بين 19 تموز من العام 1951 و14 شباط من العام 2005، ومروراً بالأول من حزيران من العام 1987 مساحة زمنية خاصة بتضحيات رئاسة الحكومة في لبنان. ففي ذلك الشهر الحار اغتيل الرئيس رياض الصلح في العاصمة الأردنية عمان على خلفية إعدام الزعيم أنطون سعادة، ثم امتدّت يد »القوات اللبنانية« لتطيح بالرئيس رشيد كرامي، وفي هذا الشهر الجليدي، يد أخرى آثمة، تقطف الرئيس رفيق الحريري من شجرة الحياة السياسية اللبنانية، ومن مفاصل الحركة الاقليمية والعربية لسياسة الشرق الأوسط، وكأنّه كتب على رئاسة الحكومة أن تفدي لبنان برجالاتها، وهي التي ما فتئت تغذّيه بدمائها في سبيل إنهاضه من كبواته. شهيد ثالث اعتلى رئاسة الحكومة وقدّم نفسه على مذبح الفداء، فكبر لبنان به. ووحده الرئيس الدكتور سليم الحص نجا بأعجوبة من محاولة اغتياله صبيحة عيد الفطر المبارك بتاريخ 5 ايلول 1984 بعدما استهدفت سيارة مفخخة موكبه الرسمي على طريق الروشة خلال توجهه لاصطحاب مفتي الجمهورية الراحل حسن خالد لتأدية صلاة العيد الفطر. فظهيرة يوم أمس، وتحديداً عند الساعة الواحدة إلا خمس دقائق، وبعيد لحظات قليلة من مغادرة موكب الحريري »المربع الأمني الرسمي« في المجلس النيابي وسلوكه طريق عين المريسة متوجّهاً إلى قصره في محلة قريطم، وبوصوله إلى قرب منتجع »السان جورج« وعلى مسافة غير بعيدة من فندق »فينيسيا«، دوّى انفجار كبير شبيه بزلزال ضخم، قَلَبَ الموكب رأساً على عقب وأحاله ركاماً، فيما استحال ركابه أشلاء متناثرة ومشوّهة، واختلط فيه اللحم البشري بالدماء النازفة وبالدمار والحطام، وذلك في عمل إرهابي ومشهد مأساوي أعاد إلى الأذهان صوراً قبيحة من الحرب ومتاريسها وسيّاراتها المفخخة. سيارة »مرسيدس« وقد علمت »السفير« من مصادر أمنية موثوقة أجرت تحقيقاً أولياً حسياً، أنّ الانفجار ناتج عن عبوة ناسفة تزن بين 250 و300 كيلوغرام من مادة »ت.أن.ت« الشديدة الانفجار، وأن العبوة كانت موضوعة على الأرجح داخل سيارة من نوع »مرسيدس«، ولكن لم يُحسم نوعها ومواصفاتها بعد، ولا يزال العمل الجنائي جارياً عليها بعد التحقق من السيارات المتضررة في الحادث، بغية معرفتها إذ قد يؤدي ذلك إلى كشف خيوط حول هذه الجريمة. وأحدثت قوة الانفجار حفرة بلغ عمقها ثلاثة امتار وقطرها نحو 15 متراً مما يدل على عنف الانفجار. وتردد في البدء أن ثمة رجلاً كان بداخل سيارة ينتظر وصول موكب الحريري وما إن لمحه وصار قريباً منه حتى التحم به في عملية انتحارية قد تكون الاولى من نوعها في لبنان إن صحت الأقاويل حولها، خصوصاً أن سيارات الحريري تملك أجهزة إنذار متطورة تستطيع من خلالها أن تكشف ما إن كانت هناك عبوات او أجهزة غريبة في طريقها فتعمل على الفور على تعطيلها وإبطال مفعولها وتفجيرها، وهو ما لم يحصل في اغتيال الحريري أمس، بحسب ما يبدو من المعطيات الأولية وغير النهائية. وخلّف الانفجار ونيران الحرائق المتأتية منه، أضراراً مادية كبيرة في المباني الواقعة ضمن نطاق الحادث وبلغت منطقة الحمراء، وفي السيارات العابرة والمتوقفة على جانب الطريق، وأسرعت القوى الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي ومختلف الأجهزة الأمنية وضربت طوقاً أمنياً وساعدت سيارات الاطفاء والاسعاف التي وصلت مسرعة، في أعمال سحب الجثث وإزالة الركام الذي تطايرت أجزاء منه إلى مساحة واسعة من محيط الانفجار. وفور وقوع الانفجار وصل الى المكان رئيس الحكومة عمر كرامي ووزير الداخلية سليمان فرنجية واطلعا ميدانيا على الوضع وأعطيا التوجيهات اللازمة للعناصر الامنية الموجودة في المكان. وفور توضح صورة الانفجار توجه الى مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت، حيث نقلت جثة الرئيس الحريري، عدد كبير من الشخصيات السياسية والوفود الشعبية وحصل تعارك بالايدي بين المواطنين الغاضبين ومصوري تلفزيون الجديد وتلفزيون المنار. مزهر وفهد وانتقل مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي جان فهد وقاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر الى مكان الحادث وأجريا كشفاً حسياً على الموقع، وأشرف القاضي مزهر على سير التحقيقات الأولية التي كانت تقوم بها عناصر أمنية من الأدلة الجنائية وخبراء عسكريون، وسطّر استنابات قضائية الى مختلف الأجهزة الأمنية، للبحث عن الفاعلين والمحرضين والمتدخلين وكشفهم. ثم زارا المستشفيات التي نقل إليها الضحايا والجرحى وكشف القاضي مزهر على بعض الجثث واطلع من الأطباء المعاينين على حالات الجرحى ولا سيما النائب باسل فليحان. وبعد ذلك عقد القاضيان مزهر وفهد اجتماعاً في مبنى المحكمة العسكرية في محلة المتحف، مع المسؤولين الأمنيين والخبراء العسكريين للوقوف على مجريات التحقيق، وأعطيا التوجيهات اللازمة في شأنها. وسيبقى القاضي مزهر متابعاً لهذه التحقيقات حتى تبلغه مرسوم مجلس الوزراء بإحالة الحادثة الخطيرة على المجلس العدلي وتعيين محقق عدلي للنظر فيها. وقد قضى نتيجة هذا الانفجار خمسة عشر شخصاً وجرح مئة وخمسة وثلاثين شخصاً. واستشهد الرئيس الحريري على الفور إذ تفحمت جثته بالكامل و»زم« لحمها، كما قتل عدد من مرافقيه الشخصيين اضافة الى مواطنين صودف مرورهم مشاة وبسياراتهم، في المكان. حروق فليحان من الدرجة الثالثة كما أصيب في الجريمة الوزير السابق عضو كتلة »قرار بيروت« النائب باسل فليحان بحروق بالغة تبيّن ل»السفير« من مصادر طبية، أن تسعين بالمئة من هذه الحروق من الدرجة الثالثة ما يعني أن نتائجها خطرة على صحة فليحان، وهذا ما استدعى نقله إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث لم تنفع الاسعافات في وضع حد لمفعول هذه الحروق الأمر الذي دفع إلى تسفيره إلى فرنسا حيث يوجد مستشفى خاص بمعالجة الحروق، وذلك على متن طائرة فرنسية طبية كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد أرسلها الى بيروت فور وقوع الانفجار لنقل الحريري والجرحى للمعالجة في فرنسا. وصدر عن مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت البيان التالي: »إن رئيس مجلس الوزراء السابق الشيخ رفيق الحريري، نقل متوفىً ومشوّه الجثة الى مستشفى الجامعة، من جراء الانفجار الذي وقع بعد ظهر اليوم (أمس)، كما نقلت الى المستشفى تسع جثث وحوالى مئة جريح«. وأعلنت المديرية العامة للدفاع المدني أن سياراتها ووحدات الطوارئ التابعة للعمليات المركزية وطوارئ العمليات في الطريق الجديدة والباشورة، والحدث، والغبيرة، والمريجة، والأشرفية، وبرج البراجنة، هرعت إلى المكان وعملت على إخلاء جثتين وعشرة جرحى إلى المستشفى، وتولت فرق الإطفاء فيها مكافحة الحرائق التي شبت في الأبنية والسيارات وأحصت تحطم نحو خمسين سيارة. ووصلت أصداء الانفجار الهائل الى ساحة النجمة حيث كانت جلسات اللجان النيابية متواصلة لاستكمال البحث في مشروع قانون الانتخابات النيابية وكان النائب فارس بويز يلقي كلمته فشعر »بنقزة« وقال »شو هيدا، انفجار؟«. وتردّد أنّ ضغط الانفجار أدّى الى إقفال الباب الرئيسي للقاعة العامة لمجلس النواب وتناثر الزجاج في مبنى المجلس ما اضطر النواب الى تعليق الجلسة والخروج من الابواب الجانبية وسط حالة من الهلع والوجوم. وتضاربت المعلومات الأولية حول ماهية الانفجار ومكانه الصحيح، قبل ان يحسم احد مرافقي الحريري ويدعى سامر اللهيب هذا التضارب ويؤكد لكل الوافدين على عجل، أن الحريري قتل، لتفتح صفحة حزينة من تاريخ لبنان الحديث.