة عن اليونانية والعبرية بدلاً من اللاتينية. وكان تاينديل قد كتب قبل تولّيه أمر تلك الترجمة: »لقد علّمتني التجربة أنّ من المحال أن نثبت لعامّة الناس أيّة حقيقة من الحقائق ما لم نضع الكتب المقدّسة أمام أعينهم جليّة واضحة بلغتهم الأمّ، فيرون سياق النصّ، وترتيبه، ومعناه«. ولكي يفعل تاينديل ذلك ترجم الكلمات القديمة بلغة بسيطة لكنها تنمّ على براعة وحرفة وتضلّع، الأمر الذي انتهى به إلى تقديم رائعة من الروائع. ولقد كرّس نثر تاينديل البسيط ولغته الشعبية أسلوباً في الترجمة سيتواصل في الترجمات اللاحقة. ولا يزال العديد من عباراته وتراكيبه إلى اليوم، حيث أدخل إلى الإنكليزية كلمات كثيرة شاعت من بعده، وكان أولّ من استخدم كلمة »يهوه« في كتاب مقدّس إنكليزي. غير أنّ توماس مور (15351478)، الذي كان لا يزال على مناصرته البابا، شكّك في ترجمة تاينديل لكثير من الكلمات اليونانية. وأكثر ما أثير الجدل حوله هو ترجمة تاينديل لكلمة »كاهن« بكلمة »شيخ«، وكلمة »كنيسة« بكلمة »جمع«. وقد اتّهم تاينديل بأنّه أساء استخدام اللغة عامداً كيما ينشر المذهب البروتستانتي. وكان قد سبق له أن انتقد طلاق الملك هنري الثامن لكاترين الأراغونية، وهكذا حانت الفرصة للملك لأن يتّهمه بالهرطقة لأنه ترجم الكتاب المقدّس عن العبرية واليونانية، وأن يكافئ جهوده بالشنق ثم الحرق مشدوداً إلى وتد. وفي العام1535قدّم مايلز كوفرديل (15691488) أول ترجمة إنكليزية مطبوعة لكامل الكتاب المقدّس. وقامت هذه الترجمة على الطبعتين الألمانية واللاتينية إضافة إلى طبعة تاينديل. ولم يكن ذلك أول كتاب مقدّس إنكليزي كامل ومطبوع فحسب، بل كان أيضاً، بخلاف أسلافه، ترجمة معتمدة ومرخّص بها بناءً على طلب من مجلس كانتربري. ولم تمض فترة قصيرة حتى قدّم الإصلاحي الإنكليزي جون روجرز طبعة منقّحة بعض الشيء من ترجمة تاينديل، ظهرت في العام 1537 ودعيت باسم »كتاب متّى المقدّس«. وفي العام 1538 أصدر العالم الإنكليزي ريتشارد تافرنر طبعة منقّحة أخرى. ولم تمض ثلاث سنوات على نشر كوفرديل لترجمته الإنكليزية الكاملة حتى نشر ما دعاه »الكتاب المقدّس العظيم«، الذي كان بمثابة تنقيح ل»كتاب متّى المقدّس«، الذي كان، بدوره، حصيلة جمع بين »طبعة وليام تاينديل غير الكاملة« والطبعة الكاملة من »الكتاب المقدّس الإنكليزي« التي سبق أن تولاّها مايلز كوفرديل. ولقد غدا »الكتاب المقدّس العظيم« أول طبعة إنكليزية موثوقة أو مقبولة، حيث وضعت منه نسخ في كلّ كنيسة بأمر من الملك. وقد ظهر في ستّ طبعات بين 1539 و 1568، حيث عرف في تنقيحه النهائي عام 1568، على أيدي علماء وأساقفة الكنيسة الأنغليكانية، باسم »كتاب الأساقفة المقدّس«. ولم يكن المراد لهذه الطبعة الأخيرة أن تحلّ محل »الكتاب المقدّس العظيم« وحسب، وإنّما أن تحلّ أيضاً محلّ ترجمة للعامّة قام بها في جنيف في العام 1560 عدد من الإنكليز البروتستانت المنفيين، ودعيت »كتاب جنيف المقدّس«. وهكذا كان »كتاب الأساقفة المقدّس« ثاني الكتب المقدّسة الإنكليزية الموثوقة والمعتمدة. وبمعنىً ما، فقد واصل كوفرديل عمل تاينديل وأتمّه. فكوفرديل كان عالماً من علماء كيمبرج وعضواً في أخوية أغسطينية. وثمّة من يقول إنّه ساعد تاينديل في أجزاء من ترجمته، الأمر الذي رشّحه للنهوض بأعباء هذه الطبعة الإنكليزية، التي لم تأخذ عن الأصل العبري واليوناني بل عن الترجمات الأخرى، فضلاً عن خضوعها لرقابة توماس كرومويل ( 1485 1540) الذي كان في حينه رئيساً لمجلس اللوردات. وربما كان من الطريف الإشارة إلى إطلاق بعضهم على هذه الطبعة اسم »كتاب دبس السكّر المقدّس«، لأنّه يقول في »سفر إرميا« 822: »أليس دبس سكّر في جلعاد« بدلاً من »أليس بلسان في جلعاد«، في حين أطلق آخرون على هذه الطبعة اسم »كتاب البقّ المقدّس«، إذ أورد في الآية الخامسة من المزمور الواحد والتسعين: »لا تخشى من بقّ الليل« بدلاً من »لا تخشى من خوف الليل« . توصيات بروش وترجمة جيمس وإزاء فيض الترجمات، وتفجّر القراءات الكثيرة الممكنة، سعت السلطات والمرجعيات إلى طريقة تحقق بها ضبطاً وسيطرة دائمين على النصّ، أو إلى كتاب مرجع تقرأ فيه كلمة الله على الوجه الذي أراده لها. ولذا حثّ الدكتور البيوريتاني جون رينولدز الملك جيمس الأول، في الخامس عشر من كانون الثاني1604 »على وضع ترجمة جديدة ل»الكتاب المقدّس« لأنّ تلك الترجمات التي سمح بها في عهدي هنري الثامن وإدوارد السادس هي ترجمات فاسدة لا توافق حقيقة الأصل«. إلاّ أنّ أسقف لندن ردّ على ذلك قائلاً: »لو اتّبعنا مزاج كلّ واحد من الناس فلن تكون ثمة نهاية للترجمة«. بيد أنّ الملك جيمس وافق على المشروع. وأمر عميد وستمنستر وأساتذة العبرية الملكيين في كيمبرج وأكسفورد بتقديم قائمة بأسماء العلماء القادرين على النهوض بأعباء هذه المهمة الضخمة. وحين قدّموا له أول قائمة لم يسرّ بها، لأنّ عدداً ممن فيها »لم يكن لهم أيّ منصب كنسيّ، أو كان لهم منصب هزيل«. ومع أنّ اسم هيو بروتن لم يظهر في أيّة قائمة، على الرغم من كونه عالماً عظيماً بالعبرانيات وسبق له أن أتمّ ترجمة حسنة ل»الكتاب المقدّس«، فقد أرسل إلى الملك مباشرة قائمة توصيات تخصّ المشروع. رأى بروتن أنّ الأمانة للنصّ ينبغي أن تلتمس عن طريق معجم يحدّد المفردات التي استخدمها أولئك الذين دوّنوا كلمة الله في ماضي رعاة الصحراء ويعمل في الوقت ذاته على عصرنتها. كما اقترح، لترجمة الجوانب التقنية في النصّ، أن يؤتى بالصنّاع وأصحاب الحرف ليساعدوا في ترجمة المفردات المهنية، »كالمطرّزين من أجل إفود هارون؛ والمهندسين، والنجّارين، والبنّائين من أجل هيكل سليمان وحزقيال؛ والبستانيّة من أجل جميع فروع وأغصان شجرة حزقيال«. (وهذه هي الطريقة التي اتّبعها ديدرو ودالامبير بعد قرن ونصف من الزمن في تدقيق تفاصيل موسوعتهما وحيثياتها). ورأى بروتن أيضاً أنّ ثمّة حاجة إلى كثير من العقول لحلّ المشكلات التي لا تنتهي المتعلّقة بالمعنى والدلالة، مع المحافظة، في الوقت ذاته، على التماسك العام. واقترح لتحقيق ذلك أن يدفع الملك »كثيرين لترجمة الجزء الواحد، فإذا ما أتوا بأسلوب إنكليزي ناصع ومعنى سديد، قام آخرون بتحقيق ضرب من الاتّساق فلا تستخدم ألفاظ مختلفة مقابل اللفظة الأصلية الواحدة« (ولعلّ ذلك أن يكون بداية التقليد الأنكلو ساكسوني في التحرير، حيث يضطلع قارئ أعلى بتنقيح النصّ ومراجعته قبل نشره). ومن جهة أخرى، فقد وضع الأسقف بانكروفت، من لجنة العلماء، قائمة تشتمل على خمس عشرة قاعدة كان على المترجمين أن يسيروا على هديها. وكان من بين تلك القواعد أن يتّبعوا، ما وسعهم ذلك، »كتاب الأساقفة المقدّس« الذي يعود إلى العام 1568 (وهو طبعة منقّحة من »الكتاب المقدّس العظيم« كما سبق القول). وهكذا راح المترجمون يعملون و»كتاب الأساقفة المقدّس« أمامهم. وكانوا يعودون من حين لآخر إلى الترجمات الإنكليزية الأخرى وإلى عدد كبير من الكتب المقدّسة المكتوبة بلغات أخرى، فيدمجون في قراءتهم تلك القراءات السابقة جميعاً، ومن بينها قراءة تاينديل، التي أدخلت عليها تحسينات متعددة في طبعاتها المتعاقبة فوفّرت لهم قدراً كبيراً من المواد التي أخذوها على أنّها صحيحة ومسلّم بها. بيد أن عمل مترجمي الملك جيمس لم يقتصر على نسخ القراءات الأخرى بل تعدّاه إلى أكثر من ذلك بكثير. فقد أشار الأسقف بانكروفت إلى ضرورة الحفاظ على الصيغ الشائعة للأسماء والكلمات الكنسيّة؛ فكان على المترجمين أن يحفظوا الغلبة للاستخدام الشائع لا للدقّة، ولو أشار الأصل إلى ترجمة أكثر سداداً. وبعبارة أخرى، فقد أقرّ بانكروفت بأنّ القراءة القارّة الشائعة تطغى على قراءة الكاتب. وأدرك بحكمة أنّ استعادة اسم أصلي يمكن أن تدخل ضرباً من الجدّة المنفّرة الغائبة عن الأصل. ولهذا السبب عينه، منع الملاحظات والحواشي، موصياً بدلاً من ذلك بتضمينها »باختصار وبصورة مناسبة« في النصّ ذاته. وهكذا، انكبّ مترجمو الملك جيمس على العمل في مجموعات ستّ: اثنتان في وستمنستر، واثنتان في أكسفورد، واثنتان في كيمبرج. وقد حقق هؤلاء الرجال التسعة والأربعون، سواء في تأويلاتهم الخاصة أم في توليفاتهم المشتركة، توازناً رائعاً بين السداد، واحترام الطرائق التقليدية في التعبير، والأسلوب الموحّد الذي يشمل النصّ كلّه، بحيث تمكن قراءة ما أنجزوه لا بصفته عملاً جديداً بل بصفته عملاً قائماً منذ زمن بعيد. ومع هذا، فقد خضعت طبعة الملك جيمس على مرّ السنين لتنقيحات عديدة، وظهرت ترجمات عصرية كثيرة سواها، غير أنّ هذه الطبعات جميعاً ما كان لها أن تمحو ألق العمل الذي أنجزه مترجمو الملك جيمس. فقد بلغ نجاح الثمرة التي أتوا بها درجة أنّ معظم من يتعاملون معها لا يتذكّرون أنّ ما يقرأونه كان في الأصل لغة أجنبية أعمل المترجمون أقلامهم فيها، كما بلغ حدّ انخراط البشر في سجالات شديدة بشأن الفوارق المذهبية دون أن يعودوا إلى اللغة أو اللغات الأصلية التي كتب بها الكتاب المقدّس لكي يروا إن كانت حججهم تقوم على أسس متينة، بل بلغ حدّ أن يزعم بعضهم أنّ بولس الرسول كان ينطق بإنكليزية الملك جيمس. وبعد مضي قرون، وبعدما ترسّخت مكانة »طبعة الملك جيمس« كواحدة من روائع النثر الإنكليزي، تخيّل روديارد كيبلنغ قصة يتشارك فيها كلّ من شكسبير وبن جونسون ترجمة بضعة آيات من »سفر أشعيا« ضمن مشروع كبير. وفضلاً عن روعة النثر، فإنّ في »طبعة الملك جيمس« من العمق الشعري ما يبلغ بها شأواً أبعد بكثير من مجرد نقل المعنى. ويمكن لنا أن نحكم على الفارق بين قراءة سديدة لكنها جافّة، وأخرى محكمة ولها أصداؤها ورنينها بعقد مقارنة، على سبيل المثال، بين المزمور الثالث والعشرين في »كتاب الأساقفة المقدّس« وما يقابله في »طبعة الملك جيمس«. فنحن نقرأ في الأول: الله راعيّ ،فلا يمكن أن أخسر شيئا؛ في مراع مليئة بالعشب سيجعلني أريح نفسي ، وإلى مياه هادئة سيقودني . أمّا مترجمو الملك جيمس فقد كتبوا : الربّ راعيّ ، فلا يعوزني شيء . في مراع خضر يربضني : إلى مياه الراحة يوردني لقد تركت »طبعة الملك جيمس« أثراً هائلاً على الثقافة الإنكليزية والأميركية، وغيّرت أمّةً ولغةً وثقافة، على الرغم من أنّ أكثر الآيات في هذه الطبعة كانت قد أخذت من الترجمات الإنكليزية السابقة. ذلك أنّ 60$ من الشكل النهائي الذي اتّخذته »طبعة الملك جيمس«، التي صارت تدعى »الكتاب المقدّس الإنكليزي«، كان قد اكتمل قبل أن يشرع بها. وتبعاً لبعض الباحثين، فإنّ ثلث العهد الجديد في »طبعة الملك جيمس« مأخوذ حرفياً عن ترجمة تاينديل، في حين يقوم الثلثان الآخران على البنية الأساسية لهذه الترجمة الأخيرة ذاتها. والسؤال الذي يطرح نفسه، إذاً، هو ما الذي مكّن »طبعة الملك جيمس« من أن تحقق ما حققته من منزلة رفيعة بين ترجمات الكتاب المقدّس الأخرى؟ ولعل الإجابة تكمن في أنّها مثّلت ذروة ذلك التطور المتسارع الذي راح يعتري العالم واللغة في تلك الفترة، فترة النهضة. فمما يراه صموئيل جونسون، الناقد الشهير والمؤرّخ البارع لتطور اللغة الإنكليزية، أنّ هذه الأخيرة بلغت أرفع ذراها خلال عصر النهضة. وتالياً، فإن »طبعة الملك جيمس« كانت قد انتفعت بهذه الثورة اللغوية وأسهمت فيها في الوقت ذاته. وما إن أتى القرن التاسع عشر حتى كانت هذه الطبعة قد ضمنت مكانتها في التاريخ بكلّ قوة، لدرجة أنّ اللورد ماكولي أشار إليها بأنها »الكتاب الذي يكفي وحده لأن يبيّن أنصع التبيين مدى جمال لغتنا وقوتها، حتى لو اختفى وزال كلّ شيء آخر مكتوب بهذه اللغة«. وإنّ هذا ليحيلنا إلى وجه آخر من أوجه سياسات الترجمة، بحصر المعنى. فقد افترض بترجمة الملك جيمس، من الوجهة الرسمية، أن توضح المعنى وتستعيده. غير أنّ كلّ ترجمة ناجحة مختلفة عن الأصل بالضرورة، لأنّها إذ تفترض النظر إلى النصّ الأصلي بوصفه شيئاً سبق استيعابه، وتأويله ، وتخليصه من التباسه الهشّ إنّما تستعيد البراءة التي تفقد بعد القراءة الأولى بهيئة جديدة، حيث يواجه القارئ مرّة أخرى بنصّ جديد بكلّ ما يكتنفه من غموض. ذلك هو تناقض الترجمة الذي لا مفرّ منه، وذلك أيضاً هو منبع ثرائها وغناها. لقد كانت الغاية من المشروع الضخم المتمثّل بإعادة ترجمة الكتاب المقدّس غاية سياسية، سواء بالنسبة للملك جيمس أم بالنسبة لمترجميه: كانوا يريدون كتاباً مقدّساً يمكن للجمهور أن يقرأه على انفراد وكذلك بصورة مشتركة و جماعية، نظراً لكونه نصّاً مشتركاً وجماعياً. ولقد زيّنت لهم الطباعة وهم القدرة على إنتاج الكتاب نفسه إلى ما لا نهاية؛ وعمل فعل الترجمة على تعزيز هذا الوهم، فبدا كأنّه يحلّ طبعة واحدة، محبّذة رسمياً، ومقرّة قومياً، ومقبولة دينياً، محلّ الطبعات المختلفة لهذا النصّ. هكذا غدت »طبعة الملك جيمس«، التي نشرت في العام 1611 بعد أربعة أعوام من العمل الشاقّ، »الطبعة الموثوقة«، و«الكتاب المقدّس للجميع« في اللغة الإنكليزية، وهي الطبعة التي يجدها المسافرون إلى جانبهم في غرف الفنادق حين يسافرون إلى بلد ينطق بالإنكليزية، في محاولة لإنشاء »كومنولث« من القرّاء عن طريق نصّ موحّد. غير أنّ مترجمي الملك جيمس كتبوا في تصديرهم الكتاب أن »الترجمة هي ما يشرع النافذة كيما يتيح للنور أن يدخل؛ وهي ما يكسر القوقعة، كيما يمكن لنا أن نأكل اللبّ؛ وهي ما يزيح الستارة، كيما يمكن لنا أن نرى إلى المكان الأقدس؛ وهي ما يرفع الغطاء عن البئر، كيما يمكن لنا أن نرد الماء«. وما عناه ذلك هو عدم الخشية من »نور الكتاب المقدّس«، والتعهّد للقارئ بتوفير فرصة للاستنارة. وما عناه أيضاً هو تحرير النصّ من قيود المكان والزمان، لا الشروع بحفريات أثرية في محاولة لإعادة النصّ إلى حالة أصلية موهومة. وما عناه بعد هو أن يتاح لأعماق الدلالة أن تبرز وتظهر، لا التبسيط الذي يقصد إلى الشروح والتفاسير الضحلة الهزيلة. وما عناه أخيراً هو بناء نصّ جديد ومكافئ، لا اختصار النصّ على الطريقة المدرسيّة.