لا اعتراض على مشيئة الله وقضائه وقدره سبحانه، وللرجال محطات ومواقف نذكرهم بها. الموت نَقّاد على كفه جواهر يختار منها الجياد كان حبة العقد بين الرجال، وعلامة فارقة على جبين الوطن. حفر بيديه وبعقله الراجح وهمته العالية ونظرته وبصيرته النافذة لمستقبل الأيام وبسمة الأمل والثقة، بربه وبنفسه، وبوطنه لبنان وأمته العربية، حفر على مقدار قامته مكانه في التاريخ. أذكره يوم مسّت راحتاه النديتان جباه وكرامة أهل ثلاثين ألف طالب ونفضت عنهم اليأس ومرارة التحرق لمتابعة الدراسة الجامعية، في أيام الحرب وأيام السلام، وشرّع لهم دروب المعرفة في الجامعات اللبنانية وأرقى الجامعات في الخارج. أذكره يوم لامست راحتاه النديتان مآذن الجوامع وقباب الكنائس والخلوات ودور الحكمة والمشافي ومآوي العجزة واليتامى والمساكين. أذكر يوم كنت أمين المعادلات ولجان الكولكيوم والمهندسين في وزارة التربية الوطنية، وكانت هذه الدائرة وزارة الظل للتعليم العالي، المسؤولة مباشرة عن الجامعات في لبنان والعالم، ومنها هاتفني الصديق المهندس الفضل شلق والصديق الدكتور بلال عبد الله العلايلي مدير كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية، بعد انحسار العدوان الإسرائيلي عن العاصمة بيروت، وتراجعه الى صيدا والجنوب الصامد والرازح تحت نير الاحتلال، وكان لقائي معهما، المفاجأة غير المرتقبة، بتأمين سبعة آلاف منحة دراسية جامعية في عام واحد لكل طلاب لبنان من قبل الشهيد، الرئيس رفيق الحريري، وفتح أبواب الجامعات الموصَدة إلا على أبناء ميسوري الحال والأغنياء. وفاجأتني بشارة الحريري الشهم كلها نبالة وأصالة، يومها كانت وزارة التربية تقدم المنح للأوائل الخمسة من حملة البكالوريا القسم الثاني، وحجبتها عام 1969 لأسباب ليست عن قلة بل كانت الدولة في ازدهار وكثرة، وكان الأول في لبنان، شهيد العلم رمال رمال العبقري اللامع نجمه في دنيا العلوم، وكان من عداد العشرة الذين سيحكمون فرنسا، حيث تنادى نخبة من الرجال وأوفدوه الى فرنسا عبر الجمعية الإسلامية للتخصص والتوجيه العلمي التي أنشئت حينها وبسببه وأرسى مداميكها الرئيس نبيه بري وبعض كرام المغتربين.. وأوفدوا بعده مئات بل آلاف الشباب من مختلف الطوائف من لبنان لنهل العلم من منابعه. وكنا في لجنة التخطيط في الجمعية نوفد الأوائل المميزين علميا وذوي الحاجة والطموح عملا بالآية الكريمة »ربي زدني علما«. كان أول الغيث سبعة آلاف منحة دراسية جامعية من مؤسسته الراعية وفي عام واحد تعجز عنها الدولة! وكان جوابي لشلق والعلايلي مصحوبا بالشكر والامتنان نيابة عن أبناء شعبي في لبنان، انه لا يمكن تأمين هذا العدد الضخم من بيروت وعلينا التوجه لكل المناطق في لبنان من الجنوب المناضل قبل تحريره على يد المقاومة الباسلة، الى الجبل الشامخ والبقاع المعطاء والشمال الأنوف، لاستيعاب هذا العدد الكبير من الطلاب الذين تركوا الخندق والبندقية والحرب العبثية التي دمرت البشر والحجر في لبنان. وكان ما أراد الرئيس رفيق الحريري. انها كلمة حق تقال ومأثرة نذكرها من مآثره الطيبة، صاحب الكف الندية والبسمة السمحاء، شهيد كل لبنان وبلاد العرب والمسلمين. نذكره يوم مرت كفاه على خرائب بيروت المدمرة، عروسة المدن وزهرتها المشرقية حيث نفض عنها غبار المعارك ودمار الحرب ووحولها، وزمن إسرائيل الباغية على أول عاصمة عربية تجتاحها... وبلسم جراحاتها ودب في عروقها نبض الحركة والحياة.. وأبان وجهها الحضاري في ورشة الإعمار التي بدأها ولم تنته حتى يوم استشهاده في وسطها بل في قلبها النابض، والتي سيرقد في قلبها رقدة الأبدية. نذكره يوم مرت كفاه النديتان على أبواب المعوزين والفقراء والمساكين ونحسبهم أغنياء من التعفف، أذكر يوم أقام كلية الهندسة لجامعة القديس يوسف في كفرفالوس والمستشفى ومدرسة صيدا الحديثة بين صيدا وجزين وأوكل إدارتها لشقيقته المعلمة القديرة، والنائبة السيدة بهية الحريري رئيسة لجنة التربية في المجلس النيابي. أذكره يوم أنهى بناء المستشفى الخيري في كفرفالوس وأكمل تجهيزه بالمعدات والأسرّة، وكنت من أوائل الزوار برفقة الأخ والصديق الدكتور نزيه الحريري الذي أوكل إليه أمر إدارتها. ولفت نظري ان الغرف والأسرة واحدة، لا درجة أولى أو ثانية أو عاشرة... وكان الجواب أن أبا بهاء أرادها لجميع المرضى في درجة واحدة. نذكره جميعا في مواقفه الكبيرة منذ اتفاق الطائف ودوره المميز لإطفاء الحريق في وطنه لبنان.. الوثيقة الوطنية الأساس في قيامة لبنان الجديد الموحد أرضا وشعبا ومؤسسات.. وحضوره في صناعة هذا الميثاق. نذكر وقفته مع أبناء شعبه في الجنوب يوم »قانا« الشهيدة على أعتاب الأمم المتحدة »السعيدة« مع صديقه بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة وقتها، ودفع الأخير ثمنها غاليا بإزاحته من منصبه الرفيع ثمنا لوقفته مع لبنان. نذكره مع القضية المركزية، قضية العرب والمسلمين، قضية فلسطين، ومع قضايا العرب وتجيير علاقاته وصداقاته الدولية لصالح هذه الأمة. نذكر مواقف واجب الأخوة مع الشقيقة سوريا مع الرئيس حافظ الأسد، ومع الرئيس الدكتور بشار الأسد. نذكره بالخير وبالزرع الخير الذي آتى ثمارا طيبات ومُثلا عليا سامية غرسها في تربة لبنان وبلاد العرب، أنى حل وارتحل، ستؤتي أكلها ولو بعد حين.. انها بعض مواقف ومحطات عمره القصير العريض كما قال الفيلسوف ابن سينا،، ويبقى عمله الصالح في وطنه لبنان الذي أحب.. حيث مرت كفاه النديتان على ترابه وخطفه وطنه في مماته.. إذا لم تنصفه عدالة الأرض فستنصفه عدالة السماء.