بعد الاطلاع على مقالة الرفيق غسان الرفاعي (السفير، 5 آذار)، يحسب المرء ان كاتبها لا يمتلك الخبرة والتجربة النضالية، وهو القيادي المتمرس والذي طالما استمتعت لنقاشاته في اللقاءات خلال فترة اعتز بها، دامت اكثر من عشرين عاما. ان مطالبة الكاتب ورفاقه، الشيوعيين بالالتحاق بالحزب التقدمي الاشتراكي وبرئيسه الاستاذ وليد جنبلاط، تعكس اللاتوازن في المنطق المجترح، وبالتالي، نميل الى الاعتقاد بانه الخلل بحد ذاته، لطالما هو ناجم عن قيادي بارز اعتبر لفترة طويلة، انه يتسم بالعلمية في نقاشه وتحليلاته السياسية. وبالطبع سنجيب لماذا؟ لانه لا يحق لي او لغيري تناول هذا الموقف »اليميني« من دون اسناده بالمبررات والتي من المفترض ان تقارع المنطق المتمفصل على امكانية انجاز »استقلالية« الحزب الشيوعي اللبناني من خلال الالتحاق بالطوائف. ان المجتمع اللبناني في بنيته الطوائفية والسياسية والثقافية والاجتماعية، لم تُتَح له الفرصة للتأسيس وللانخراط في دولة المؤسسات والقانون، فالطبقة السياسية التي تناوبت على السلطة منذ »الاستقلال« في العام 1943، تعاطت مع هذا المجتمع باعتباره مجموعة من الطوائف والثقافات و»الكتل اللحمية« المتراصة والمنقسمة على بعضها عند الضرورة، الى اثنيات وعصبيات، وهي طبقة انتجها النظام السياسي الطوائفي، والتي حاولت بدورها تأييده في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف بدعم سوري وعربي واميركي، وهي دأبت على نهب ثروات الدولة والوطن. فمعظم السياسيين الذين توزعوا اليوم بين الموالاة والمعارضة السلطوية ومنهم من توزع في الجانبين، استباحوا ونهشوا المقدرات الحيوية للشعب اللبناني وأغرقوه في مديونية من الصعب الخروج منها، وقبل هذا وذاك أخضعوه لقنوات الاستزلام والاستخدام، ينبغي العمل طويلا للتخلص منها. فهذه البنية الاجتماعية الطوائفية المستمرة في صيرورتها بفعل السيطرة الطبقية لدولة الطوائف، لم تستطع خلال خمسين عاما على الاقل، ان تقاوم العوامل الخارجية، لأنها بنية هشة، فتموضعت مع هذه العوامل ولكادت تصبح هذه العوامل، عوامل داخلية في بنية اجتماعية يضعف فيها العامل الذاتي ويقوى عليها العامل الخارجي. ونميل الى الاعتقاد ان الثقافة المنتجة والمتبلورة بفعل العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية والتي تعتمد على الاستقواء بالخارج من خلال استقواء الطوائف به، وهي »الثقافة الوطنية« المنتشرة لدى جزء كبير من الشبيبة، المعتصمين منهم في ساحة الشهداء، وغيرهم من اصحاب المواقف الداعمة والموالية للسلطة وللوصاية السورية، والتي تغذيها الشعارات الاحادية والفئوية لقيادات الموالاة والمعارضة السلطوية على السواء، بحيث تستقوي الاولى بالوصاية السورية ضد الضغوطات الاميركية، فيما يستقوي بعض اطراف المعارضة بالقوى الاميركية والدولية، بحجة انه لا يمكن انهاء الوجود السوري من دون الاستعانة بالخارج. ان اللاتوازن في الموقف السياسي للرفيق غسان ورفاقه، هو في عدم اجراء التوازن في شعاراتهم السياسية، حصرا، في استبدال الوصاية بوصاية اخرى، ومن جهة ثانية إغفال الاصلاح السياسي ومتطلباته، والذي من دونه عبثا نحاول تأمين الاستقرار لمستقبل لبنان، في حين ان التوازن في الموقف السياسي للشيوعيين وقد يميل اليهم جزء كبير من الديمقراطيين والمستقلين والمتمثل في رفض الوصاية السورية منذ بداية الحرب الاهلية، ورفض اي وصاية اخرى، فضلا عن الاهتمام في ضرورة الشروع في الاصلاح السياسي الداخلي المتجسد في بلورة قانون انتخابات نيابية يساوي بين اللبنانيين ويعزز من وحدتهم، وقانون اختياري للاحوال الشخصية وتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية وصولا الى المجتمع العلماني، اضافة الى الفهم المميز الذي يطاول المطالبة بسيادة لبنان واستقلاله وعروبته وحريته وديمقراطيته وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية. ان المسألة الملحة هي برفض الوصاية وببناء دولة المؤسسات والقانون، والعمل على صياغة مفهوم جديد للوحدة الوطنية، بعيدا عن المشاهد »الفولكلورية« الرحبانية (**) التي نشهدها اليوم ومنذ زمن طويل (مسلمون ومسيحيون) (العيش المشترك)، فاللبنانيون لم يتفقوا حتى الآن على القضايا الجوهرية التي توحدهم (مفاهيم السيادة والاصلاح السياسي، الوحدة الوطنية، الثقافة الوطنية والمواطنية...). فالقضايا الكبيرة تبقى قضايا خلافية، طالما ان هذه الطبقة السياسية مسيطرة على مقدرات البلد، وطالما ان الخطاب السياسي استند ولا يزال على استحضار الغرائز والعصبيات ويستقوي بالخارج على الدوام. أهذا ما يطالبنا به الرفيق غسان ورفاقه، ان نلتحق ونتكيف مع الرياح الآتية و»المؤاتية« والتي قدمت نموذجا للديمقراطية في العراق على غرار »سجن ابو غريب« او دعم النظم »الديمقراطية« في ليبيا وباكستان واليوم في لبنان؟ الا يمكن اعتبار الظروف الراهنة، فرصة تاريخية للشعب اللبناني ولقواه الحية، للتأكيد على سيادته عن الوصاية السورية على لبنان وعلى رفض اي هيمنة سياسية اميركية ودولية؟ ألا يعتقد الرفيق غسان ورفاقه، ان من يريدنا للالتحاق به، وللأسف لا يأبه للاصلاح السياسي ولا يرغب في دولة المؤسسات، ولم يرفع اليوم شعار عدم التدخل الاميركي والدولي في الشؤون اللبنانية لمرة واحدة، وهو الذي تلا فعل الندامة (في مقابلة مع مارسيل غانم) على معارضته للغزو الاميركي للعراق منذ عامين؟ أليس من يريدنا الالتحاق به، الرفيق غسان، ساهم وباشراف سوري في ضرب التحركات النقابية وبتكريس منع التظاهر ووقف بعض وسائل الاعلام ونشراتها الاخبارية، جنبا الى جنب مع رموز السلطة الحاليين والسابقين، فضلا عن مشاركته في نظام المحاصصة وتهميش مؤسسات القضاء والرقابة والتفتيش، والموافقة بالكامل على سلوك الاستخبارات السورية واللبنانية؟ وهل غادرت القوى الاخرى كالقوات اللبنانية والاصلاح الكتائبية والاحرار وسواها، مواقعها الطوائفية، او على الاقل راجعت تجربتها خلال الفترة الماضية؟ أليس من السذاجة، بل ومن الديماغوجية، مخاطبة الشيوعيين والديمقراطيين للالتحاق بالطوائف والعصبيات، وهو ما تطرحونه منذ عشرات السنين، ليصبحوا جزءا من »الكتل اللحمية« وبالتالي التخلي عن مبررات وجودهم؟ اعتقد ان القيادة السياسية للحزب الشيوعي في فترة الحرب الاهلية، قد تمادت في تحالفاتها السياسية، خصوصا مع الاستاذ وليد جنبلاط، بحيث يشعر الرفيق غسان ورفاقه حاليا ومنذ فترة بالنوستالجيا السياسية التي اعتادوا عليها في تلك الآونة، بالرغم من اعترافنا بوجود بعض الجوانب الايجابية لهذه العلاقات والتي لا يمكن نفيها... ألا يعتقد الرفيق غسان ورفاقه بأنه بات من الضروري، وأنا أنصحهم بذلك (بخوض نقاشات مع الشبيبة اللبنانية على تنوع مشاربها ومناطقها ومنطوقها)، ليعلموا انهم منقسمون؟ وأنه مجرد الحديث معهم عن موضوع الاستقلال عن القوى الخارجية، فان معظمهم يوافق على ذلك؟ قد يكون الخيار الثلاث، وانا مقتنع بذلك، لم يترجم شعاراته او يفعل آليات عمله حسبما تقتضيه المرحلة كما ينبغي، انما الحل الذي تطرحونه هو حل باعتقادنا، يدمر استقلالية الحزب بمقدار ما ينخرط في مشروع الطوائف والتكيف معها، وهو حل لا افق سياسيا له، سوى الانصهار في النسيج الاجتماعي والسياسي الطوائفي من دون مقاومة او امكانية مقاومة التوجه السياسي المقبل (اعادة التقاسم السياسي للبنان وللمنطقة) بدعم »من الخارج«، فهل هذا هو الحل برأيكم؟ فيا ايها الرفيق غسان ورفاقه، الذين اعتز بهم جميعا، اتمنى عليكم ان تغادروا مواقع الحنين السابقة، واقلعوا عن استحضار الخطاب الذي يزيد من البلبلة والتشويش في قلة او في كثرة، فلا اسقاط الوعي على الآخرين من جهة، او اهمال ما يسمى »نبض الشارع« يمكن ان يؤديا الى بلورة الموقف السياسي الصحيح لأي قوة سياسية تغييرية، إنما الوعي هو نتاج واقع ملموس يستند الى دينامية البشر في تحركهم وتمرسهم، وفي التجارب الغنية والنقاش الطويل، واستخراج آراء الجماهير بما يتناسب مع خطة الحزب السياسية... كما وأنني ادعوكم بصدق للانضمام مع الآخرين لاستشراف المستقبل، بعيدا عن اتهامهم بالفشل وبعدم قدرتهم على الاستشراف. (*) استاذ ونقابي (**) نتناول هذه المسألة لاحقا لأهميتها...