As Safir Logo
المصدر:

سمرقند اختارته لكتابتها والعودة إلى التاريخ مواجهة للذات محمد المنسي قنديل: نحن جرحى ولسنا أطباء وعلى الرواية أن تساهم في إقلاقنا

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2005-03-01 رقم العدد:10031

تتميّز الرواية الأخيرة للكاتب المصري محمد المنسي قنديل »قمر على سمرقند« (صدرت مؤخّراً عن منشورات الهلال، في سلسلة »روايات الهلال«، العدد 672، كانون الاول 2004)، بغوصها في الوجع الإنسانيّ، وباستعانتها بالتاريخ والمجتمع والذات والعلاقات والثقافة الإسلامية والنقد السياسي. فالراوي يذهب إلى سمرقند بحثاً عن أجوبة مُعلّقة ترتبط به وبعائلته وبتاريخ بلده، والشخصيات التي يلتقيها في رحلته هذه تعاني وجعاً وانكساراً وتمزّقاً في فراغ الروح وغربة الواقع. تميل الرواية إلى تجربة إسلاميّة، وتستعيد مرحلةً وثقافةً وحضارةً كي تقرأ الآنيّ بشفافية أحياناً، وبسرد مطوّل أحياناً أخرى، وتلتقط سيرة الراوي في تخبّطه في متاهة الحاضر، وفي عيشه في أزمة الإجابات الملتبسة والقلق الدائم. بمناسبة صدرو روايته هذه، أجرت »السفير« حواراً صحافياً مع كاتبها المُقيم في دولة الكويت حيث يعمل في المجلة الشهرية »العربي«، وذلك عبر البريد الإلكترونيّ. هنا، نصّ الحوار: ÷ لماذا اخترتَ سمرقند (مكاناً وتاريخاً وذاكرةً) مسرحاً لأحداث روايتك الأخيرة؟ { ربما هي التي اختارتني، تلك المدينة الساحرة والغريبة. ذلك أن كتابة الرواية أشبه بضربة برق، قبلها تكون ملهياً في الإعداد لموضوع طال تأجيله، تُجمِع له المراجع وتُسوِّق له الحُجج، لكنك تُعاود التأجيل، ثم يضربك برق الفكرة فجأةً، فتجد نفسك مشدوداً إلى الكتابة في لهاث متّصل. حدث هذا معي في خلال زيارتي مدينة سمرقند ضمن جولة صحفية كلّفتني بها المجلة الكويتية »العربي« التي أعمل بها. كانت جولة واسعة شملت أكثر من دولة في تلك المنطقة. استوقفتني الشخصيات والأحداث كما استوقفني ذلك التاريخ المُتداخل بين حافة الحاضر وعمق الماضي. وجدتني أكتب عنها، لا أتوقّف إلاّ قليلاً لأجمع شتات نفسي وبعضاً من المراجع، ثم أعاود الكتابة من جديد مؤجّلاً المشاريع كلّها التي كانت مُؤجّلة أصلاً. ÷ هناك ما هو جاذب في الرواية: استعادة شيء من التاريخ وإعادة صوغه بلغة أدبية سلسة ومبسّطة. جمع بعض التاريخ بالواقع الآنيّ في إطار حكائيّ جميل. ما الذي دفعك إلى التاريخ: الخواء الروحي والثقافي والفكري الذي يعيشه العالم العربي (والإسلامي) اليوم؟ أم لذّة في استكشاف، أو إعادة اكتشاف هذا الماضي؟ أم مجرّد رغبة أدبية بحتة في تحويل هذا التاريخ، أو بعضه على الأقلّ، إلى نصّ روائيّ؟ { أنتَ على حق، فنحن نعيش مرحلة من الخواء الروحي والمادي أيضاً. أضف إلى ذلك أني عاشقٌ للتاريخ، استعدته في أكثر من مرحلة في حياتي، ولي ثلاث كتب في إعادة صوغه في أشكال قصصية. أكتبُ الآن روايةً تدور أحداثها بين العصر الفرعوني والعصر الحاضر. لكن المسألة مختلفة في هذه الرواية، فأنت لا تستطيع أن تفكّ تشابك التعقيدات في سمرقند، بل في منطقة وسط آسيا كلّها، إلاّ بالعودة إلى التاريخ. إنها صورة غامضة، مليئة بالزهو واليأس. حنينٌ إلى هوية غير محدّدة، ونفوسٌ اكتشفَتْ عريها فجأةً، من زمن الإمبراطورية الإسلامية إلى الزمن المتحلّل ل»الخانات«، والاحتلال الروسي. إنها لا تعاني وطأة التخلّف الذي نعانيه نحن في عالمنا العربي، بل مخاوفَ الضياع. حاولت رواية »قمر على سمرقند« أن تجسّد هذا الأمر، والهروب إلى التاريخ ليس الحلّ لأي عمل أدبي، خاصة إذا كان يهدف إلى النوستالجيا أو عقد المقارنة. فالعودة إلى التاريخ يجب أن تعني، في جانب منها، مواجهة الذات، واكتشاف مدى ما فيها من أصالة أو زيف. هذا هو الهدف الذي سعيتُ إليه من خلال روايتي. لكن، يجب ألاّ ننسى أنها رواية، وأن كاتبها حكّاءٌ عليه أن يحكي من دون توقّف، تاركاً نواياه لاكتشافات الآخرين. ÷ لن يعرف القارىء أي شيء عن سبب زيارة الراوي سمرقند قبل أن يجتاز مرحلة طويلة من الرواية (إلى ما بعد منتصفها بقليل). ثم يبدأ الراوي بالقول، تدريجاً، إنه جاء المدينة للقاء جنرال عجوز يودّ أن يطرح عليه أسئلة. أضف إلى ذلك أن الأسئلة التي أراد الراوي طرحها لم تُطرح، بل استعاد هو فصولاً من سيرة أبيه وصديقه الجنرال نفسه. لماذا تأخّر الراوي بذلك؟ ولماذا لم تُذكر الأسئلة؟ { المعلومات في أي رواية كنزٌ ثمين، وعلى الكاتب ألاّ يكشف أوراقه كلّها دفعةً واحدةً، لذلك واصلتُ اكتشاف المكان قبل مواصلتي اكتشاف ما في داخل النفوس، والأسئلة كلّها التي كنتُ أهدف إليها طُرحَت من خلال الحكايات المتبادلة. أترى يا صديقي، إنه ذلك »التكنيك« الساحر الذي استغلّه الراوي القديم في قصص »ألف ليلة وليلة«: أناس يقابلون آخرين في مكان شبه واقعي فيقصّون عليهم حكاياتهم، وفي خلال الحكاية الرئيسة، تتفرّع عشرات الحكايات الصغيرة. هكذا ندخل أحيانا في متاهة غامضة لكن ممتعة من الحكايات، تنبثق منها الأسئلة الصعبة كلّها عن الحياة والحب والمصير. هدفان ÷ بدت لي الرواية وكأنها موزّعة على هدفين اثنين: قراءة انتقادية لمرحلة ساداتية والبحث في تاريخ إسلاميّ. كأن هناك حنيناً إلى هذا التاريخ الإسلاميّ، أو كأن هناك رغبةً في خطاب ديني ما يقول بحلّ إسلاميّ. ماذا تقول؟ { هناك أهدافٌ كنتُ أعيها وأنا أكتب، وأخرى فرضها سياق تجربة الكتابة. طبعاً هناك نقدٌ للمرحلة الساداتية، وأنا أعي ذلك، فأنا ضد (اتفاق) »كامب ديفيد« بتوابعه كلّها، وبكل ما يُمثّله. ربما لم تقرأ روايتي »الوداعة والرعب«، لكنك شاهدت ربما فيلم »فتاة من إسرائيل« المأخوذ عن الرواية نفسها، التي تمثّل موقفاً قديماً لي، أكّدته في هذه الرواية الجديدة. أما الحلّ الإسلاميّ، فهذه قضية مطروحة بشدّة، يتمحور حولها فكر عدد من الجماعات التي تُكِنّ العداء لإسرائيل والطغيان الأميركي والعولمة في سلّة واحدة، ولا تجد سلاحاً تواجههم به إلاّ المشروع الإسلامي. ليس لنا أن نحكم على الجانب الفكري من هذه الرؤية، ربما نحاسب جانبها الحركي والعنيف أحياناً، لكن هذه القضية مطروحة بشدّة في وسط آسيا كما هي مطروحة هنا. وعلى الرغم من كل ما يُقال عن إدانة الإرهاب السياسي، علينا أن ندرك أن هذا الفكر في أفضل حالته الحركية، وأنه ساهم في تحرير جنوب لبنان وإذكاء الانتفاضة الفلسطينية. ÷ هناك ما ظلّ مُعلّقاً من دون أجوبة، أو بقي غامضاً أو ملتبساً (إما بالمعنى الأدبيّ والجماليّ، أو ربما بالمعنى السلبي أيضاً): مصير طيف وعلاقتها بنور الله مثلاً. مصير نور الله. مصير الأسئلة الدينية الإسلامية التي بدت أساسية في الرواية. الجنرال وعائلته: فهو حاضر في استعادة الحكايات القديمة، لكنه في المشهد الآنيّ ظلّ متوتراً وشبه غائب وكأن وجوده (وإن انتقد بشكل مبطّن مرحلة سياسية في مصر) محاصَرٌ بالتمزّق الذي عاشه وزوجته بسبب ابنته وغرقها في بؤرة الفساد والرذيلة. { هل من الضروري أن تكون هناك إجابات على الأسئلة كلّها؟ ألا يجب أن تكون هناك فرصةً للاستنتاج أو الاستبطان؟ ما هي أهمية أن أقول عن طيف إنها ابنة نور الله أو ابنة أخته، أو أي شيء من قبيل هذه القرابات الدموية التي لا تعني شيئاً أحياناً. حتى الأسئلة الدينية لا تزال مُعلّقة، والجروح كلّها لا تزال مفتوحة. نحن جرحى أيضاً ولسنا أطباء. على الرواية، في جانب منها، أن تساهم في طرح الأسئلة، وفي إقلاقنا وكسر المنطق. هناك أشياء تركتها متعمّداً، ربما لإثارة التفكير، وربما لأنها لم تكن تحتاج إلى إجابة تقليدية. ÷ في كلمته المنشورة في الصفحة الأخيرة من الرواية، قال محمد المخزنجي إن في روايتك الجديدة هذه »غنائية النثر البديع« و»مشاهد صيغت بحيوية سينما عصرية مثيرة«. أجد في »قمر على سمرقند« مناخاً أدبياً جمع شيئاً متواضعاً من النثر السلس في صوغ الحكاية بوصف للحالة والفرد والمجتمع والتاريخ يقترب من الغنائية من دون أن يُسرف في استخدامها. أليس كذلك؟ { إذا كنتَ ترى ذلك، فليكن. لكني لا أوافقك الرأي. طقوس الندم ÷ حسناً. لكن، كيف تنظر أنت إلى نصّك الروائي بعد أن أنهيت كتابته؟ هل وجدت فيه ما كنت تبغيه شكلاً ومضموناً منذ أن بدأت مشروعك هذا؟ هل تقرأ رواياتك في العادة بعد نشرها؟ { الرواية نصّ حيّ ومفتوح، وطالما أنت تمارس الكتابة يكون النصّ دائم التشكّل والتغيّر. في رواية »قمر على سمرقند« مثلاً، بدأتُ الكتابة بمشروع بسيط: التقيتُ شخصيّة غريبة في بلاد بعيدة، يمارس صاحبها عملاً هامشياً بينما يحمل في أعماقه تجربة إنسانية ساخنة. اكتشفتُ سريعاً، أثناء الكتابة، أن هذا الرجل (نور الله) لا يُمثّل حالة فردية، بل تحوّلاً اجتماعياً كاملاً. هناك عصر يختفي بكل ما فيه من تناقضات، وعصر آت محمّلاً بنذر المجهول. اتّسع النصّ الروائي قليلاً. لكن، بعد مضي شوط آخر في الكتابة، اكتشفتُ أن الحاضر وحده لا يكفي للتدليل على ما أريد أن أقوله، وأن جذور الماضي أو التاريخ الذي تمّ تجاهله طويلاً في هذه المنطقة حيّ وحاضرٌ، خصوصاً مع المحاولة المستميتة للإمساك بأهداب الهويات الضائعة. اتّسع النصّ الروائي للمرّة الثالثة، عندما رأيتُ أن عليّ أن أضع مبرّراً للرحلة، وأن أضيف إليها ما يُمكن أن نطلق عليه البعد العربي أو المصري إن شئت الدقّة. بذلك، أصبح النص أمامي مركّباً، ومكوّناً من أصوات عدّة عليها أن تتضافر معاً لتؤدّي اللحن الأساسي، تماماً كما يحدث في الموسيقى البولفونية. أنتَ تعرف أن النص لا يكتمل إلاّ إذا أخذ طريقه إلى النشر. إنه، بذلك، يأخذ صيغته النهائية رغماً عن أنف الكاتب. فالنصّ غير المنشور رخو، قابل دائماً للتعديل وإعادة الصوغ. لكن النشر يقطع هذا الحبل السري الذي يوجد بين الكاتب ونصّه، ويجعله منفصلاً وغريباً عنه. لذا، لا جدوى من محاولة قراءته بعد نشره، فلن يولّد هذا إلا المزيد من الندم: ليتني كتبتُ هذا، وليتني تأنّيت هنا، وليتني، وليتني، إلخ. لذلك، أفضّل أن أؤجّل طقوس الندم كلّها إلى نصّ آخر. ÷ سؤال أخير: هناك نمط في الكتابة الروائية العربية اليوم يرتكز على التاريخ. ما رأيك؟ لماذا؟ { أنا أعشق روايات أمين معلوف. إنه كاتبي المفضّل. منذ »زمن إيفانهو« لوالتر سكوت و»على باب زويلة« لمحمد سعيد العريان وكتابات فريد أبو حديد وصولاً إلى روايات بنسالم حمّيش، وأنا أعشق هذا النوع الأدبي وأتمنى أن أستطيع المساهمة فيه. إن الواقعَ قاحلٌ كما ترى، ومادة الروائي مصنوعة من عواطف وأحاسيس فقيرة، فالعربي المعاصِر منهكٌ ومشغولٌ إلى درجة مفزعة. كيف يكون هذا الإنسان المتعب المهزوم مادة لروايتك، وأي رواية بائسة ستكون؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة