أعتقد ان المضمون السياسي للمؤتمر الصحافي الذي عقده الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني د. خالد حدادة في 22 شباط لم يرتق الى مستوى الازمة والأحداث التي تعصف بلبنان، كما فشل في رصد الانعطاف النوعي الذي شكلته العملية الارهابية المقامرة في الحياة السياسية اللبنانية حيث تجدد اللجوء الى الاغتيال السياسي وصولا الى ازاحة خصم سياسي بحجم رفيق الحريري وما يمثله داخليا وعربيا وحتى دوليا، بعد فترة قصيرة من محاولة اغتيال مروان حمادة. كما فشل النص الذي القي في المؤتمر الصحافي في تلمس الاحتمالات والتداعيات التي سيتركها هذا الحدث على الوضع اللبناني ومكانته الاقليمية والدولية. ان الطرح الوصفي التبسيطي للزلزال الذي وقع لا يقدم اساسا معقولا لتحليل سياسي يساعد على فهم مسار التطور اللاحق. وبالتالي، لا يفتح أفقا لكيفية المواجهة! فالانطلاق من ان التوتر والاحتقان إنما نشآ بعد عملية التمديد لرئيس الجمهورية يخفي او يتجاهل التراكم السلبي الذي سببته سياسة السلطة ومن هم وراءها خلال السنوات الماضية، لذا يدعو المكتب السياسي الى التخلي عن سياسة التصعيد، والى خلق ما يسمى »اجواء حوار«، بلهجة وعظية. وبذلك يعرّي مدى العزلة السياسية والغربة عن الحياة الواقعية وعن المخاض الشعبي الذي استثارته عملية الاغتيال الرهابية، رغم كل الادعاءات المعاكسة، فلا يمكن ان يطرح شعار الدعوة الى الحوار بمعزل عن الواقع السياسي المحتقن الذي خلقته وعبرت عنه عملية الاغتيال التي تشير اصابع الاتهام، بل انها تدين رؤوسا ورموزا واطرافا تحددها الجماهير بالاسم في التظاهرات، وتنزع عنها الشرعية... ان ما تسمى »المبادرة« التي اطلقت في المؤتمر الصحافي لا تعدو كونها مجموعة من المطالب والشعارات التي قد تكون صحيحة وسليمة بذاتها، ومن حيث المبدأ: كالنسبية والدائرة الواحدة واقتراح انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي... الخ، لكنها غير واقعية، ولا يمكن تصور امكان انضاج شروط تحقيقها في الظروف السياسية الحالية، المحتدمة والمعقدة، وفي غمرة هذه الفورة الشعبية العارمة الغاضبة في الشارع. حتى رفع شعار استقالة الحكومة جاء في صيغة شكلية، دون تحديد مضمون سياسي لهذا التغيير، ليبقى الشعار طرحا »روتينيا« لا يحمل اي ادانة للنهج البوليسي الامني الذي يتقدم ويتفاقم في الممارسة في السنوات الاخيرة، ودون طرح توجه لايقاف هذا المنحى الخطير. ان الوضع المتوتر الناشئ في البلاد، والاحتمالات الاخطر التي يحملها، تتطلب من حزبنا بالذات، قبل غيره، ان تكون شعاراته واضحة، ان تكون مركزة على ما هو رئيسي وقابل للتحقق من المطالب وقريبة من الناس ومفهومة منها، لا ان تضيع في فيض من الطروحات المتداخلة التي تشوش الوعي. وهذا الوضوح في طرح الشعار هو الوسيلة الفعلية لتحريك وتحفيز نشاط ومبادرات الشيوعيين ومنظماتهم بين الجماهير. لا بد من التخلي عن سياسة »اللاتوازن«، المنحازة واقعيا الى السلطة ومن هم وراءها، بحجة »الخط الثالث« او الاستقلالية. ان هذا »الخط الثالث« المزعوم هو نهج خاطئ من الاساس، لانه في الحقيقة، يعبر او يكشف عدم قدرة الحزب على تحديد الحلقة الرئيسية في هذه المرحلة من تطور العملية السياسية. ان المعرفة بالحلقة الاساسية هي التي تضمن استقلالية الحزب في الوقت الذي تتيح له اوسع امكانيات المرونة في التعاطي مع القوى الاخرى من موقعه المستقل. واستطرادا لا بد من وضع حد لهذا الانكفاء المخيف عن الانغماس في العقل السياسي الحقيقي، باجراء انفتاح حقيقي في سياساتنا التحالفية مع اطراف ربطتنا بها اواصر الكفاح المشترك كالحزب التقدمي الاشتراكي، ومع غيره من القوى الجديدة التي تساهم عمليا، ووفق رؤيتها واجتهادها، في النضال تحت شعارات وطنية وديموقراطية... ومن البديهي ان هذا الانفتاح لا يغفل البتة نقاط التباين والخلاف في مسائل عديدة، ولا يؤثر على استقلالية أي طرف. ولا بد ان نتوقف بجدية وروية لفهم مغزى ضخامة وأهمية وزخم هذا التحرك الشعبي العارم غير المسبوق تحت الشعارات الوطنية والديموقراطية، مع اسقاط اي حذر تجاهه او خشية منه او تحفظ!! ويمكن النظر الى هذا التحرك، من حيث حجم المشاركة فيه ونوعية المشاركين والشعارات التي يرددونها، وتتسم بقدر كبير من العنصرية، وهي بأثرها السياسي تجاوزت سقوف العديد من القوى السياسية المنظمة. بهذا المعنى يمكن تقييمه انه بداية عملية تحول كبير باتجاه المشاركة الفعلية للجماهير في الحياة السياسية بصورة لم تعهد لها مثيلا الا في مرحلة النضال من اجل الاستقلال 1943، حيث تراجعت التمايزات والاصطفافات الطائفية... وليس مهما هنا بأي درجة او نسبة. وبهذه السمة تكتسب هذه الحركية طبيعة ديموقراطية يمكن تطويرها افقيا وزخما ماديا. والى جانب خطورة هذا الانكماش والحذر تجلى هذا النهوض الشعبي. بهذا المنحى، او بهذه الروحية من العمل، يصبح التركيز على المطالبة باجراء التحقيق وكشف ملابسات الجريمة وتحديد مرتكبيها والضالعين فيها من قبل هيئة ليست موضع شك او شبهة او اتهام، جزءا من تطوير الحالة الجماهيرية الديموقراطية وفتح آفاق امام تطور العملية السياسية في طريق تقدمي. بهذا المنظور كذلك يتخذ شعار المطالبة باستقالة الحكومة طابعا يعزز الثوابت الوطنية ذات الطابع المباشر كمطلب انسحاب القوات السورية واجهزتها الامنية، ويضعها في اطار سياسي سليم، بعيد عن العدائية او المواقف العنصرية، ويخلق الاجواء السياسية الصحية لقيام حكومة اتحاد وطني ترعى حوارا حقيقيا شاملا يشارك اللبنانيون فيه جميعا لتحديد سبل التطور اللاحق لوطنهم في طريق التطور الديموقراطي والتقدم الاجتماعي، بما في ذلك خلق اجواء ملائمة قانونا واجراءات لتحقيق انتخابات نيابية حرة ونزيهة. مثل هذه الطريق هي التي تحصن فعلا لبنان بوجه اي تدخل خارجي، وترسي اساسا سليما لعلاقة اخوية متكافئة مع سوريا. وهذا لا يعني فقط انه لا بد من اعادة تقييم شامل للوضع السياسي: الاقليمي والدولي (وليس الداخلي وحسب) ورؤية مستجداته وتحديد الموجبات الجديدة التي يفرضها من اجل ضمان السير في النضال التحرري الديموقراطي لشعبنا. بل ان ذلك يفرض انطلاق رؤية وقائع الحياة الدولية الجديدة، وعدم التمادي في لغة النضال التي كنا نستخدمها في الماضي واساليبه القديمة. فالبقاء اسرى اللغة والاساليب القديمة، والاستناد الى لغة التحدي، لن تجلبا على نضالنا في لبنان والمنطقة الا المزيد من الضغوط والتدخلات التي لا قبل لنا بردها، في ظل موازين القوى الحالية. ازاء هذا الفشل والقصور اللذين نسجلهما في نهج المكتب السياسي، نعود فنكرر من اجل اخراج الحزب من المأزق والعزلة السياسية اقتراحنا الذي سبق ان قدمناه في جلسة 13 شباط للمجلس الوطني، والذي طالبنا فيه بعقد سميتار سياسي فكري لنناقش نقديا الخط السياسي الممارس من الاساس في ضوء المستجدات الكبيرة والعميقة في بنية الرأسمالية المعاصرة والاستراتيجية الجديدة الملائمة لها التي تتجلى في الخطة والمشاريع الاميركية العدوانية تجاه المنطقة خصوصا مع بحث المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية السياسية في الانظمة والمجتمعات العربية واثرها على الوضع اللبناني... من اجل الوصول الى بلورة قناعات فكرية سياسية تعطل هذه المتغيرات وتقدم اجابات اكثر موضوعية واكثر علمية لتكون في اساس صياغة استراتيجية وتكتيكات منفتحة، مرنة لسياسة الحزب في الممارسة العامة، وفي العلاقات التحالفية وفي التعاطي مع الحركة الشعبية. وارى انه من الضروري ان أؤكد بقوة وبوضح انه ينبغي ان يعقد هذا السميتار السياسي الفكري خارج الاطر التنظيمية في الهرمية الحزبية، بمعنى ان لا تخضع الخلاصات التي ينتهي اليها الى »عملية التصويت«، وان لا تكون هذه الخلاصات، في الوقت نفسه، بديلا لاي وثائق او قرارات اصدرتها مؤتمرات الحزب، الا في حال وصولنا الى قناعات مشتركة لتحويلها الى مؤتمر حزبي استثنائي ليبت بأمرها. في اعتقادي ان اتباع هذه الآلية وحدها يوفر للحزب الأساس النظري والسياسي لاستعادة دوره ومساهماته النشيطة والفعالة في الحياة السياسية وفي الاوساط الجماهيرية، والخروج من حالة الانكفاء بالانفتاح على تحالفات واسعة. وهذه الطريق نفسها هي الطريق لاعادة تجميع الحزب واسترجاع كامل وحدته وتماسكه الداخلي وانخراط الكثير من كوادره الكفوءة في النشاط الحزبي سواء في منظمات او في الحقل السياسي او الجماهيري العام. * مداخلة ألقيت في جلسة المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني في الرابع والعشرين من شباط 2005